إرهاصات … نجاحها ضرورة خليجية!

د. عبد الحميد الموافي –

نتمنى أن تصل قمة الرياض، بفضل حكمة قادة دول مجلس التعاون إلى ما تتمناه جموع شعوب دول المجلس والدول العربية من مصالحة وإنهاء الأزمة أو السير على الأقل في طريق ذلك، وخلاف ذلك سيكون صادما لشعوب دول المجلس، كما قد تترتب عليه سلبيات أكثر. أما الصائدون في الماء العكر فليتركوا لمصيرهم.

على مدى الأشهر والأسابيع والأيام الأخيرة جرت مياه كثيرة، مرئية أو معلنة، وغير مرئية، في القنوات الخليجية، خاصة فيما يتصل بالجهود المبذولة من أجل تهيئة أفضل مناخ ممكن في الأجواء بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بوجه خاص، وبين قطر والدول الأربع المقاطعة لها منذ أوائل يونيو عام 2017 بوجه عام. ولم يكن مصادفة أبدا، أن تشارك منتخبات كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين في دورة كأس الخليج الرابعة والعشرين، التي تحتضنها الدوحة، في أول خطوة ملموسة وذات مغزى، على طريق تجاوز المقاطعة بين قطر والدول الأربع المقاطعة لها، أو على الأقل التهيئة الهادئة لإنهاء المقاطعة، التي شكلت، وتشكل، بملابساتها وبالمدى الذي وصلت إليه، وبالممارسات التي صاحبتها أيضا، سواء كانت إعلامية أو على المستويات الأخرى، سابقة تريد جموع المواطنين في الدول المعنية وفي منطقة الخليج بوجه عام تجاوزها والارتفاع عليها وعلى ما صاحبها من سلبيات، ويمكن الزعم بأنه لا أحد من المهتمين بحاضر ومستقبل الخليج والمنطقة العربية، مسؤولا كان أو في موقع الجماهير، يريد التوقف أمامها، أو استمرارها.
وفي ضوء الكثير من المعطيات، سواء على صعيد العلاقات بين دول وشعوب مجلس التعاون لدول الخليج العربية، داخل مجلس التعاون وعلى المستوى الثنائي، أو على مستوى العلاقات بين الدول العربية في إطار جامعة الدول العربية وعلى المستوى الثنائي أيضا، أو على صعيد خبرات العلاقات بين الدول العربية الشقيقة خلال الستين عاما الماضية على الأقل، وما شهدته تلك العلاقات من تقلصات وخلافات ومقاطعات وحملات إعلامية متبادلة، لم تصل في مداها، أو في أقصاها، إلى ما وصلت إليه الحملات المتبادلة بين أطراف الأزمة الخليجية الراهنة، مع تمايز واضح وملموس بين الدول الخمس في أساليبها وطبيعة التجاوزات التي حدثت التي كانت، وستظل، دخيلة على طبيعة وعمق العلاقات بين الأشقاء، خليجيا وعربيا أيضا، فانه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي:
أولا : إنه ليس من المبالغة في شيء القول إن المناخ الخليجي والعربي العام في هذه الفترة، وبعد نحو عامين ونصف العام – أي نحو ثلاثين شهرا – من المقاطعة والتنابذ المرفوض، يشهد التقاء واسع النطاق، وعلى مختلف المستويات، كما سبقت الإشارة، حول أهمية وضرورة إنهاء هذا الفصل من تدهور العلاقات بين قطر والدول المقاطعة لها، ومن ثم العودة بالعلاقات الثنائية إلى ما كانت عليه قبل السادس من يونيو عام 2017، أو على الأقل إغلاق ملف المقاطعة والسير بخطى محددة ومتفق عليها لاستعادة العلاقات بين الدول الشقيقة – دول المقاطعة وقطر – تدريجيا إلى ما كانت عليه، أو أقرب ما يكون لذلك، رسميا وشعبيا. وبالنظر إلى أن ذلك، سيتطلب بالتأكيد محادثات ولقاءات وتبادل لوجهات النظر، وجهودا حميدة، بغض النظر عن تسميتها، خاصة من جانب السلطنة ودولة الكويت الشقيقة وربما بعض الأطراف المؤثرة الأخرى، وهو ما حدث بالفعل ويحدث حتى الآن، فإن الأمر لن ينتهي، أو تتبخر آثاره عبر «تقبيل الخشوم»، أو «تبويس اللحى» على الطريقة العربية المعهودة على مدى العقود الماضية، لسبب بسيط هو أن هناك رغبة من كل الأطراف الخمسة، المعنية مباشرة بالأزمة، لتجاوزها واستعادة زخم العلاقات الثنائية مرة أخرى ولو بشكل متدرج، وإرساء العلاقات بين الأشقاء على أسس ومبادئ، معروفة وقائمة ومنصوص عليها أيضا في كل مواثيق الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وفي مقدمتها احترام استقلال وسيادة الدول وحسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتعاون بحسن نية لتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة، وعدم اللجوء إلى القوة أو التلويح بها، وبحث أية خلافات والعمل على حلها بالطرق السلمية، وما يحقق المصالح المشتركة والمتبادلة لكل الأطراف، ولعل الأكثر أهمية من ذلك هو امتلاك وتوفر الإرادة السياسية اللازمة والكافية لدى الدول الخمس لتحقيق ذلك والالتزام به أيضا، بشكل حقيقي وواضح وصريح، وهو ما يتطلب العمل الجاد على كافة المستويات لتحقيقه.
ثانيا: في الوقت الذي بذلت فيه دولة الكويت الشقيقة وخاصة سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت جهودا مخلصة وحثيثة، لا تزال متواصلة، على طريق التهيئة للتقارب بين الأشقاء أطراف الأزمة، وهو ما ساندته السلطنة سياسيا ودبلوماسيا، عبر جهودها الدؤوبة والمخلصة، قبل بدء الكويت لجهودها وبعدها وبالتنسيق معها أيضا بشكل أو بآخر، فإنه ليس من المبالغة في شيء القول إن هذا العام، الذي تترأس فيه السلطنة الدورة الحالية لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، شهد في الواقع تطورا هادئا ومتواصلا في العلاقات بين أطراف الأزمة الخليجية، الأعضاء في مجلس التعاون، وذلك من خلال مشاركتها جميعها في كل الاجتماعات التي عقدت على مستوى دول مجلس التعاون التي استضافتها السلطنة، وعقد بعضها في الكويت أيضا، وهو ما يهيئ لمناخ أفضل من التواصل وعلى نحو يضع حدا لغياب أي من دول المجلس عن الاجتماعات المشتركة التي تعقد في إطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية، – بغض النظر عن مستوى التمثيل في الاجتماعات وبعضها، إن لم يكن معظمها، عقد على مستويات رفيعة، وهو تطور مهم وضروري لصالح منظومة مجلس التعاون اليوم وغدا. ومن ثم فإن هذا العام 2019 يمكن اعتباره العام الذي تغير فيه اتجاه منحنى الأزمة من الاتجاه التصاعدي إلى الاتجاه الهبوطي، حيث تختفي كثير من مظاهر التنابذ والحملات المتبادلة وهو أمر محسوس الآن مقارنة بشهور عدة مضت.
جدير بالذكر أنه بالتوازي مع ذلك، فإن الأسابيع الأخيرة شهدت تكثيفا للاتصالات، والزيارات واللقاءات والرسائل المتبادلة على أرفع المستويات، ليس فقط بين الدول الخمس المعنية بالأزمة الخليجية، ولكن أيضا بما يشمل السلطنة والكويت الشقيقة، من أجل فتح ثغرة في جدار الأزمة، يمكن النفاذ منها إلى مسار أرحب وأكثر ملاءمة للتهيئة لاستعادة العلاقات والثقة المتبادلة بين الأشقاء والتهيئة لحل الخلافات بما يعزز في النهاية تقارب الأشقاء وتجاوز مرحلة الجفاء التي حدثت وكل ما صاحبها.
وإذا كانت السلطنة قد أعربت على نحو واضح ومباشر أيضا عن موقفها الذي لا يرى مقاطعة قطر ولا المشاركة في تلك المقاطعة، وهو موقف مبدئي للسلطنة يعود لعقود عدة، فيما يتصل بعلاقاتها مع الأشقاء والأصدقاء، حيث لا تأخذ بمبدأ المقاطعة، إلا إذا تعرضت هي لما يوجب ذلك في العلاقة مع أي طرف آخر، فإنه من الأهمية بمكان الإشارة في هذا المقام إلى نقطتين أساسيتين:
أولهما: إن الموقف العماني الرافض لمقاطعة قطر أو أي من الأشقاء هو موقف عماني مبدئي وقديم، وهو أيضا موقف معروف وتم اتخاذه في حالات عدة من الخلافات العربية والخلافات مع دول أخرى، فالسلطنة على سبيل المثال لم تقاطع مصر بعد عقدها معاهدة سلام مع إسرائيل عام 1979، ولم تقاطع العراق خلال وبعد غزو الكويت عام 1990، بل شاركت في حرب تحرير الكويت ضد العراق في عام 1991، كما أنها لم تشارك في مقاطعة سوريا بعد أحداث 2011 والمواجهات المسلحة بين القوات السورية والفصائل السورية المعارضة، وبالطبع لم تشترك في حرب عاصفة الحزم في اليمن عام 2015، فالسلطنة تفضل دوما الإبقاء على نافذة للاتصالات، وهو ما أثبت قيمته وأهميته في مختلف الحالات لصالح كل الأطراف المعنية أو المشاركة في عمليات المقاطعة والأمثلة أكثر من أن تحصى، وهو ما أكد في الوقت ذاته بعد نظر السياسة العمانية ورؤية جلالة السلطان المعظم في هذا المجال منذ سنوات عديدة.
أما النقطة الثانية فإنها تتمثل في أن السلطنة في موقفها الرافض لمقاطعة الأشقاء لم تخالف إجماعا، لا خليجيا ولا عربيا في هذا المجال، منذ عام 1977 وحتى الآن. وهو ما يفند مزاعم كثيرين، ادعوا ويدعون أن السلطنة خالفت أو تخالف إجماعا خليجيا أو عربيا برفضها لمقاطعة الأشقاء.
على أية حال فإنه إذا كانت السلطنة تملك الإرادة السياسية والقدرة على اتخاذ مواقفها المبدئية والصريحة والمعلنة أيضا، فإنها حرصت دوما على العمل على تحقيق المصالح الجماعية للأشقاء، سواء داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أو داخل جامعة الدول العربية او على المستوى العربي والإقليمي الواسع ، ولم تعمد أبدا إلى المتاجرة بمواقفها، ولا إلى توظيفها لخدمة مصالح آنية أو طارئة، بل إنها في جهودها الخيرة والحميدة لم تتطلع إلى مصلحة أو عائد ما من هذا الطرف أو ذاك، ومن حسن الحظ أن الجميع، في الخليج وعلى المستوى العربي والإقليمي أصبح مدركا ومتيقنا إلى أبعد حد للموقف العماني وللدوافع الخيرة والمجردة له أيضا.
أما تحسن معدلات أو حجم التجارة، أو تطوير العلاقات مع الشقيقة قطر، بعد الأزمة، فانه أمر دخل ويدخل في إطار العلاقات الثنائية الطيبة والمتنامية بين الدولتين والشعبين الشقيقين ويحكمه ما يحكم العلاقات مع كافة الأشقاء داخل مجلس التعاون وداخل الجامعة العربية وعلى المستوى الثنائي أيضا، وهو ما يحدث بالفعل على مستوى الواقع مع عدد من الأشقاء في هذه الفترة لاعتبارات ليس منها الأزمة الخليجية بالتأكيد.
ثالثا: إنه مع الوضع في الاعتبار مختلف التحركات ذات الصلة بالأزمة الخليجية، وما ذكرته صحف عالمية وعربية ذات وزن، ووكالات أنباء ذات ثقل من ناحية، وما تردد على بعض مواقع التواصل الاجتماعي من ناحية أخرى، وهو ما يثير قدرا غير قليل من عدم الوضوح، ومن عدم التيقن أيضا حول ما يمكن أن تشهده القمة الخليجية القادمة في الرياض، إلا انه من المأمول، من منطلق المصالح الخليجية والعربية أيضا، أن تكون الإرهاصات الجارية واللقاءات والاتصالات رفيعة المستوى مؤهلة ودافعة بشكل قوي نحو حل الأزمة الخليجية وفتح المجال أمام تجاوزها وتجاوز كل السلبيات التي صاحبتها، وهي كثيرة، ومنها ما هو نفسي أيضا. غير أن الأمر في مثل هذه الخلافات وحالات التنابذ التي صاحبتها لا يحدث بشكل مفاجئ أو فوري، خاصة وإنه كانت هناك شروط ومواقف معلنة من هذا الطرف أو ذاك. وبالنظر إلى أن المصالح الخليجية والعربية، خاصة في الظروف الراهنة، تتطلب استجماع كل القوى العربية ومحاولة التغلب على الخلافات القائمة، وإعلاء المصالح الجماعية على المصالح الفردية، والحاجة أيضا إلى التأكيد على قوة الأسس التي تحكم العلاقات العربية، فإنه من المأمول أن تتحرك كل الجهود وأن تصب في قناة تجاوز الأزمة الخليجية واستعادة العلاقات بين قطر والدول المقاطعة لها. وفي هذا المجال فلعله من المفيد أن خبرة العلاقات العربية والخليجية أيضا أكدت دوما على أن المدخل لتجاوز الخلافات هو وقف التراشق الإعلامي بين الأطراف المعنية والترفع بل تجنب كل ما يمكن ان يسيئ للشقيق دولة وشعبا من ناحية، والتأكد على الالتزام الجاد والحقيقي بمبادئ العلاقات بين الدول الشقيقة وغير الشقيقة وهي مبادئ نصت عليها المواثيق التي وافقت عليها وقبلتها الدول أطراف الأزمة منذ عشرات السنين، فمن شأن ذلك أن يقتلع الكثير من الشكوك وان يضع العلاقات بين الأشقاء على مسار توافق عليه وترتضيه كل الأطراف، أما حديث الشروط ومحاولة فرضها فإنه حديث يدخل في إطار تكتيكات السياسة وضغوط الإعلام، أكثر منه وسيلة لإدارة علاقات بين الأشقاء وبين الأصدقاء، لسبب بسيط هو أن الدول، كل الدول في عالم اليوم، تعتز بسيادتها وترفض التدخل في شؤونها الداخلية، حتى لو كلفها ذلك مصاعب أو أدى إلى مشكلات ما. ولعله من المفيد، اليوم وغدا، بالنسبة للعلاقات بين الدول العربية، خليجيا وعربيا، أن تلتزم جميعها بالمبادئ التي تريد من الآخرين الالتزام بها في تعاملاتهم معها، فهل يتحقق ذلك؟
بالفعل نتمنى أن تصل قمة الرياض، بفضل حكمة قادة دول مجلس التعاون إلى ما تتمناه جموع شعوب دول المجلس والدول العربية من مصالحة وإنهاء الأزمة أو السير على الأقل في طريق ذلك، وخلاف ذلك سيكون صادما لشعوب دول المجلس، كما قد تترتب عليه سلبيات أكثر. أما الصائدون في الماء العكر فليتركوا لمصيرهم.