السلطنة تجمع العلماء والباحثين والخبراء لبحث الأصـــــول الشرعية والأنظمة الإسلامية في فقــه المــاء

جلسات مستفيضة حول الاتفاق المائي في المذاهــــــــــــــــــب الإسلامية ونظام الأفلاج والري وأسواق المياه –
كتب : سيف الفضيلي وسالم الحسيني ونوح المعمري –

بمباركة سامية من حضرةِ صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه، ناقشت ندوة تطور العلوم الفقهية في يومها الأول الأصول الشرعية والأنظمة الإسلامية في فقه الماء، وقضايا الماء في الفقه الإسلامي، متناولة في جلساتها الثلاث فقه الماء في القرآن الكريم والسنة النبوية وواقعنا المعاصر، بالإضافة إلى فقه الماء في المصادر الإباضية والمذاهب الإثنى عشرية والعقود الواردة على الماء في الفقه الإسلامي، وشهدت الجلسات العديد من المواضيع والمناقشات المستفيضة وتحاور حول التنظيمات الإدارية في فقه الماء من حيث الحسبة على المياه وحقوق الاتفاق المائي في المذاهب الإسلامية ووقف الماء ونظام الأفلاج في الفقه الإباضي ونظام الري في فقه المغاربة وأسواق المياه، جاءت الندوة التي نظمت بفندق جراند حياه مسقط، تحت رعاية معالي الدكتور عبد الله بن محمد السعيدي، وزير الشؤون القانونية بحضور أصحاب المعالي والسعادة والمكرمين وعدد من العلماء والمفكرين.

البحث المستجد باستمرار

قال سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة: ما أحوج الأمة الإسلامية إلى البحث المستجد باستمرار في القضايا المستجدة ومن خلال ذلك يتطور الفقه، ففي كل عصر قضايا تنجم عن تطور الحضارة تفرزها هذه التطورات المتسارعة للحضارة الإنسانية والفقه يتسع لذلك كله فإن الفقه فيه القواعد الكلية التي تندرج ضمنها جميع الجزئيات التي تتعلق بالموضوعات المتعددة فما أحوج الأمة إلى هذا البحث المستمر والنظر في هذه القضايا المستجدة لتؤطر في إطار الفقه الإسلامي.
وقضية الماء قضية مهمة لأنه روح الحياة (وجعلنا من الماء كل شيء حي) فالله سبحانه وتعالى امتن بهذا الماء بما أنزله من كتابه امتن بإنزاله وامتن بحفظه (وأنزلنا من السماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهابه لقادرون) فالله سبحانه وتعالى لو شاء لما أمسكت الأرض الماء بل يمكن أن تتصدع أو يتبخر هذا الماء، فلو تصدعت وغار في أعماقها فإن أي من أيدي البشر لا يمكن أن تستخرجه من أعماقه الغائرة، ولو أنه تبخر أيضا لما بقي له أثر ولكن فضل الله سبحانه وتعالى من علينا ببقاء هذا الماء ليكون روحا لهذه الحياة.
ولذلك كان من الواجب أن تشكر هذه النعمة أيما شكر لأن الله سبحانه وتعالى أوجب على عباده شكر نعمه ومن لم يشكر نعمة الله فقد كفرها، (ليبلوني أأشكر أم أكفر) ولذلك يجب أن يحافظ على هذه الخير الكثير الذي من الله سبحانه وتعالى به على عباده ومن خلال هذه المحافظ يحرص الناس جميعا على عدم الإسراف في الماء فكل شيء إنما يجب أن يتوسّط فيه بين طرفي الإفراط والتفريط وبهذا التوسط تبقى النعم كما هي ويكون ذلك شكرا لهذه النعمة التي انعم الله تعالى على عباده.
وتأتي هذه البحوث المتعددة لبيان هذه النعمة العظيمة وبيان كيف يحافظ عليها من خلال الاجتهاد الذي كان عبر القرون الماضية والذي لا يزال مطردا والحمد لله فإن بابه لم يغلق في أي وقت من الأوقات، يجب أن يبقى باب الاجتهاد مفتوحا إذ لو اغلق باب الاجتهاد لوقع الناس في مشكلات عظيمة إذ الحياة تتطور باستمرار وتحتاج في كل عصر إلى نظر جديد يقوم به العلماء الربانيون المتضلعون في الفقه الإسلامي الواسع (فلولا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون).
فأسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الندوة وأن يبارك في هذا الاجتماع الميمون وأن يبارك في هذه الجهود المتضافرة وأن يمنّ على الجميع بالتوفيق.

التطوير في البحوث الفقهية

وجاءت كلمة سماحة الشيخ شوقي علام مفتي جمهورية مصر: «بأن قضية التجديد والتطوير في البحوث الفقهية من أهم القضايا التي تشغل بال أهل العلم في العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر، هذه القضية التي برزت على أغلب منصات المؤتمرات العلمية العالمية وتردد صداها في أروقة البحث العلمي الأكاديمي حتى أصبحت واجب الوقت وضرورة الضرورات؛ فبالتجديد يتسنى لنا أن نساير متطلبات العصر وأن نحقق مقاصد الشريعة الغراء من غير إخلال بالثوابت أو إهدار لأي معلوم من الدين بالضرورة.
ومصطلح التجديد والاجتهاد بين كل منهما من التلازم والاطراد والارتباط ما يكاد يجعلهما وجهين لعملة واحدة فالتجديد من لوازم الاجتهاد الصحيح لأن الاجتهاد معناه بذل الفقيه وسعه في استنباط الحكم الشرعي ويدخل في هذا المعنى بالضرورة فقه النوازل المعاصرة والقضايا المستجدة التي لم يرد فيها نص شرعي وإنما يكون ذلك بإدراك علل التشريع وأسراره التي هي مناطات الأحكام الشرعية والتي يتوقف على معرفتها وادارك مسالكها في نظر المجتهد عملية الإلحاق أو القياس بشكل عام.
وهذا معنى عبر عنه الإمام الرزكشي رحمه الله تعالى فقال (ولأنه لا حادث إلا ولله سبحانه وتعالى فيها حكم اشتمل القرآن الكريم على بيانه في قوله تعالى (ما فرطنا في الكتاب من شيء) ورأينا المنصوص لم يحط بجميع أحكام الحوادث فدل ذلك على أننا مأمورون بالاعتبار والقياس.
إن إدراك الواقع وفهم تطوراته ومتغيراته ركن ركين من أركان التجديد والاجتهاد ولن تسفر أية جهود للتطوير والتجديد ثمرة حقيقية إلا بدراسة الواقع والتعمق في علومه وفهم تفاصيله وما يطرأ على أعراف الناس وثقافاتهم من تغيير إيجابي أو سلبي.
وقد يتصور بعض المشتغلين بعلوم الشريعة الإسلامية المهتمين بقضايا التجديد أن إدراك الواقع قاصر على مجالات النوازل الفقهية فقط وحقيقة الأمر أن هناك مجالات أخرى أو سع وأرحب تتعلق بالمفاهيم والتصورات العامة الكلية للوجود والحياة.
والغاية التي يجب أن يتغيّاها الإنسان من كل معتقداته وأفعاله وتصوراته أي ما يتعلق بالنموذج المعرفي الإسلامي الذي يواجه ثورة حداثية معرفية شرسة تهدم الثوابت وتقلب الموازين وتعبث بالمفاهيم وتغير التصورات وتتلاعب بالمصطلحات.
إذا فلا بد لكل منصف متابعا لجهود العالم الإسلامي بناء على ما رأيناه في هذه الندوة الكريمة لا بد له في مجالات التجديد والتطوير أن يثمن جهود وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في السلطنة التي تعقد هذه الندوة المباركة ندوة تطور العلوم الفقهية برئاسة وزير الأوقاف والشؤون الدينية الذي نحمل له وللسلطنة وقيادة وحكومة وشعبا كل تقدير وحب وود وذلك من خلال ما تطرحه هذه الندوة المباركة من قضايا جادة ومهمة تشتد حاجة الأمة إليها في ظل المتغيرات والظروف الراهنة.
وقد اختارت الندوة هذا العام قضية معاصرة غاية في الحساسية والأهمية (قضية فقه الماء في الشريعة الإسلامية: أحكام شرعية وآفاقه الحضارية وقضاياه المعاصرة) ونظرا لتوقف الحياة كلها على الماء وشدة احتياج الناس إليه في معاشهم فقد جعله الله في الأصل من المرافق العامة الجماعية التي يشترك فيها عامة الناس وقد أكثر الله سبحانه وتعالى منها على اختلاف أنواعها ومصادرها حيث تشير الإحصائيات العالمية إلى أن الماء يمثل 74% من مساحة كوكب الأرض والأصل في الماء أن يكون مشاعا بين الناس لا يُحمى ولا يحتكر.
فقضية الماء من القضايا التي تشغل بال العالم كله وهي قضية ذات أبعاد جغرافية وتاريخية وسياسية واقتصادية متشعبة ومعقدة، فالموارد المائية على اختلاف أنواعها تلعب دورا أساسيا في الحياة الاقتصادية والسياسية للدول والشعوب، وتثير الاختلاف حولها كثيرا من الأزمات والمشاكل السياسية لذلك اهتمت القوانين الدولية الحديثة بعقد الاتفاقيات وإبرام المواثيق الدولية التي تحافظ على الحقوق المشتركة بين الدول جميعا بما لا يضر بمصالح الشعوب وبما يحقق افضل استغلال للموارد المائية في كافة المجالات.
وتحدث الأزمات وتنشب الحروب والصراعات بين الدول بسبب الجور والطمع والخروج عن المواثيق والمعاهدات الدولية التي وازنت بين الحقوق والواجبات بميزان الحق والعدل.
دراسة وتحليل

وقال سماحة الشيخ آية الله أحمد مبلغي من علماء حوزة قم بالجمهورية الإسلامية الإيرانية: إن الماء الذي عكف هذا المؤتمر على دراسته وتحليل أبعاده الطبيعية والاجتماعية للوصول إلى رواء الشريعة ونظرياتها ليمتلك طابعا ثلاثي الأبعاد وهي في المسار التطوري والقادرة على أن تلعب دور حيوي في الصلة بين السماء والأرض وبين المادية والمعنوية وبين الفيزياء والميتافيزيقيا، وإذا كان فقهاء الإسلام يريدون تفعيل فقه الماء بحيث ينكشف منطقه الفكري الفقهي وتتبلور طاقته وإمكاناته الأصيلة في هذا المجال وتظهر قدراته على حل قضايا المياه وتنظيم المسائل المتعلقة بها يجب عليهم التركيز على منهجية التعامل الفقهي مع الماء، فطالما لم يتم التعرف على المنهجية والتحقيق فيها فإن معالجتنا لقضايا المياه سوف تمر فقط من خلال المناقشات المتكررة دون أي نتائج وأشار آية الله أحمد إلى العناصر الأساسية في التعامل مع الماء.
ويأتي العنصر الأول في فهم موضوع الماء بشكل دقيق وأبعاده الاجتماعية والقانونية والسياسية في العالم الجديد.
أما الثاني فيكون في تطعيم عملية الاستنباط برؤى شاملة ومتجه نحو الماء للبشر وأعطى الإسلام طابعا بشريا من الماء، وخلق الإنسان من الماء ووضع الشراكة في الماء.
أما العنصر الثالث فيأتي في منهجية التعامل الفقهي مع الماء ويتم بتجهيز عملية الاستنباط الفقهي للمياه بزوايا الحقوقية حوله لكي لا يتم تشكيل استنباطات فقهية من فراغ بعيد عن الواقع المعاش ودون النظر للحل المؤثر للجدل الحقوقية حول الماء.
أما العنصر الرابع فتكون في حقن النظريات الفقهية في فقه الماء فليس من الصحيح تقديم وجهات النظر المتبعثرة وغير المتماسكة حول المياه للوصول للعمق الفقهي عبر التنظير الفقهي الدقيق كي نستطيع التحرك من منطلق فكري قوي نحو تحقيق استنباط ذكي لأحكام قضايا المياه. وأشار مبلغي إلى أن فقدان النظرية يسبب إحدى المشكلتين إما الوقوع في تكرار المباحث أو نصبح لا نتمكن من أن نعطي نظرة متماسكة ومنسجمة إذا ما دخلنا في القضايا الجديدة حول الماء ويجب أن يتم التحرك في نظرية المياه بكل دقه وشفافية وترابط في فقه الماء وتفعيل مصادر الشريعة وروحها.
ويأتي العنصر الخامس في إيجاد القواعد ونشرها حول الاستنباط الفقهي للمياه ويجب تحقيقها بكشف وعرض القواعد العامة القابلة لتطبيق على المياه وكشف القواعد الفقهية الخاصة بالمياه واستكمال توفير القواعد الفقهية للمائية على أساس روح الشريعة ومصادرها ومقاصدها.

الاستنتاجات الفقهية

وقال المفتي الشيخ راوي عين الدين رئيس مجلس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية: لا جدال في أن أهمية ندوتنا العلمية اليوم (تطور العلوم الفقهية بعنوان « فقه الماء في الشريعة الإسلامية، وآفاقه الحضارية، وقضاياه المعاصرة»)) تنبع من أهمية الماء على كل أشكال الحياة على وجه الأرض.
وإنني على يقين من أن أصحاب الفضيلة السادة العلماء المشاركين في هذا المؤتمر سيقدمون اليوم مزيداً من والاستنتاجات الفقهية الحكيمة حول موضوع البحث بعون الله تعالى.
وتعد مسألة الإدارة السليمة للموارد المائية قضية مهمة لمسلمي روسيا عموماً، لأن روسيا وكما هو معلوم هي الدولة التي تمتلك أكبر احتياطي للمياه العذبة في العالم، ولعلكم سمعتم عن بحيرة البايكال والتي تعني في لغتي الأم بـ (البحيرة الغنية) أنها تعتبر أكبر خزان للمياه العذبة بين البحيرات في العالم.
لقد تفاقمت مشاكل الموارد المائية في العقود الأخيرة، وأصبحت ذات أهمية متزايدة، خاصة بعد ظهور عوامل تغير المناخ العالمي، وبدء المعاناة من المشاكل البيئية ذات الصلة، بما في ذلك مشكلة استنزاف الموارد المائية.
وتشير الدراسات إلى أن نقص المياه العذبة، والذي تتوقعه دراسات علماء البيئة سيؤثر بشكل أساسي على المناطق التي يعيش فيها المسلمون. وليس سراً أن تصبح المنافسة على امتلاك هذه الموارد المائية والتحكم بها، موضوع خلاف وتنافس بين الدول الإسلامية، وبالتالي بين الأخوة المسلمين.
لذلك فإن أي مبادرة لدراسة وشرح أحكام الفقه المتعلقة بالمياه وتوزيعها تستحق الاحترام العميق، وتستحق أن تلقى كل الدعم والتأييد.
إن القضايا البيئية في وقتنا الحاضر بالنسبة لنا كمسلمين تمثل اختبارا وامتحانا حقيقيا في إمكانياتنا لعلاجها بالطرق الموزونة والمدروسة خاصة فيما يتعلق بالاستفادة من الموارد الطبيعية والحفاظ عليها وقدرتنا على توزيع هذه الموارد بالشكل العادل وذلك من أجل تحقيق الرسالة الأعلى للإنسان على هذه الأرض باعتباره خليفة الله على الأرض.
إن الأمة الإسلامية، بل والعالم، ينظر بشغف ويتطلع ببالغ الاهتمام لأعمال ندوتكم، ولنتائجها المثمرة بإذن الله، لأنكم أنتم ونحن جميعا نحمل رسالة العلم وأمانة الدعوة إلى الله تعالى. وفي الختام أدعو الله العلي القدير أن يعيننا جميعا على جمع كلمة الأمة الإسلامية، لما فيه صلاحها وخيرها وأن يكلل جهودكم المباركة بالتوفيق والنجاح، وأن يحفظ عمان وشعبها، وعلى رأسهم صاحب الجلالة سلطان البلاد قابوس بن سعيد -حفظه الله ورعاه-، لما لجلالته ولسلطنة عمان من أياد بيضاء في نشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بالحكمة والموعظة الحسنة، وما هذه الندوة المهمة في زمانها ومكانها، إلا دليلا ناصعا على هذه المساعي النبيلة.

مشكلة مائية

وقدم كلمة وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن سليمان السالمي رئيس اللجنة المنظمة للندوة مشيرا إلى أن لدى العالم كلّه في مطلع هذا القرن مشكلة مائية بدأت منذ عقود، ولا تؤذنُ بانتهاء. والمشكلةُ لها جانبان: جانبُ الندرةِ، وجانبُ التنظيمِ والحيلولةِ دون هدرِ المياه. أما نحن في الجزيرة العربيةِ فنعاني من ندرةِ المياهِ منذ أكثرَ من ألفي عام، ولذلك فإنّ اهتمامنا بالمسألة المائية قديم ممتدّ.
وهذا الاهتمام له أربعة جوانب: جانب استنباطِ الماءِ بشتى السبلِ، وجانبِ الحفاظِ عليه من الهدرِ وسوءِ الاستعمالِ، وجانبِ متابعتِهِ بين الأرضِ والسماءِ، وجانبِ الاستخدامِ الطقوسي والديني بعامةٍ.
في المجالِ الأولِ -مجالِ الاستنباط- تَبرز إلى الذاكرةِ قصةُ بئرِ زمزمَ بمكةَ، وقصةُ بئرِ رومة بالمدينةِ، وقصة الأفلاج بعمان ونظائرها باليمن والمغربِ العربي.
فقد كافح العرب الشماليون ندرةَ المياه وشحّها بحفر الآبارِ وبناءِ السدودِ، كما كافح العربُ الجنوبيون -ونحن العمانيين منهم- ندرةَ المياهِ باعتمادِ تقنيةِ الأفلاجِ والسدودِ أيضاً؛ لحفظ كل وشَل من أَوشالِ المياهِ عبْرَ الجبالِ والسهولِ. أما في المجالِ الثاني، أي مجالِ الحفاظِ عليه من الهدرِ وسوءِ الاستعمالِ، فتشير إلى ذلك الآيات القرآنيةُ الكثيرةُ التي تَعدّ المياهَ نعمة من اللهِ وخيراً، ولا تتصورُ نكرانَ هذه النعمةِ أو إنكارَها. ثم الحديثُ النبويُّ المشهورُ:(اتقوا الملاعنَ الثلاثَ: البُرازَ في المواردِ، وقارعةِ الطريقِ، والظلِّ). ثم الحديثُ الآخرُ: الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ: الماءِ والكلأِ والنارِ.
ثم هناك تنظيمُ الاستعمالِ، وأحكامُ الشراكةِ، وأحكامُ ملكيةِ الماءِ وقسمتِهِ. وكلُّها أمورٌ تتصلُ بالتوفيرِ والحفظِ.
وأضاف السالمي بأن المجالُ الثالثُ -وهو مجالُ المتابعةِ – فقد تحوَّل عندَ العربِ القُدامى إلى علمٍ هو علمُ الأنواءِ.
إذ يتتبعون أحوالَ الطقسِ وإمكانياتِ هطولِ الأمطارِ من خلالِ النجومِ، والمدَّ والجزْرَ من خلالِ القمرِ، ويحتفون بذلك ويؤلّفون فيه منذُ القرنِ الثاني الهجري.
ومشهورٌ في تقاليدِ الاستقبالِ في بلاطاتِ الخلفاءِ والأُمراءِ أنْ يكونَ النَوءُ والمطرُ هو أولَ ما يُسألُ عنه، ويُجازُ عليه كلُّ مَنْ يُحسنُ وصفَهُ مِنْ أعرابِ البوادي. ويتصلُ المجالُ الرابعُ أخيراً بتقاليدِ الاستخدامِ الطقوسيِّ للماءِ في الطهارةِ منذُ استهلالِ الطفلِ صارخاً، وإلى الوضوء للصلاة والاستنجاء، وإلى غَسْلِ الميت.
وقال السالمي يعقد المؤتمر بتوجيهات سامية من حضرةِ صاحب الجلالةِ السلطانِ قابوس بن سعيد المعظمِ -حفظه الله- ونحن نستبشر بالخمسين عاما للنهضة المباركة، استبشرنا بوثيقة جلالته للائتـــــــــلاف الإنساني المنتظمة على أُسس العدل والعـــــــــــقل والأخلاق، داعية إلى المعرفة والتعارف الإنساني والاحترام الكوني، ونحن في هذا المؤتمر الذي يمثل حلقةً في ندوةِ تطوُّرِ العلومِ الفقهيةِ ، وهي السلسلةُ التي امتدتْ عبرَ قُرابةِ العقدين، وصارت موسماً علمياً ينتظره فقهاءُ العالمِ من كلِّ أقطابِهِ، ومَجْمَعًا فقهيًّا للتلاقي والحوارِ. وموضوعُها هذا العامَ موضوعٌ جديدٌ قديمٌ. قديمٌ لأنه جانبٌ من جوانبِ الفقهِ الإسلاميِّ في إدراكاتِهِ وأبعادِهِ المختلفةِ، وهو جديدٌ بسبب تطورِ الاهتماماتِ والتوظيفاتِ.
وعلى سبيلِ المثالِ لدينا هذه الصلةُ الوثيقةُ والجديدةُ بين مياهِ البحارِ ومياهِ اليابسة وذلك عن طريقِ التحليةِ. ولدينا من الجديدِ التأملاتُ المستحدَثةُ لعلائقِ المياهِ بالمقاصدِ الشرعيةِ.
ولدينا أخيراً المعالجاتُ المتجددةُ لنوازلِ المشكلاتِ في نُدرةِ المياهِ والاختلالِ المناخيِّ والتصحر، ومباحثُ أخلاقيةٌ تُلزمُ الفقيهَ بإبداءِ الرأيِ وتوضيحِ رؤيتِهِ للكونِ وفضاءاتِه وأبعاده.
إنّ جِدةَ الموضوعِ تبعث على الغبطةِ والحبورِ، وآمل أن نسمعَ جديداً كثيراً من العلماءِ الأجِلاء في هذا الأمرِ. أما الأمرُ الآخرُ الذي يبعثُ على الحبورِ، فهو رؤيةُ هذه الوجوهِ الطيبةِ بعد انقطاعٍ اضطراريِّ. لقد عدتم وعُدْنا معكم لفتْحِ أُفقِ الاجتهادِ والتجديدِ من جديد. إنه استئنافٌ جيد وواعد. ونرحب بكم في بلدِكم سلطنةِ عُمانَ، وأسألُ اللهَ سبحانَه وتعالى أن نلتقيَ دائماً على الخيرِ والبرِّ وفي مرضاةِ اللهِ تعالى ورسولِه. والسلامُ عليكم.

الجلسات

وشهدت الندوة ثلاث جلسات جاءت الجلسة الأولى حول الأصول الشرعية لفقه الماء وتناولت سبعة مواضيع في فقه الماء في القرآن الكريم والسنة النبوية وواقعنا المعاصر نظره في ضوء كليات الشريعة وفقه الماء في المصادر الإباضية، وفقه الماء في المذاهب الإثنى عشرية والقواعد الفقهية في فقه الماء (العرف، المشاركة، نفي الضرر) والعقود الواردة على الماء في الفقه الإسلامي.
بينما تناولت الجلسة الثانية خمسة مواضيع في محور الأنظمة الإسلامية في فقه الماء وتناولت التنظيمات الإدارية في فقه الماء (الحسبة على المياه ومحاكم المياه) وحقوق الاتفاق المائي في المذاهب الإسلامية والماء ومقاصد الشريعة والتنظيم القانوني لفقه الماء( نظام المساقاة) ووقف الماء (آفاق حضارية).
أما الجلسة الثالثة فكانت محورها حول الأنظمة الإسلامية في فقه الماء وتناولت في خمسة مواضيع حول نظام الأفلاج في الفقه الإباضي (رؤية فقهية وحضارية) ونظام الري في فقه المغاربة وأسواق المياه (وجهة نظر فقهية) وأحكام تسعير المياه في الفقه الإسلامي ومحكمة الماء في الفقه الإسلامي.