من حرب التجارة إلى حرب التكنولوجيا

ديفيد إجنيشس – واشنطن بوست – ترجمة قاسم مكي –

بدا الرئيس ترامب في الأسبوع الأول من هذا الشهر أقرب إلى عقد هدنة أولية في حربه التجارية مع الصين.
لكن الخطر الأعمق القادم هو نشوب حرب تكنولوجيا صينية – أمريكية فيما يتسابق البلدان لتطوير الذكاء الاصطناعي.
كما بدا أن بكين وواشنطن تمهدان السبيل لاتفاق محدود لخفض الرسوم الجمركية مع إعلان وزارة التجارة الصينية يوم الخميس 7 من نوفمبر الماضي عن اتفاق مؤقت ينص على« وجوب إلغاء الصين والولايات المتحدة رسوما جمركية بنسب متساوية وفي وقت متزامن». هذا الحدث بعيد عن التسوية الكاملة لقضايا التجارة، لكن الأسواق المالية في الولايات المتحدة اعتبرته خبرا سارا.
اتضحت ملامح الخطر الأوسع نطاقا للحرب التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، وهي حرب تنطوي على احتمال إيجاد معسكرين متنافسين يتقاتلان من أجل الهيمنة العالمية على الذكاء الاصطناعي، في تقرير مؤقت صدر هذا الشهر عن لجنة شكلها الكونجرس العام الماضي.
ينشغل محللون أمنيون عديدون بهذا الموضوع المتعلق باستراتيجية الذكاء الاصطناعي حتى وسط عاصفة الأخبار اليومية عن التحقيق في قضية أوكرانيا. فقد أثارت خطة الصين التي تستهدف بسط سيطرتها على الذكاء الاصطناعي والتقنيات المفتاحية الأخرى جدلا رفيع المستوى وسط واضعي السياسات وقادة الصناعة. حث بعضهم على وضع قيود صارمة على ما يمكن للشركات الأمريكية اقتسامه مع الصين كما في حظر«قائمة الكيانات» على المبيعات لشركة هواوي الصينية التي تستعد للسيطرة على اتصالات الجيل الخامس.
وحذر آخرون من أن مثل هذا الفصل للجهود المشتركة في تطوير التكنولوجيا ستترتب عنه نتائج وخيمة على الجميع.
وتحاول لجنة الشريط الأزرق التي شكلها الكونجرس سلوك طريق وسط بين التعاون والمواجهة مع الصين. وربما أن ذلك شيء لابد منه. (لجنة الشريط الأزرق حسب موسوعة ويكيبيديا هي مجموعة مشكلة من أشخاص متميزين للتحري في مسألة معينة أو دراستها أو تحليلها- المترجم).
في مقابلة معه يقول روبرت ويرك، وهو نائب وزير دفاع سابق ونائب رئيس اللجنة، أنهم يحاولون «الإبحار بين» فصل ووصل الجهود المشتركة لتطوير الذكاء الاصطناعي.
ويضيف «نحن نريد إدخال الخيط في الإبرة».
يجادل على نحو مماثل إريك شميدت رئيس اللجنة والرئيس التنفيذي السابق لشركة جوجل الذي يرى أن على الولايات المتحدة التي تحشد قواها لخوض المنافسة حول الذكاء الاصطناعي تجنب السياسات المتطرفة، لقد ذكر لي أنه يعتقد بأن «الفصل بين جهود البلدين قاس لأنه سيؤذي الولايات المتحدة».
لكن فيما يحاول قادة اللجنة تجنب نصب ستار حديدي تكنولوجي فإنهم يحاولون أيضا تشجيع حلفاء الولايات المتحدة على العمل على تجميع بياناتهم ووضعها في خدمة استراتيجية ذكاء اصطناعي مشتركة بين الديمقراطيات الغربية مثل كندا واستراليا وبريطانيا والبلدان الأوروبية الأخرى.
ويحث التقرير على تكوين «شبكة شركاء» تتقاسم البيانات والأبحاث والمواهب وتقاوم أي مسعى تقوده الصين لاستخدام الذكاء الاصطناعي في بناء «دولة مراقبة شريرة».
هذا المقترح بإنشاء تحالف ذكاء اصطناعي للعالم الحر باركه يوم الثلاثاء 5 نوفمبر الأمين العام لحلف الناتو (سابقا – المترجم) آنديرس فوج راسموسين في مؤتمر استضافته اللجنة.
يرى راسموسين أن على الناتو تكوين لجنته الخاصة به للذكاء الاصطناعي للعمل «كمنبر لتبادل البيانات» وأيضا «للتصدي للأوتوقراطيات»، بحسب ما جاء في نسخة أصلية من محضر مداولات المؤتمر أعدتها شبكة سي سبان التلفزيونية.
ربما أن أكبر تحد للبنتاجون في وضع حد للإنجازات السريعة التي تحققها الصين في مجال الذكاء الاصطناعي هو ببساطة حشد أفضل العقول في الولايات المتحدة (بما في ذلك أولئك الذين يعملون بها وولدوا في الخارج). فالصينيون يمكنهم تجنيد أفضل هؤلاء وأذكاهم لكن أمريكا لا تستطيع أن تفعل ذلك. لقد اتضحت مشكلة تجنيد عقول أمريكا من خلال تمرد مهندسي جوجل العام الماضي. فقد رفض هؤلاء المشاركة في تطبيق ذكاء اصطناعي خاص بالبنتاجون يعرف باسم «مشروع مَيفَن». لكن يرى كل من إريك شميدت وروبرت ويرك أن شركات التكنولوجيا والعاملين بها أكثر استعدادا الآن للعمل مع البنتاجون إذا كانت المشاريع شفافة وتستوفي معايير أخلاقية واضحة.
للتبشير بمثل هذا التعاون أنفق مجلس الابتكارات الدفاعية الذي يرأسه شميدت أيضا العام الماضي في زيارة كبريات الجامعات الأمريكية لتأطير حزمة من التوصيات من أجل تطوير ذكاء اصطناعي «أخلاقي».
وتؤسس الموجهات التي نشرت هذا الشهر منطلقا لحوار مستمر مع «مجتمع تكنولوجي» يرتاب غريزيا في نوايا الحكومات.
ثمة وجه شبه ولو أنه طفيف بين مناقشة استراتيجية الذكاء الاصطناعي ومحاولة الإبحار في عاصفة هوجاء، فقوة التغيير التكنولوجي القادمة يصعب قياسها من فرط شدتها.
في مؤتمر الثلاثاء، قال هنري كيسنجر الذي اشتهر كاستراتيجي للحرب النووية في سنوات الخمسينات إن «حرب لوغاريتمات» ربما في انتظارنا، فعقول الذكاء الاصطناعي الصينية والأمريكية ستحاول التفوق على بعضها البعض في التفكير والمناورة، وقد تسعى إلى ذلك بمعونة الخدع والأحابيل التي تستهدف إفساد بيانات الطرف الآخر.
وردت إشارة للرهانات الإستراتيجية للذكاء الاصطناعي في مقطع موجز ضمن تقرير اللجنة ناقش إمكانية عقد اتفاقيات مع الصين وروسيا لمنع استخدامه «في الإجراءات الخاصة بتخويل سلطة إطلاق الأسلحة النووية». لقد أوشكنا على ابتكار« آلة نهاية العالم». (يشير الكاتب إلى فيلم دكتور ستريَنجلَف أو كيف تعلمت ألا أقلق وأن أحب القنبلة وهو كوميديا سوداء تسخر من مخاوف اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة- المترجم.) نحن محظوظون لأن قلة من أفضل عقولنا مثل شميدت وويرك، حتى في واشنطن التي تسودها الفوضى، يفكرون في الكيفية التي يمكن أن تؤمن بها أمريكا بقاءها وازدهارها في عالم قادم يقوده الذكاء الاصطناعي.