مرفأ قراءة… «خاطرات الأفغاني» بذور التجديد الأدبي!

إيهاب الملاح –

لم يترك جمال الدين الأفغاني أعمالًا مؤلفة كثيرة، ربما كانت حياته ومواقفه هي كتابه الأهم والأكبر وكان كل فصل من فصولها في الهند، وإيران، وأوروبا، ومصر وتركيا وهي فصول روايته المبدعة الخالدة بتعبير المرحوم (صلاح عبد الصبور).
وكانت كل كلمة من كلماته أثر موقف من المواقف الحادة هي عبرة هذه الفصول الخالدة،
لقد زار جمال الدين الأفغاني مصر سنة 1871، وظل بها نحو ثماني سنوات، دعا فيها دعوته المشهورة في الإصلاح الديني، والإفادة من ثقافة الغرب في الدفاع عن الإسلام، كما دعا إلى التحرر من تدخل الأجانب في شؤون البلاد الإسلامية، والثورة عليهم وعلى من يمهد لهم من الحكام المستبدين، والتفَّ حوله الشيخ محمد عبده، وغيره. وحين نفاه الإنجليز من مصر، وسأله تابعه كيف سيعيش قال: «لا يعدم الليث فريسته أينما ذهب»..
ونحن لا ننسى أيضا حينما عرض عليه الإنجليز ملك السودان عقب القضاء على الثورة المهدية هناك، أنه قال للورد سالسبوري: «اسمحوا لي يا حضرة اللورد أن أسألكم: هل تملكون السودان، حتى تريدوا أن تبعثوا إليها بسلطان؟!».
كل تلك المواقف، هي فصول من رواية حياته التي هي بلا شك أبدع ما كتب، ولكنه رغم ذلك لم يكن قليل التدوين كسقراط، وربما كان ذلك لأنه اشتغل بالصحافة كوسيلة شريفة من وسائل إثارة الرأي العام فأصدر هو وتلميذه وصديقه محمد عبده مجلة (العروة الوثقى) بفرنسا، في سنوات الجهاد الثوري التي قضياها في أوروبا بعد فشل الثورة العرابية.
وربما كان ذلك أيضًا لأنه أتيح له في آخر أيامه أن يسجن في «قضبان من ذهب»، حين قربه السلطان العثماني عبد الحميد إليه، وألزمه بالبقاء إلى جواره في الآستانة، فانطلق حينها يملي خاطراته على تابعه محمد باشا المخزومي الذي حفظ لنا هذه الخاطرات المذكرات في كتاب سيكون من أهم ما دون في تلك الفترة.
ويمكن القول إن خاطرات الأفغاني تلك حملت البذور الأولى للتجديد الأسلوبي والأدبي والكتابي، وسيحمل لواء مواصلتها تاليا الإمام محمد عبده وتلاميذه الذين تخرجوا في مدرسته، وعلى أيديهم ستبدأ حركة نشطة مثمرة في إحياء عيون وروائع التراث العربي وإعادة اكتشافه ودرسه، بما سيؤدي إلى ظهور حركة التجديد والإحياء الشهيرة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين.
لم يكن جمال الدين الأفغاني يكتب لمجرد الكتابة فقط، ولم يدون أفكاره لتسويد الصفحات وزركشة الكلمات، لقد خلا أسلوبه تماما من كل أثقال الزينة اللفظية التي عرفها عصره من سجع وجناس وتورية وتعقيد وغيرها، وانطلق الأفغاني كالسهم المرسل إلى هدفه، يقصد إلى القلب عن طريق العقل، أو يخاطب القلب والعقل معا، في نبرة هادئة مقنعة. إننا حين نقرأ الأفغاني سنرى في زمانه بعض زماننا! وسنسمع صوت رجل من ذلك الزمان يتحدث إلينا بما نفعل، وقد نجد في بعض آرائه بل في معظمها صوابًا كبيرا وحكمة كثيرة..
وكانت كتابات جمال الدين الأفغاني قبل جمعها وترتيبها وتصنيفها في النشرة الممتازة التي أخرجها محمد عمارة (وسنتحدث عنها تفصيلا) مبعثرة بين كتيباته التي سبق نشرها، وبين خطراته وخاطراته التي جمعها تلميذه المخزومي باشا، وبين أعداد العروة الوثقى التي حررها بمعاونة تلميذه أيضا محمد عبده.
ولهذا كان الحديث عن أثر جمال الدين الأفغاني معظمه يجري على السماع مما جعل كثيرا من دارسيه يتورطون في آراء لم يتحدث بها المفكر المصلح الثائر، أو يخلطون بين بعض كتاباته وكتابات تلميذه محمد عبده، اللذين تفرقت بهما السبل بعد الصحبة وسار محمد عبده في طريق الإصلاح والتعليم والمهادنة للقوى الأجنبية، بينما ظل جمال الأفغاني حريصا على أن يكون أقرب إلى الخطر وأبعد عن المهادنة.
وتأتي الطبعة الجديدة من الكتابات الكاملة لجمال الدين الأفغاني في أربعة مجلدات ضخام صدرت عن دار السلام بالقاهرة، لتجدد الذاكرة والفكر بدور وتأثير الأفغاني في حركة النهضة والتجديد، وتختلف هذه الطبعة عن سابقتها الأولى التي صدرت في العام 1968 (أي قبلها بنحو نصف القرن!) عن دار الكاتب العربي المصرية، وكانت في مجلد واحد ضخم يصل عدد صفحاته إلى الألف تقريبا!
والفارق بين الطبعتين يكاد يجعلهما مختلفتين كما ونوعا، لا يجمع بينهما سوى المقدمة الطويلة التي كتبها محمد عمارة في صدر طبعته الأولى، ووضع فيها نواة لدراسة ممتازة كانت في وقتها تقع في مائة صفحة ثم زادت لتكون في أكثر من مائتين وخمسين صفحة في الطبعة الأحدث، بل وتستقل بعد ذلك في أكثر من كتاب كامل كبير خصصه عمارة للأفغاني؛ منها (موقظ الشرق ومجدد الإسلام)، ومنها (حقيقة جمال الدين الأفغاني)، وغيرهما.
يقول محمد عمارة في تقديمه للطبعة الأحدث من الأعمال الكاملة الصادرة عن دار السلام بالقاهرة في 4 مجلدات (2016)
«مع تصاعد مدّ اليقظة الإسلامية المعاصرة: تتزايد الحاجة إلى إبراز «معالم المشروع الحضاري» الذي صاغته مدرسة الإحياء والتي تبلورت من حول جمال الدين الأفغاني، فهو موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام الذي سعى لتحرير العقل من «التخلف الموروث» لتنهض الأمة فتقهر الاستعمار وترفض التغريب، ولهذا فقد اتخذته الصحوة الإسلامية رائدًا، بينما ناصبه العداء كل من: أنصار «الجمود والتخلف»، ودعاة «التبعية والتغريب»، فكان لا بد من إنصاف الأفغاني أمام: «الأصدقاء الجهلة»، وكذلك «الأعداء الكذبة»…».
(الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني – جمع، وتحقيق، وتقديم، ودراسة د. محمد عمارة – 4 مجلدات – ط 1 – 2016م – دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة):
لعل أهم ما في مقدمة عمارة، ودراسته المطولة التفصيلية لسيرة وحياة الأفغاني، ومشروعه النهضوي الإصلاحي التجديدي، هو الوقوف عند تفاصيل موقف الأفغاني من القضايا الثلاث المطروحة للنقاش والسؤال والبحث عن إجابات عنها آنذاك؛ وهي: قضية الجامعة الإسلامية، وقضية القومية العربية، وقضية الإصلاح السياسي والديني والحضاري، في مواجهة الاستبداد والتخلف الفكري والحضاري معًا.
ويتتبع محمد عمارة مواقف الأفغاني من هذه القضايا الثلاث، وغيرها، ويتبين لنا أنه كان شأنه شأن أي مفكر حقيقي ومخلص كان كثيرًا ما يعدل من مسار هذه الأفكار ومن مآل هذه الآراء إثر اختبارات ومواقف ومراجعات فكرية مستمرة لا تتوقف ولا تكف عن النشاط أبدا.
ويعتمد عمارة في دراسته التحليلية لأفكار الأفغاني ومواقفه على الاستقراء وتتبع التاريخ واستكناه النصوص والربط بينها، مع وضع الرجل في إطار عصره وسياقه التاريخي والتطوري، ثم ينطلق ليجمع خيوط فكر الأفغاني المتشعبة لكي يخرج لنا منها صورة لعقل من أشد العقول ذكاء ولماحية وأمانة فكرية (بعبارة صلاح الصبور الدالة المعبرة)، صورة مفكر شرقي مسلم يواجه العالم الحديث معتمدا على تراثه، لكنه يستعين بمنهج الفكر الأوروبي في قدرته على الاستدلال وخضوعه للمنطق، وبعده عن البراهين النقلية، والإفحام بالاستشهاد بالنقول الدينية السلفية إلى الإقناع الفكري والمنهجي بالعقل والملاحظة.