نقاش حول «التعمين» في المؤسسات الأهلية

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

هناك نقاش وجدل كبير في المجتمع العماني من قبل بعض التجار ورجال الأعمال تجاه قرارات إلزام «التعمين» في مؤسسات القطاع الخاص، باعتبار أن الاقتصاد العماني اقتصاد حر، وأن اختيار القوى العاملة يجب أن تكون من مسؤوليات الشركات والمؤسسات الأهلية التي أسسها هؤلاء التجار والمستثمرون.
سؤال في محله، ولكن هل الواقع يشير إلى رغبة أصحاب رؤوس الأموال العمانيين والأجانب في اختيار القوى العاملة من المواطنين وتوفير فرص العمل لهم بالصورة المطلوبة دون تدخل الجهات المعنية؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، نؤكد أن أي تاجر أو رجل أعمال أو مستثمر يبحث في الدرجة الأولى عن الربح دون النظر إلى بقية الأمور المرتبطة بالالتزامات تجاه القضايا الاجتماعية في المجتمع، ومنها تشغيل القوى العاملة الوطنية في ظل وجود هذا الكم الهائل من الخريجين من مختلف المستويات الدراسية الدنيا والعليا سواء من خريجي المدارس أو حملة الدبلوم أوالشهادات الجامعية أو فوق الجامعية.
لا ينكر أحد أن هناك اليوم آلافا من العمانيين الذين انضموا إلى الشركات والمؤسسات الأهلية خلال السنوات الـ49 الماضية من عمر النهضة المباركة، إلا أن الأرقام التي يصدرها المركز العماني للإحصاءات والمعلومات تشير إلى أن إجمالي عدد العمانيين العاملين في القطاع الخاص والمؤمن عليهم بلغ في نهاية شهر سبتمبر 2019 نحو 260958 عاملا عمانيا مقابل 1678723عاملا وافدا يعملون في مختلف التخصصات في مؤسسات القطاع الخاص، أي أن مجموع العاملين في القطاع الخاص من المواطنين والوافدين بلغ 1939681 عاملا في نهاية شهر سبتمبر 2019، وبالتالي فإن نسبة العمانيين في القطاع الخاص تبلغ اليوم 13.45% من الإجمالي مقابل 86.55% من الوافدين. وهذا يعني أننا لم نحقق 25% من «التعمين» في القطاع الخاص خلال العقود الخمسة الماضية، بالرغم من أن قرارات «التعمين» وما يرتبط بعملية تشغيل القوى العاملة الوطنية في مؤسسات القطاع الخاص بدأ فرضها منذ منتصف الثمانينات من القرن الماضي عندما بدأت عملية «التعمين» في قطاع المصارف العمانية في عام 1983 مع إنشاء معهد العلوم المصرفية والمالية.
ولهذا لا يمكن أن نلوم المؤسسات الحكومية التي تصدر قرارات «التعمين» إذا كان رجال الأعمال والتجار لا يفكرون في هذه القضايا التي تهم المجتمع العماني، ولا ينظرون إليها بنظرة وطنية واجتماعية، كما أن هذا الأمر يدل ويؤكد أن مؤسساتنا الكبيرة والصغيرة تدار اليوم من قبل الوافدين -أصحاب التجارة المستترة- الذين يحاولون بقدر الإمكان الإتيان بالقوى العاملة الوافدة من دولهم ومرتبطين ببعضهم البعض، في الوقت الذي تئن فيه الكثير من العائلات والبيوت العمانية من عدم تمكن أبنائها من الحصول على العمل سواء في المؤسسات الحكومية والخاصة.
ومن حيث العمل في المؤسسات الأهلية، لا ينكر أحد بأن حركة التوظيف في السلطنة شهدت انضمام الآلاف من العمانيين إلى الشركات والمؤسسات التابعة للقطاع الخاص خلال السنوات (1970- 2019)، إلا أن البيانات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 30% من إجمالي عدد العمانيين العاملين في مؤسسات القطاع الخاص والمؤمن عليهم في الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية لا تزال أجورهم تتراوح بين 325 ريالا عمانيا وأقل من 400 ريال عماني، ويبلغ عدد هؤلاء في نهاية شهر سبتمبر 2019 نحو 78783 من مجموع 260958 عاملا عمانيا مسجلين في القطاع الخاص. وهذه الأجور متواضعة ولكن لا يمكن لمؤسسات القطاع الخاص الزيادة فيها في إطار المنافسة مع نفس المؤسسات المماثلة في الدول المجاورة التي تعتمد على القوى العاملة الوافدة في الكثير من الأحيان في تشغيل مؤسساتها، كما تبيّن الإحصاءات أن 56129 عاملا عمانيا يحصل على الأجر الشهري ما بين 400 ريال عماني وأقل من 500 ريال عماني، ثم 28030 عاملا يحصلون على الأجر بين 500 ريال عماني إلى أقل من 600 ريال عماني ثم المجموعات الأخرى بين 700 و800 و900 ريال عماني إلى أقل من 1000 ريال عماني. أما العمانيون الذين تتراوح رواتبهم في القطاع الخاص بين 1000 وأقل من 2000 ريال عماني فيبلغ عددهم 30575 عاملا مشكلين ما نسبته 11.7% من الإجمالي، بينما يبلغ عدد الذين يحصلون على رواتب ما بين 2000 ريال عماني وأكثر نحو 14046 عاملا مشكلين ما نسبته 5.4% من الإجمالي. الكل يعلم جيدا بأن القطاع الخاص في أي دولة يعمل في بيئة تنافسية هدفها المشاركة في التنمية المستدامة وتطوير المؤسسات بجانب الحرص على تحقيق الأرباح، وأن هذا القطاع كغيره يجب أن يخضع لقوى السوق الحرة في العرض والطلب، وإن كان الأمر يتعلق بالتشغيل وغيره، ولكن في جميع الحالات لا بدّ له أن يكون حريصا على توفير فرص العمل لأبناء البلد في المقام الأول ومن ثم الآخرين، مع الحرص أيضا على تحقيق الإنتاجية والأرباح.
وعلى الجهات المعنية أن تنظر إلى هذه القضايا بصورة أخرى لأن قرارات إلزام «التعمين» لم تأت بالنتيجة الإيجابية للقطاع الخاص، بل أدت تلك القرارات أحيانا إلى نفور رجال الأعمال والمستثمرين إلى الخارج، وإلى تراجع أرباح بعض المؤسسات. وعليه لا بدّ من إيجاد طرق بديلة لتشغيل المواطنين الخريجين في القطاع الخاص، والابتعاد عن كلمة «التعمين» التي توحي بأن العماني يجب أن يأتي في المرتبة الثانية بجانب الوافد.
ونقول: إن بعض الأشخاص في المجتمع يتحدث أحيانا عن العديد من المبررات السلبية تجاه القوى العاملة الوطنية بأنها غير منتجة، وأنها لا تلتزم بالوقت، وتفتقد إلى الخبرة والكفاءة وغيرها من الأسباب الأخرى.
وكان من المفترض أن يصب اهتمام المؤسسات الحكومية المعنية على هذه المبررات، وليس على إيجاد مزيد من المؤسسات لتشغيل القوى العاملة في غياب من يقودها بكفاءة وبصيرة، ويعرف خبايا التشغيل والتدريب والتأهيل قبل توجيه هذه الأفواج لمؤسسات القطاع الخاص.
وهنا نتساءل إذا كان القطاع الخاص العماني معذورًا في إيجاد القوى العاملة الوطنية التي تعمل في الأشغال الدنيا في مشروعات البناء والمقاولات وغيرها من مشروعات الطرق التي تحتاج إلى مكوث الأفراد في الشمس والجو الحار والرطب، فلماذا لم يتمكن من إحلال القوى العاملة الوطنية في الوظائف المكتبية في الإدارات المتوسطة والعليا في تلك المشروعات والأنشطة الاقتصادية المختلفة؟؟. فوجود 1.7 مليون عامل وافد في القطاع الخاص العماني مقابل 0.261 مليون عامل من القوى العاملة الوطنية في القطاع نفسه يطرح تساؤلات يومية من قبل الجمهور عن الأسباب التي تؤدي إلى عدم قدرة القطاع الخاص العماني من استيعاب المزيد من العمانيين في المؤسسات الأهلية. وهنا يجب النظر إلى المستقبل، فلو تم التخطيط لتشغيل 100 ألف عماني خلال عام 2020 في تلك المؤسسات، فإن ذلك سوف تكون له عوائد اقتصادية ومالية واجتماعية على الدولة والقطاع الخاص أيضا، بشرط أن تكون الكفاءات المنضمة إلى هذا القطاع تفي بمتطلبات المؤسسات والشركات، وأن لا يكون الإحلال لمجرد تشغيل تلك القوى العاملة، لأن ذلك سوف يؤدي إلى حدوث خسائر للمؤسسات والشركات.
فما نحتاج إليه في المرحلة المقبلة هو إيجاد خطط هدفها المعرفة الجيدة لاحتياجات مؤسسات القطاع الخاص القائمة والاستثمارات المقبلة لكي تتمكن الدولة من تأهيل وتدريب الكوادر العمانية في التخصصات المطلوبة، مع ضرورة التأكيد على الإرشادات اللازمة للقوى العاملة الوطنية بضرورة احترام قوانين العمل، والحرص على الإنتاجية وعلى أصول المؤسسات، وعدم ضياع الوقت على حساب العمل.
وهذا الأمر سوف يوجد ثقافة جديدة لدى العمانيين، مقابل أن يكون القطاع الخاص حريصا على توفير الفرص المتوفرة لديه وبكل شفافية، وأن لا يكون العامل الوافد سببًا في إخراج العامل العماني من العمل نتيجة لبعض الافتراءات عليه أمام صاحب المؤسسة.
بعض التجارب العمانية أثبتت أن العمانيين في القطاع الخاص يشهد لهم الجميع بأنهم أثبتوا تفوقهم وزادوا من إنتاجيتهم في المؤسسات متفوقين على القوى العاملة الوافدة في عمليات الإنتاج والعمل في الظروف السيئة، وهذا ما دونتها محاضر تلك المؤسسات، فهل تعطى لهم فرص العمل المتاحة في المؤسسات؟؟