واشنطن وتل أبيب والانتخابات الفلسطينية المتوقعة

نبيل نجم الدين –
لم يكن الدور الأمريكي في القضية الفلسطينية أبدا دورا محايدا، أو حتى مستقلا، فقد دفعت قضية الأرض والشعب الفلسطيني طوال تاريخها أثمانا باهظة لعدم عدالة وصدقية الدور الأمريكي، واستخدمت واشنطن الفيتو في الأمم المتحدة ٤٣ مرة لحماية الممارسات الإسرائيلية الاستعمارية، خلال الواحد والسبعين عاماً الماضية هي كل عمر دولة إسرائيل. ولم تقف أمريكا مرة واحدة مع الحقوق الفلسطينية.
هذا الموقف الأمريكي الذي يأخذ موقفا تصاعديا ظالما منذ عام ١٩٤٨، وصل إلى مستويات غير معقولة في ظل إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، ولم يكن أشد المتشائمين يتخيل أن الرئيس الأمريكي سيجرؤ على اتخاذ قرار الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وأن يتخذ قرارا بنقل السفارة الأمريكية إلى المدينة المقدسة، التي هي محط قرارات دولية مشلولة، ولم تنفذ، تنص على حق الفلسطينيين مسيحيين ومسلمين فيها، والأخطر بعد ذلك الجرم السياسي التاريخي أن يأتي وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ليعلن أن سياسة الإدارة الأمريكية نحو المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية قانونيا أنها كيانات شرعية..!! لا تتعارض مع القانون الدولي ونسي هو وبلاده أن ما بني على باطل فهو باطل، فالمستوطنات نتجت عن الاحتلال، والقانون الدولي ممثلا في مجلس الأمن أثم الاحتلال، فكيف تكون المستوطنات شرعية، وهي نتيجة كيان غير شرعي هو الاحتلال.
هذا الموقف الأمريكي من القضية الفلسطينية لا يمكن تجاهله إذا أردنا الحديث عن الموقف الأمريكي من الانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها، فإذا نظرنا للأمر من الزاوية المعاكسة نستطيع القول إن عموم الفلسطينيين وصلوا إلى قناعة مفادها أن الانقسام لم يستفد منه أي طرف من الأطراف الفلسطينية، وأبرز المواقف في هذا المجال هو تصريحات الرئيس الفلسطيني محمود عباس التي قال فيها: إن الانتخابات الفلسطينية ستعقد في القدس والضفة وغزة وأن السلطة الفلسطينية ستبذل جهدها حتى يشارك كل الفلسطينيين في هذه الانتخابات.
كذلك لا يمكن إغفال دور مبادرة الوساطة بين القوى الفلسطينية التي فتحت قنوات تواصل إيجابية بين قيادات السلطة الفلسطينية في الضفة وقيادات حماس في غزة. ونتج عن تلك المبادرات إعلان قيادات حماس ترحيبها وتأييدها للانتخابات، واستعدادها لتذليل أي صعاب أمام هذه الخطوة التي أصبحت أشبه بطوق نجاة لكل الأطراف.
إذن لو عقدت الانتخابات بهذا الشكل وهذه الروح الفلسطينية الجديدة فإنها بلا شك ستوحد الجبهة الفلسطينية، وبالتالي لن تجد واشنطن ولا إسرائيل مجالاً للعب على الانقسام والتناقض الفلسطيني الفلسطيني، وبالتأكيد فإن هذا الأمر لن يرضي المخطط في تل أبيب، التي عملت عبر طرق علنية وسرية على تعميق الفجوة بين قيادات السلطة الفلسطينية في رام الله وقيادات حماس في قطاع غزة.
وللأسف الشديد ساعد الفلسطينيون في الجبهتين المخطط الإسرائيلي بحماقة سياسية غير مسبوقة وغير منطقية، واندلع صراع محموم بين حماس والسلطة استخدمت فيه أساليب أخلاقية وغير أخلاقية، والمحتل الإسرائيلي يصفق ويلقي مزيدا من الزيت والدولارات على تلك النار الفلسطينية، والمؤسف أن بعض القوى الإقليمية والدولية لم تحرك ساكنا لإيقاف هذا الجنون الفلسطيني الفلسطيني.
وتتفق استراتيجية كل من واشنطن وتل أبيب أن الانتخابات الفلسطينية إذا تمت على المستوى التشريعي والرئاسية ستضخ دماء جديدة في الجسد الفلسطيني الذي أوشك على الموت، وستكون بمثابة قبلة حياة للقضية الفلسطينية، وهو الأمر الذي يتعارض تماما مع أهداف من يكيدون منذ عقود للقضية الفلسطينية.
وبلا شك فإن التأثير والدور الأمريكي، ومصداقية واشنطن كلاهما على المحك، فإذا كانت أمريكا صادقة في مساعيها ودعاويها في دعم الأمن والسلام العالميين فإن عليها أن تقف بكل بقوة مع إرادة الشعب الفلسطيني وممثليه في تنظيم الانتخابات التشريعية والرئاسية حتى يعاد تشكيل القيادة والمؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية تستوعب الخلافات والاختلافات الفلسطينية، حتى تصبح لدينا إدارة فلسطينية منتخبة وإرادة شعبية ممثلة في المجلس التشريعي ويعملان معاً على التعبير والتنفيذ لآمال وأحلام وحقوق الشعب الفلسطيني وعلى واشنطن أن تكف عن ذلك التدمير المنتظم لمصداقيتها.. ذلك قبل أن تدمر معها حقوق الأرض والشعب الفلسطيني، أما إسرائيل فلا ينتظر منها غير مواصلة سياساتها العدوانية، والمسؤولية تقع على عاتق القيادات الفلسطينية التي نتمنى أن تكون قد استوعبت الدرس المرير.. وأن تسمو تلك القيادات الفلسطينية على الأجندات والمصالح الشخصية، والأيديولوجية، والمناطقية، وأن تعلي وتقدم هدف استعادة الأرض والحقوق الفلسطينية على ما عداها، وأن تضع نصب أعينها المعاناة الإنسانية التي لم يسبق لها مثيل لشعب تقطعت به السبل، فتحول إلى لاجئين ونازحين.
إن الانتخابات الفلسطينية المزمع عقدها يجب أن تكون هدفا وطنيا لكل القيادات الفلسطينية لا خيار لهم ولا بديل أمامهم سوى التضافر لإنجاز هذا الأمر على قادة القوى الفلسطينية المختلفة أن تتعلم من تجربة أعدائهم الذين نجحوا في إقامة دولة على أرض مغتصبة..
على القادة الفلسطينيين إعادة النظر في رؤيتهم ودورهم وقضيتهم وأساليب تحقيق استعادة دولة فلسطين السليبة.
المؤكد أن إسرائيل فكرت تفكيرا استباقيا من أجل إعاقة وعرقلة ومنع إرساء كيان الدولة الفلسطينية الموحدة، فجدار الفصل العنصري يعوق حركة الناخبين، والقيود الشديدة المفروضة في القدس وفي الضفة الغربية على حركة الفلسطينيين، والمستوطنات التي انتشرت بشكل سرطاني كل هذه التغييرات في الجغرافيا الفلسطينية هدفها بعثرة ما تبقى من فلسطين، على الفلسطينيين أن يدركوا أن هناك تحديات كبيرة على الأرض عملت دولة الاحتلال على تدشينها وتكريسها طوال العقود الماضية لمنع قيام الدولة وعودة الوحدة الفلسطينية، وقد يصل الأمر بإسرائيل شن عمليات عسكرية في الضفة وغزة لإرباك المشهد السياسي الفلسطيني ومنع الفلسطينيين من عقد الانتخابات.
إن على السلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله الإسراع بإعلان موعد واقعي لاجراء الانتخابات الفلسطينية كما أن عليها الإسراع بتشكيل الأجهزة وتوفير الأدوات اللازمة لاجراء هذه الانتخابات، كما أن على السلطة الوطنية مهمة تاريخية قبل كل هذا ألا وهي الإسراع بعقد لقاءات ثنائية وجماعية مع قادة مختلف القوى السياسية الفلسطينية بلا استثناء هذا يعني أن على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أن يقلب صفحة الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، وأن يدعو كل القيادات الفلسطينية إلى رام الله أو يذهب إليهم حيث يكونون.
لأنه لا يمكن أن نلقي باللوم على واشنطن وتل أبيب ونحن في مثل هكذا حال من تشرذم وتحزب وصراع، فليقلب القادة الفلسطينيون صفحة الخلافات وليفتح القادة الفلسطينيون فصلاً جديداً ناصعاً مسامحاً متسامحاً وطنياً ناضجاً حتى يشعر اللاجئون والنازحون والمشردون والعاطلون الفلسطينيون انهم لم يعودوا كالأيتام في مأدبة اللئام في تل أبيب أو في واشنطن أو في غيرهما.