المراقبون يتساءلون في الذكرى الـ«70» لتأسيس الناتو : «موت دماغي» أو دفقة جديدة للحياة

بروكسل-(د ب ا): كان من المفترض أن يكون اجتماع هذا العام لزعماء حلف شمال الأطلسي «ناتو» في إحدى ضواحي لندن، بمثابة فرصة لتهدئة الخلافات الناجمة عن أحداث الماضي والتركيز على الوحدة، وأيضا على الدور الأساسي لبريطانيا في هذا التحالف العسكري على الرغم من خروجها من الاتحاد الأوروبي.
وبدلا من ذلك فإن الأحداث التي جرت شمال شرقي سورية في أكتوبر الماضي، ألقت بظلالها الطويلة على جدول أعمال الاجتماع، ومن ناحية أخرى أثار تشبيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لما يمر به الناتو بأنه «موت دماغي»، جدلا كبيرا داخل صفوف الدول المشاركة في التحالف البالغ عددها 29 دولة.
وقال ينس ستولتنبرج الأمين العام لحلف الناتو قبل اسبوعين من عقد الاجتماع «إن هذا الاجتماع للزعماء يجيء في وقته المناسب، ليس فقط بسبب التساؤلات المثارة حول قوة العلاقات عبر الأطلسي».
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد سحب فجأة في أوائل أكتوبر الماضي القوات الأمريكية المرابطة في شمال شرقي سورية، حيث كانت تساند الميليشيات الكردية التي قادت العمليات القتالية الدولية ضد ميليشيا تنظيم «داعش» وأدى هذا الانسحاب إلى تمهيد الطريق أمام التدخل العسكري التركي الذي استهدف المقاتلين الأكراد الذين تعتبرهم أنقرة تهديدا إرهابيا.
وتسارعت مجريات الأحداث في أعقاب اتصال هاتفي بين ترامب والرئيس التركي رجب طيب أوردغان، ولم تقم الولايات المتحدة ولا تركيا – وكلاهما عضوان بالناتو – بتنسيق خطواتهما مع الحلف العابر للأطلسي.
وكان ماكرون قد صرح لمجلة «الإيكونوميست» قائلا «أعتقد أن ما نمر به حاليا هو موت دماغي للناتو، ومن الناحيتين الاستراتيجية والسياسية نحتاج إلى إدراك أننا نمر بمشكلة».
وتساءل ماكرون قائلا «ماذا تعني المادة الخامسة من ميثاق الحلف مستقبلا ؟»، وذلك في إشارة إلى التعهد الأساسي للناتو بأن يدافع جميع الحلفاء عن أي عضو يتعرض لهجوم، مضيفا «يجب أن نعيد تقييم الواقع الذي يعايشه الناتو في ضوء التزام الولايات المتحدة حياله».
وسارع زعماء آخرون بالناتو إلى التنصل من تصريحات الرئيس الفرنسي، بينما حذر المحلل الفرنسي فرانسوا هيزبورج وهو مستشار سابق لماكرون في شؤون الدفاع، في تغريده له على تويتر من «خطر نبوءة يمكن أن تتحقق لتماشيها مع الواقع».
بينما علقت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل على تصريحات ماكرون بقولها «وجهة النظر هذه لا تتوافق مع وجهة نظري»، وبالنسبة لموقف واشنطن قال سفير الولايات المتحدة لدى الناتو كاي بيلي هوتشيسون إن بلاده تختلف «بشدة» مع هذا التقييم.
وعلق رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافسكي إنه «لأمر خطير» أن نشكك في المادة المعنية بالدفاع المشترك عن أعضاء الناتو، وقال لصحيفة «فاينانشيال تايمز» إن ماكرون «لا يشعر بملامسة الأنفاس الحارة للدب الروسي لرقبته».
وبعد تصريحات ماكرون طرحت ألمانيا وفرنسا مقترحات موازية لتشكيل لجنة من الخبراء، للتوصل إلى توصيات لإصلاح التحالف الذي يرجع تأسيسه لحقبة الحرب الباردة.
ورحبت الدول الأعضاء بهذه الفكرة خلال اجتماع لوزراء خارجية الحلف الأسبوع الماضي في بروكسل وفقا لما قالة شتولتنبرج، ومن المرجح أن تؤتي الفكرة ثمارها في اجتماع لندن.
ويجاهد الناتو ليظهر أنه يواكب الأحداث المتسارعة في عالم متغير، فأعلن الأسبوع الماضي أنه سيضيف فرع جديد خامس للقوات العسكرية وهو الفضاء، إلى جانب الأفرع التقليدية للدفاع وهي القوات البرية والبحرية والجوية، فضلا عن الفرع الذي أضيف مؤخرا وهو الفضاء السيبراني.
ولكن بالعودة إلى أرض الواقع يجاهد الحلفاء الأوروبيون من أجل تعزيز القدرات الدفاعية داخل الاتحاد الأوروبي، في إطار جهود أوسع نطاقا لإعطاء التكتل الأوروبي استقلالية أكبر عن الولايات المتحدة، ومع ذلك يشكك عدد قليل من الأعضاء في دور الناتو المحوري في الدفاع عن أوروبا.
ووجه ترامب انتقادات منذ فترة طويلة للحلفاء في الناتو لعدم تحملهم نصيبهم في عبء نفقات الدفاع، وفي قمة الناتو العام الماضي أثار ترامب احتمال انسحاب واشنطن من الحلف في حالة عدم زيادة الدول الأعضاء الأخرى معدلات إنفاقها العسكري.
ويبدو أن هذا المنهاج الذي طرحه ترامب قد أتى بثماره، حيث زادت الدول المتحالفة بنود ميزانيات الدفاع، وتسير الآن ألمانيا – وهي إحدى الدول الرئيسية التي تركزت عليها انتقادات ترامب – على طريق إنفاق 42ر1% من الناتج المحلي الإجمالي لديها على الدفاع خلال العام المقبل، وبذلك تقترب من الهدف المحدد للناتو برفع هذه النسبة إلى 2%.
ولا يزال المراقبون ينتظرون قمة الناتو في ديسمبر المقبل ليروا ما إذا كان هذا المعدل الذي تحقق من التقدم كاف بالنسبة للرئيس ترامب.
ومن ناحية أخرى أثارت الأحداث الجارية في شمال شرقي سورية تحديا آخرا للناتو، وهو عدم قدرته على اتخاذ إجراء ضد أعضائه الذين يخرجون عن الخط.
وكان التدخل التركي في هذه المنطقة هو الأخير في سلسلة من التجاوزات التركية في حق الناتو، فقد سبق أن اختارت تركيا – عضو الناتو – شراء نظام روسي للدفاع الجوي بدلا من نظام أمريكي مماثل يتماشى مع معدات الحلف الدفاعية، كما أن الحلفاء الغربيين في الناتو تابعوا بقلق القمع التركي للحريات المدنية في أعقاب محاولة الانقلاب عام 2016 .
وقال أحد الدبلوماسيين مؤخرا إن الناتو «يمكنه فقط أن يتخذ خطوة ما في حالة اتخاذ الدول الأعضاء قرارات بالإجماع»، مشيرا إلى أن معاهدة تأسيس الحلف «لم تتضمن اتخاذ إجراءات ضد أحد الأعضاء».
وعلى هامش قمة الحلف من المقرر أن يلتقي كل من ميركل وماكرون ورئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون مع الرئيس التركي لمناقشة الوضع في شمال شرقي سوريا. كما سيواجه زعماء الناتو جدول أعمال حافلا يجرون حوله مباحثاتهم في مقر بملعب للجولف شمالي لندن، حيث من المقرر أن تستغرق جلسة المناقشات الرسمية ثلاث ساعات فقط يتم خلالها اتخاذ نحو 50 قرارا.
ومن القضايا المطروحة على بساط البحث التهديد الذي تشكله روسيا، وإجراءات الناتو لاتخاذ رد الفعل بسرعة إزاء الأحداث الجارية على حدود أعضائه، إلى جانب صعود الصين عالميا، ومواجهة مجموعة متنوعة من التهديدات، وما تمثله التكنولوجيا الجديدة من تحديات مثل الحروب بالروبوتات، كما تشمل المناقشات عمليات تدريب الجيوش الوطنية في كل من العراق وأفغانستان.