الشرق الأوسط بين الصين وأمريكا

إميل أمين – كاتب مصري –
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ومنطقة الشرق الأوسط تقع في دائرة صراع نفوذ القوى القطبية الدولية، لاسيما بين واشنطن وموسكو، وذلك بعدما توارت القوى الإمبريالية التقليدية التي كانت مهيمنة على مقدرات المنطقة وبنوع خاص بريطانيا التي كانت تتشدق بأنها العظمى عبر احتلال دول العالم شرقا وغربا، أو فرنسا التي كانت بدورها مسيطرة على إفريقيا وغالبية دولها.

والشاهد أن اليد العليا في المنطقة كانت للولايات المتحدة، وأن حاول الاتحاد السوفيتي أن يصنع له أصدقاء وحلفاء، غير أن المنطقة بطابعها الديني والإيماني كان من الصعب عليها بمكان التعاطي مع التيارات الشيوعية والإلحادية، ولهذا ملأت واشنطن في واقع الأمر اكثر مربعات نفوذ المنطقة، وبنوع خاص بعد اتفاق السلام المصري الإسرائيلي، ذلك الذي فتح الأبواب واسعة لعودة العلاقات الأمريكية العربية إلى سابق عهدها قبل حرب العام 1967 والتي تسببت في كبوة كبيرة بين الجانبين.
والمؤكد انه منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تلاه من توجهات أمريكية تمثلت في الحرب على أفغانستان من جهة، وغزو العراق من جهة ثانية، ثم نشوء وارتقاء مفهوم الحرب على الإرهاب بمعناه ومبناه غير الواضح المعالم عادت الأسئلة تتصاعد من جديد عن العلاقات العربية الأمريكية وهل ستبقى كسابق عهدها أم أن هناك شيئا جوهريا لابد له وان يتغير بالضرورة؟
يمكن القطع بأن هناك العديد من المنظرين الأمريكيين قد ذهبوا إلى أن زمن النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط آخذ في التقلص ومرد ذلك عندهم يرجع لسببين: الأول هو أن إسرائيل أصبحت قادرة على حماية نفسها ولم تعد في حاجة ماسة كما الحال من قبل لحماية أمريكية صباح مساء كل يوم، ومن ناحية أخرى فإن حرص الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة على تدفق النفط العربي لم يعد كما كان قبل أربعة عقود، بسبب ظهور بدائل النفط ومصادر الطاقة البديلة من ناحية، ومن ناحية ثانية الاكتشافات النفطية والغاز بكميات وفيرة.
في هذا الإطار أضحى الحديث عن الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط قضية متناولة في كافة المحافل البحثية الفكرية، وما عزز من ذلك الحديث الإقبال الروسي الكبير والذي وجد ترحيبا في المنطقة خلال العقد الحالي بنوع خاص، سيما مع أزمات ما اصطلح على تسميته بالربيع العربي وفيه تنبه سكان تلك المنطقة إلى أن روسيا الاتحادية بقيادة فلاديمير بوتين كانت اكثر وفاء وولاء لأصدقائها من واشنطن، ويدلل أصحاب هذا القول بما جرى من واشنطن تجاه القاهرة، وما جرت به الأقدار من قبل موسكو ناحية دمشق… ماذا عن ذلك؟
باختصار غير مخل بدت موسكو حريصة كل الحرص على الوفاء لأصدقائها الاستراتيجيين، فلم تتخل روسيا عن نظام بشار الأسد، ولا يمكن أن يتذرع احدهم بان المسألة برمتها تتأتى من منطلقات براجماتية ذلك أن هذا هو ديدن السياسة عامة، وهنا فإن الروس ساندوا الأسد حتى تخلص من الظلاميين الذين حاولوا السيطرة على البلاد والعباد.
لكن على الجانب المصري رأينا تخليا غير محمود مرة واحدة عن الحليف الاستراتيجي حسني مبارك، الرجل الذي قدم اكبر وانفع وارفع الخدمات وأبدى وجه تعاون غير محدود مع واشنطن. والثابت أن التفضيل الروسي على الوجود الأمريكي ربما يتفهمه المحلل السياسي المحقق والمدقق، في ضوء خبرات تراكمية ومعرفية تجمع بين الشرقين الأوسط والأقصى، لكن واقع الحال اليوم يشير إلى أن هناك بعدا جديدا يتمثل في الصين اصبح يفرض نفسه على المنطقة وان بهدوء وروية ومن غير طنطنة أو أبواق دعائية الأمر الذي يتسق مع النهج الكونفوشيوسي في مسارات ومساقات الحياة.
ولعل علامة الاستفهام في هذا المقام: هل يمكن للصين أن تملأ كافة مربعات النفوذ التي تخليها واشنطن في الأوقات الأخيرة؟
ربما يذهب البعض إلى أن السبب الرئيسي وراء هذا التساؤل المقلق هو الانسحاب الأمريكي الأخير من سوريا، والذي قد يستتبعه انسحاب مماثل من العراق ومن بقية القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، وهي انسحابات تتساوق ورؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الخاصة بـ «أمريكا أولا»، بمعنى أن تضحى بلاده المهيمن والمسيطر على شؤون الكوكب الأزرق، لكن من غير أن تكون وبالضرورة «شرطي العالم أو دركه». هنا نرى دورا واضحا لروسيا، غير أن السؤال يبقى وماذا عن الصين، هل ستظل تعيش في المنطقة الرمادية، وتكتفي بالبيانات الدبلوماسية من غير أفعال ناجزة على الأرض؟
المؤكد أن الجواب لا يمكن أن يمضي خارج إطار رؤية الصين الدبلوماسية للعلاقات الدولية، وهي التي تدور في فلك أحداث التوازن في العلاقات بين الدول النامية والدول المتقدمة، والصين تضع نفسها دائما في مصاف الدول النامية، وتمثل مصالح الدول النامية، ولها موقفها مع الدول النامية أثناء القضايا الكبيرة، وفي نفس الوقت فإن الصين لديها مصالح ومجالات واسعة للتعاون مع الدول المتقدمة، وخصوصا في الاقتصاد والتجارة، ومواجهة القضايا ذات الطابع العالمي، وتطوير الآليات الدولية المستخدمة وغيرها من الموضوعات، وأيضا لديها مواقف مبدئية مشابهة فيما يتعلق بدفع حلول الصراعات في المنطقة، وتعزيز استقرار وسلام العالم. والمؤكد أيضا أن الصين تحرص على التوازن بين الدول النامية والدول المتقدمة، وهو بالتأكيد موقفها، ولا تتجاهل موقف الآخر، وتشجع على الحوار بين الدول النامية والمتقدمة، ونبذ الاختلاف والسعي وراء أرضية مشتركة وان تكون همزة الوصل بين الأطراف.
هنا ربما يتوجب علينا أن نطرح سؤالا مباشرا: كيف تنظر الصين إلى منطقة الشرق الأوسط؟
الجواب ربما يعود بنا إلى عدة عقود مضت فقد كانت الصين دولة مساندة وصديقة للعرب في الكثير من قضاياهم المركزية لا سيما القضية الفلسطينية، غير انه وفي ذات الوقت كما يقول البروفيسور «ديجانج سون» الأستاذ في معهد الدراسات الدولية بجامعة فودان الصينية: ظلت الصين لسنوات عديدة بعد انتهاء الحرب الباردة تنظر إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نظرة مجزاة وغير مهمة، بسبب عدم استقرار تلك المنطقة السياسي الشديد، ومع ذلك يمكن القطع انه ومنذ العام 2013 بدأت نظرة الصين تتغير بالنسبة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا اذ اعتبرت تلك المنطقة من بين اهم الأصول الأساسية لتعزيز مكانتها كقوة عالمية.
هل تستخدم الصين دول الشرق الأوسط كمخلب قط في علاقتها التنافسية مع الولايات المتحدة الأمريكية؟
مرة جديدة نذكر بان الصين ورؤاها الكونفوشيوسية تنظر للعالم على انه كل أنطولوجي، بمعنى انه ليس وحدات مختلفة بل أجزاء تشكل معا لوحة عالمية ينبغي التعاطي معها من خلال تغير المواقع لكن داخل إطار التعايش المشترك الواحد، ومن هنا فإن الصين لا تسعى في الوقت الحاضر إلى إحداث اشتباكات سياسية أو اقتصادية مع الأمريكيين وإنما تتعايش قدر الإمكان إلى أن يصل الاحتدام إلى ذروته وهذا قادم لا محالة.
هنا فإن البروفيسور ديجانج يؤكد على انه وفي نواح كثيرة فإن العلاقة بين الصين ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي بمثابة حالة من التحوط ضد الهيمنة الأمريكية، وانه من خلال التأكيد الاستراتيجي والمرونة السياسية، تريد بكين أن تظهر للشعب الصيني من ناحية الدبلوماسية أن الصين لم تعد تابعا، بل قوة علمية محترمة، يمكنها الحفاظ على توازن استراتيجي إزاء أوروبا وروسيا والولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وساحات العالم.
هل تستشعر واشنطن وبروكسل وبقية الدول الغربية ذات العلاقة التقليدية الخطر من دخول الصين إلى الخليج العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط وبقية شمال إفريقيا؟
هنا ينبغي القول إن التوازن الجيد في العلاقة بين تطوير التعاون الاقتصادي الخارجي وبين الصورة الخارجية للدولة هو الأمر الذي يهم الصين بالدرجة الأولى، وعليه فإن التنمية الاقتصادية هي المهمة الأولى للصين حاليا.
في هذا السياق لا بد لنا من الإشارة إلى أن المنطقة لاتزال المصدر الرئيسي للطاقة، والمعروف بدائيا أن تنمية الاقتصاد الصيني يحتاج إلى إمدادات مستمرة ومستقرة وبأسعار معقولة ومقبولة من النفط العربي، والذي يقع بمثابة الدم للنمو الاقتصادي الصيني، وهنا فإن الصين ليست استثناء، وتباعا للتطور المستمر في الاقتصاد فإن الطلب الصيني على الطاقة سيأخذ في الازدياد المستمر، وبالتالي فإن التعاون الاقتصادي مع الخارج اصبح ضرورة اكثر إلحاحا.
في هذه الأثناء بات الغرب يرى أن ما تقوم به الصين في الشرق الأوسط هو نوع من الاستعمار الجديد، ويغيب عن الدوائر الغربية أن الصينيين من حقهم الطبيعي استخدام الفوائض المالية المتوافرة لديهم في بناء منظومات من العلاقات الاقتصادية الخلاقة مع بقية دول العالم.
هنا أيضا جزئية مثيرة للتأمل وهي أن الصين لا تستخدم توازن ردعها النقدي مع واشنطن لتحقيق أغراضها بربطها بقضايا جانبية مثل حقوق الإنسان والحريات والدمقرطة وما إلى ذلك ما عقد علاقات واشنطن مع الكثير من بقاع وأصقاع الأرض ومنها المنطقة والعالم العربي.
لكن في الوقت ذاته لا يعني ذلك انه ليس للصين مصلحة بعينها في تلك المنطقة، فهي تسعى بالدرجة الأولى إلى المواد الخام، والى النفط السائل، والى فتح أسواق جديدة لا سيما في القارة الأفريقية، وهي هنا تتمثل ما قاله إمبراطور فرنسا نابليون بونابرات: إن الجيوش تمشي على بطونها، بمعنى أنها في حاجة كدولة وجيش إلى المزيد من مصادر القوة المالية والاقتصادية التي تزخم قطبيتها القادمة ولا شك.
هل ينتظر الصين مستقبل اكثر ازدهارا في الشرق الأوسط وسط أفول نجم الولايات المتحدة الأمريكية؟
ربما تكون علامة الاستفهام المتقدمة شأنا يزعج واشنطن بقوة في الأعوام الأخيرة لا سيما بعد إعلان بكين عن مبادرة الحزام والطريق في عام 2013، فمنذ ذلك الوقت حدث تغير في دول بكين في الشرق الأوسط، اذ تربط المبادرة بين الصين ودول المنطقة مع أوروبا بمسار خارجي يحيي من جديد النزعة الامبراطورية الصينية التي كانت يوما ما.
هل من خلاصة لهذه السطور؟
بالقطع يمكن الجزم بان كافة مربعات القوة التي تخليها واشنطن سوف تقوم الصين وروسيا بملئها وهما ينسقان الآن على الطريق في مواجهة واشنطن شرق أوسطيا وكوكبيا.