وتر :موت الفيلسوف

شريفة بنت علي التوبية –
وقد نولد فلاسفة، وكل منا كان مشروع فيلسوف لم يكتمل، ومشروع فكرة خديجة لم تكبر، ولدنا والدهشة في أعيننا، نحاول أن نفهم، تلفّنا ألف علامة استفهام وألف علامة تعجب ولا نجد الإجابة، وتظل في أعماقنا أسئلة لا إجابة لها أو إجابة غير مقنعة وغير كافية، ومع الصدمة الأولى يموت الفيلسوف فينا ويحيا الإنسان الحائر الذي لا ينمو بشكل صحيح، ينطفئ البريق، تتعطّل محركات الفكرة، تعجبنا البلادة، ويصبح الغباء الصفة السائدة فينا دون أن نعترف، بل نظن أن ما نحن فيه هو طيف من أطياف الذكاء، أو نوع نطلق عليه الذكاء الاجتماعي أو العاطفي، وهذا الذكاء المتوهّم يجعلنا نخشى ما هو غير معتاد، فنربّي الطاعة العمياء في أنفسنا، حتى تضيع النفس وتبقى الطاعة غير المبصرة، ونصبح نسخا مكررة ممن هم حولنا، في سعي منا لنيل رضا المجتمع، الذي يباركنا كأعضاء مخلصين لروح الجماعة، نُسجن في إطار من القيم والأخلاق والسلوك والمعتقدات والتقاليد، فتعجبنا صفة السجين المحميّ، ونثق بحارس الأخلاق ورقيب القيم أكثر من ثقتنا بأنفسنا، نؤمن بتلك المعتقدات وندافع عنها دفاع المؤمن عن دينه، نعيش على أساسها، لأن أي خروج عن تلك القاعدة أو تلك الحدود قد يعرّضنا للنبذ أو الازدراء، مع الأيام نتلاشى أو ننصهر مع الجماعة لنصبح نحن والجماعة شيئا واحدا، ونتوهم أن ما نحن فيه هو المساواة التي نبحث عنها. مع الأيام نفقد القدرة على سماع أصواتنا، وقد لا نتذكر ملامح شخصياتنا، نشعر بالغربة أمام المرايا المكسورة المنعكسة فيها صورنا الغريبة، ولمزيد من الأمان نندس وسط القطيع، نتقبل كل ما يمكن أن يحدث ونباركه (الحشرة مع الناس عيد)، نتبع القطيع فلا نحيد ولا نبتعد ولا ننحرف عن خط الدرب المرسوم لنا كصراط مستقيم، نخشى الذئب لو ابتعدنا، وقد يكون الذئب بيننا دون أن ندري، نقتات فتات الخوف، ونحتسي عصارة الرهبة من الاختلاف، نرهب الاكتشاف، فلا نغامر ولا نحاول الإتيان بجديد، فكل جديد بالنسبة لنا شيء غير محسوب العواقب، لذلك نقاوم الاختلاف، نرفض التغيير وننبذ المختلف ولا نتقبّله، فلا نكتمل، بل نصبح وجه الآخر وصوته وفكرته وحياته، فتأتي الحرية كلمة متداولة مغنّاة مستهلكة، لا نعي معناها إلا في محاولة البعض منا للخروج من الجلباب الذي ألبسه إياه المجتمع، وقد نظن به الجنون ونحن لا نعلم أيا منا العاقل وأيا منا المجنون في عالم كل ما فيه يدفعك للجنون.