مصور عراقي يوثق ابتسامة «مريم» قبل رحلة الصعود للسماء

لاحقت العدسة وكأنها تبحث عن الخلود –
كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري –

يقف المصور العراقي أديب العاني، المعروف بأبي مصطفى، وهو رئيس اتحاد المصورين العرب، يقف مركزا على مشاهد من فن العرضة بولاية القابل، محاولا التقاط صور تبقى شاهدة على فن عماني أصيل، وفن من فنون الوطن العربي، في سعي منه للخروج بصور مختلفة تنال إعجابه الرفيع وإعجاب محبي التصوير.
اعتاد المصورون عموما، ومصورنا أديب العاني، على أن يطلب منه الناس التقاط صور لهم، ولا يمانع في ذلك أبدا، إنما يفتح لهم إحدى عينيه التي تركز في منظار الكاميرا، فيلتقط لهم صورا ستنال إعجاب طالبيها بلا شك، وبطاقات التعريف في جيبه، يعطيها لمن يريد التواصل معه لاستلام صوره فيما بعد.

صوت رفيع مليءٌ بالطفولة يناديه «أبويه أبويه صورني»، «أبويه الله يحفظك صورني»، ذلك صوت «مريم بنت مسلم العمري»، طفلة من أطفال ولاية القابل، لم تتجاوز الخامسة من عمرها، بابتسامة عفوية وروح مرحة وثياب محليَّة زهرية وعيون خضراء، تفاصيل جمعت ملامح البداوة والصحراء في وجه طفلة، تطلب من المصور «أبي مصطفى» أن يلتقط لها صورة، تناغمت أرواحهما تلقائيا، ومشاعر الأبوة تلتحم بين روحين، طفلة تناديه بأبي، ورجل يستسلم لبراءة طفلة فيترك ذهنه المفعم على مشاهد العرضة، ليصب جام تركيزه على تلك الطفلة، صوَّرها صورًا عديدة، حينًا وهي تبتسم لعدسة الكاميرا، وحينًا وهي واقفة بين صديقاتها، وحينًا وهي في غفلة عن الكاميرا مركزة على حدث ما.
يجمع المصور «أديب العاني» تلك الصور، وإحداها تميزت بتلاعب ضوئي فريد، إشعاع الشمس يلامس شعرها المتحرر من جديله، كأنها شعلة نارية تلتهب مع براءة الملامح، تلك الصورة الفارقة من بين صورها الكثيرة بعدسة «أديب» لا بدَّ وأن تصِلَ إلى «مريم» أو تصل إلى والدها.
يناول المصور «أبو مصطفى» بطاقته التعريفية لـ «مريم» لتسلمها والدها، وتعود هي الأخرى لتسأله «أبويه يقول لك هذا الرقم فيه واتس أب؟»، فيطمئنها أن تطمئن والدها بـ «نعم فيه واتس أب يا بنتي».
يستعد المصور أديب العاني لمغادرة المكان، ليتوجه إلى نيابة رأس الحد، وبين جمع عتاده وعدته، يلمح تجمعًا غريبًا في مكان يبعد عنه أمتارا، حول حادث سيارة فزَّ منه قلب «أديب»، لم يستسلم للشكوك المأساوية والأفكار السوداوية وخيالات الفواجع، قائلا في نفسه «مجرد حادث بسيط والخير عامٌ بإذن المولى».
يصل أديب إلى شواطئ رأس الحد صباح اليوم التالـــــــي، تفاصيل البحر، والسلاحف المحروسة في محمية رأس الحد مادة غنية للتصوير، صوَّر هناك مشاهد متعددة، ولا زال قلق حادث الأمس متواصلا في خاطره، والخوف يتوجس في قلبه، والشك لا زال بين شد وجذب.
لماذا هذا الخوف على شيء لم يعلم حقيقته بعد؟
وما هي إلا الفاجعة تحل فيه لينهار من هول المعلومة، «مريم» تلك الطفلة الوديعة كانت ضحية ذلك الحادث، ماتت «مريم» بعد يوم من دخولها المستشفى، ليطرح شكه بيقين قاتل، وصدقت الشكوك هذه المرة، وخيالات فاجعة أصبحت حقيقة، اسودَّت الدنيا في وجه أديب، ليعلن الحداد وينكس عدسة الكاميرا، ويعلن انتهاء رحلة التصوير اليوم، لمس «أبو مصطفى» ألمًا قاسيا قبض قلبه، تلك الألفة بين طفلة ورجل في عمر والدها أشعره بأنه والدها فعلا، قصة قصيرة جدا، بل أقصر من ذلك، قصة حبٍ وودٍ وأبوَّةٍ استمرت لدقائق، لكنها كالحياة مهما طالت فإن ماضيها قصير.
لم تختلف مشاعره عن فقد شخص عزيز طال أمد المعرفة بهما، فالحياة قصيرة كتلك الحكاية التي جمعت «مريم» بـ «أديب العاني»، مصور من العراق مقيم في دولة الإمارات، وطفلة من القابل، من قلب البداوة العمانية.
رحلت «مريم» نتيجة حادث دهس أليم، انطفأت ابتسامتها التي كانت قد وثقتها عدسة «أديب العاني» قبل لحظات من كارثة مأساوية، كارثة في يوم حافل بالفنون الشعبية والتجمع المفعم بالفرح والتسلية، كارثة على والديها وأهلها وجيرانها الذين أحبوا طفولتها الجميلة، وروحها المرحة التي ما إن يراها أي شخص ملكته حبًا ولطفًا..
رحلت لتكون درسا لكل سائق سيارة، ولكل أب يحب ضناه، ولكل أبناء المجتمع بأن يحافظوا على فلذات أكبادهم و أن يراعوا في القيادة أماكن التجمعات، هنا لا لوم على أحد معين، إنما الدرس يفرض نفسه على الجميع، لكي لا تتكرر المأساة في مجتمع آخر، أو أسرة أخرى.
صورة «مريم» اليوم بقدر جمالها وروعتها، تسرد حكاية مؤلمة ودرسا يستفاد منه، وداعا يا «مريم».