وتر : بيت امرأة كاتبة

شريفة بينت علي التوبية –

ترى كيف يكون بيت امرأة كاتبة؟ إنه بيت غارق في الصمت كما تصفه الروائية أنيتا ديساي التي كتبت تصف بيت أمها: (إنه يمكنك أن تلحظ أن المنزل غارق في الصمت على الدوام، فهو منزل كاتبة مهاجرة إلى منفاها البعيد)، وأتفق معها في ذلك، ولعلني أتفق أيضاً مع توني موريسون- كوني امرأة معنية بأمر الكتابة – أن البيت هو فكرة، ومهما علت جدرانه وكثرت شرفاته المسدلة عليها ستائر من حرير، لكنه يبقى فكرة، وكل ما في البيت لا يتجاوز حدود تلك الفكرة، ولا تأتي الفكرة إلا في جو مشبّع بالعاطفة، ولعل ما يربطني ببيتي هي هذه العاطفة التي أستقي منها سحر الكلمة حين أكتبها، فلا عجب أن أشعر بالضياع كلما تجاوزت بابه، ولا عجب أن يعود لي أمان روحي حينما أعود إليه. وإني أخال بيوت الأدباء لا تشبه البيوت الأخرى، لأن بيوتهم مبنيّة من ورق، مرسومة جدرانها بالحروف، غارقة مساحاتها البيضاء في صمت الكاتب المتأمل، تتناثر الكتب في أرضياتها الفارغة الواسعة بما يتناسب ومزاج الأديب المتقلّب، بيوت رغم صمتها، لا تخلو من الفوضى الملهمة لفكرة مجنونة قد لا تخطر على ذهن إنسان عاقل عادي، لذلك بيوت الأدباء أخالها بيضاء واسعة، هادئة، غارقة في الصمت، ضاجة بالأفكار، متينة الأساس، فلا تسقطها عاصفة، ولا تنهار بأثر هزّة عابرة لأنها تبنى على أعمدة من الفكر، بيوت تغلّف جدرانها الكتب كعازل للصوت، فيعيش الكاتب عزلته المشتهاة في مساحاته البيضاء التي لا يخدشها ولا تفسدها سوى ألوان الأغلفة، فالألوان تربك المبدع الحالم بالبياض والساكن في روح الكاتب. ولأن بيت الكاتبة هو فكرة، أستعيد هنا ما قالته الروائية الفيلسوفة الأمريكية غولدشتاين: إن أمي كانت تخشى أن لا يقبل أحد بالزواج من قارئة نهمة للكتب مثلي، لكن الغريب فعلاً أنني تزوجت. وهذا يؤكد أن المرأة الكاتبة تعيش حياتها كأي امرأة مع اختلاف بعض الجوانب، فمخطئ من يظن أن المرأة الكاتبة تفتقد للروح الاجتماعية الأسرية أو عاجزة عن التعايش مع شريك لأنها تحب الكتب والكلمات أكثر من أي شيء آخر، ولكن على أي امرأة تحب الكتابة قبل أن تؤسس بيتاً عليها أن تحسن اختيار الشريك الذي ستضع معه أساس البيت، فإن لم يكن يجيد الكتابة فليكن عاشقاً للكتب ولا يقل عشقا عنها لها، وأن يفهم اللغة التي تتحدث بها، ومن هنا تبدأ الفكرة أو البيت في حياة المبدع أو الكاتب.