ما وراء احتفالية سوتشي.. شراكة محدودة بلا أفق استراتيجي

صلاح أبو نار –

فيما بين 23 -24 اكتوبر شهدت مدينة سوتشي مشهدا سياسيا صاخبا، 43 رئيسا افريقيا ومعهم 11ممثلا لدول أخرى توزعوا بين رؤساء وزارات ووزراء خارجية، حلوا بالمدينة الساحلية ليحضروا القمة الروسية – الافريقية الأولى. ومعهم توافد حوالي عشرة آلاف ممثل للقطاعات الاقتصادية الافريقية، لحضور: المنتدي الاقتصادي الروسي – الافريقي». وبعيدا عن البيانات الرسمية سيظهر السؤال التالي: إلى أي مدى يمكن اعتبار ما حدث انطلاقة تاريخية لبناء شراكة استراتيجية روسية – افريقية حقيقية وفعالة؟

يندرج اجتماع سوتشي فيما يدعى الآن بعودة روسيا إلى افريقيا، الأمر الذي يفرض العودة إلى مطلع القرن لتقصي سياقات تلك العودة. سنجد السياق الأقدم والأعم في خروج روسيا من حالة الاضطراب التي أعقبت الانهيار السوفييتي. خروج اقترن بمزيج من الاستقرار الاقتصادي الناتج عن تفاعل السياسات الإصلاحية وتدفق الدعم الاقتصادي الغربي وظهور الثروة النفطية والتخلص من أعباء قطاع الدولة والإنفاق العسكري الباهظ، وتولي بوتين قيادة روسيا بنزعته الروسية القومية وما اتسم به من حسم سياسي وما تمتع به من قاعدة تأييد تخطى بها الانقسام الذي خلقته نزعات يلتسين الغربية داخل النخبة الروسية.
ومن قلب الوضع الجديد تولدت نزعة جديدة في السياسة الخارجية، اقتصرت في مرحلتها الأولى على تأمين تبعية وولاء دول الاتحاد السوفييتي السابق، ومنع اتساع الناتو في اتجاه الحدود الروسية. وجاء ضم روسيا للقرم وتدخلها العسكري في غرب اوكرانيا وجورجيا 2014 وما بعدها، لكي يشكل نهاية هذه المرحلة وبداية المرحلة التالية.
ووجدت المقدمات السابقة في عدة متغيرات ما ساهم في تشكل المرحلة الجديدة. فرض الغرب عقوبات قاسية على روسيا، الأمر الذي دفعها للبحث عن مسارات جديدة لفك الحصار. وواصل الناتو إصراره على التوسع شرقا حتى وصل إلى بولندا وأضحت اوكرانيا مهددة، ووجدت روسيا لزاما عليها أن ترد بسياسة خارجية نشطة، فكان التدخل الروسي في سوريا عام 2015 ثم ليبيا، وتوسع الدور الروسي في العديد من دول آسيا، والدور الذي شرعت روسيا في ممارسته في السياسات الداخلية الأوروبية والأمريكية، والعودة الى سباق التسلح النووي. ووجدت روسيا إصرارا أمريكيا على حصرها في دور القوة الإقليمية، والإدارة الأحادية للنظام الدولي ومعها محاصرة إمكانيات نمو نظام دولي تعددي، فكان أن كثفت من نطاق تحركها الدولي العام داخل الدول ومنظمات الأمم المتحدة ، من اجل خلق تحالفات دولية لمقاومة هذه النزعات، وفي هذا السياق تولدت سياسة العودة إلى افريقيا.
وسوف نجد تلك السياسة بشكل محدود من منتصف العقد الأول للقرن، عبر صورة تنشيط العلاقات مع جنوب افريقيا والاتحاد الافريقي، وتكثيف المشاركة في قوات حفظ السلام الافريقي، والمشاركة النشطة في عمليات مقاومة القرصنة في مداخل البحر الأحمر.
ولكن هذه السياسة ستدخل مرحلتها القوية بعد 2014، وفيما بين 2015 و2018 فقط زار موسكو 12 رئيسا افريقيا، واستقبل الدوما الروسي العديد من الوفود البرلمانية الافريقية، إلا أن هذه النزعة تظل في النهاية محدودة الوزن في سياق تحولات السياسة الخارجية.
أشارت وثيقتا «استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2017»، و«استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكي لعام 2018»، إلى عودة الدور الروسي للمنافسة على المدى الزمني الطويل، ووضعت روسيا مع الصين على رأس الخصوم الأساسيين.
ولكن في نفس الوقت لاحظ احد الباحثين ان الوثائق الأساسية المعبرة للسياسة الخارجية الروسية، مثل «تصور روسيا للأمن القومي» و«استراتيجية الأمن القومي الروسية»، لا تمنح افريقيا سوى القليل من الاهتمام ولا تعتبرها إحدى المناطق الأساسية التي تتجه اليها. وفي وثيقة «تصور السياسة الخارجية الروسية لعام 2016»، لا تظهر افريقيا إلا في الفقرة الأخيرة منها. وفي نفس الوقت لاحظ احد المعلقين على النشاط السياسي العملي لروسيا في افريقيا، أنه نشاط يعتمد علي تكلفة سياسية محدودة وان طرح نفسه في إطار أهداف كبرى، وينتهج أسلوب استغلال أخطاء السياسات الغربية والقلق الافريقي من فخ الديون الصينية، وفي حد ذاته يعكس محدودية الموارد وأدوات السياسية الروسية.
ولا تبدو السياسة الروسية تجاه افريقيا مؤهلة لتحقيق إنجازات كبري ترتقي لشعارات اجتماع سوتشي.
تفتقر موسكو إلى الموارد الاقتصادية القابلة للتوظيف في القارة، ويبدو ذلك:
أولا: في ضعف التجارة بين الكتلتين. في 2018 اتجه 56% من الصادرات الروسية لأوروبا، و36% لآسيا، و4.7% للأمريكتين، وجاءت افريقيا في القاع بنسبة 2.9%. وفي 2017 كانت صادرات افريقيا جنوب الصحراء علي النحو التالي 8.7% للصين، و9.28% للهند، و7.03% لأمريكا ، و3.53% لألمانيا، و3.06% لبريطانيا، و2.49% لليابان، وروسيا 0.29% فقط.
ويبدو ذلك – ثانيا: في نوعية الصادرات الروسية ومدى إمكانية التوسع فيها. تتسم صادرات روسيا بغلبة المنتجات الأولية عليها. في 2018 شكل الوقود المعدني ويحتوي البترول والغاز 52.9% منها والحديد والصلب 2.5% والحبوب 2.3% والمجوهرات والمعادن الثمينة 2.2%، والآلات والأجهزة وتشمل الكمبيوترات 2%، والأخشاب 2%والأسمدة 1.8%، والأجهزة والتجهيزات الكهربائية 1.1%.
والخلاصة أن ضعف المكون الصناعي والتقني المتقدم في الصادرات، سيجعلها عاجزة عن تلبية احتياجات التنمية الاقتصادية الافريقية الحديثة، وبالتالي اقل قدرة علي النمو والتنوع.
وهناك – ثالثا: ضعف القدرة الروسية على المساعدة الاقتصادية، لم تعد روسيا سخية المساعدات كما كانت، لندرة الموارد وتغير توجهات نخبها السياسية، وأضحى أقصى ما يمكنها فعله التخفيف من ثقل الديون الافريقية القديمة، بشرط الدخول في صفقات سلاح ضخمة او التعاقد مع شركات تنقيب النفط الروسية.
ويبدو العجز الروسي فادحا اذا قارناه بضخامة المساعدات الصينية، التي وصلت قيمتها فيما بين 2000 -2017 إلى 143 بليون دولار. وهناك عامل رابع يتعلق بضعف الجاهزية التقنية لروسيا، الذي يجعلها شريكا غير جذاب في عملية تطوير البنى التحتية الخاصة باستغلال الخامات وإنشاء الموانئ، بالمقارنة بالجاهزية الصينية والكورية. وبالنظر إلى تلك الحقائق يرجح البعض إن سعي موسكو صوب افريقيا لا تحركه فعليا طموحات اقتصادية استراتيجية، بل مجرد تخفيف قيود العقوبات الاقتصادية الغربية على شركاتها، وإيجاد منافذ استثمارية لبعض الشركات وثيقة الصلة بالنخبة الحاكمة وبالتحديد شركات التنقيب عن النفط والغاز، وخلق فرص جديدة لسلعتي روسيا التقنيتين المتقدمتين الوحيدتين: السلاح ومحطات الطاقة النووية.
ولا يبدو البعد السياسي في التعاون أكثر وعودا في المستقبل، حيث تقع افريقيا بعيدا عن النطاق الجغرافي الاستراتيجي لروسيا. يتواجد هذا النطاق في شرق أوروبا حيث دول الاتحاد السوفييتي السابق مثل أوكرانيا وجورجيا وجمهوريات البلطيق، ومنها صوب بعض بلدان حلف وارسو السابق واهمها بولندا، ومنها صوب بقية اوروبا الوسطى والغربية. ويمتد شمالا صوب المحيط المتجمد الشمالي بمخزونه من النفط والغاز، ثم يمتد في آسيا صوب الهند وباكستان جنوبا والصين وكوريا واليابان غربا. وفي النهاية يمتد إلى دول جنوب آسيا الوسطى إلى افغانستان ومنها إلى إيران وتركيا. وعبر هذا الحزام الآسيوي الجنوبي يمتد إلى الشرق الأوسط والبحر المتوسط. وسوف نجد داخل تلك المناطق جملة من العناصر المشكلة للأمن القومي الروسي. منها الموقع الجغرافي ومدى تهديده للأمن القومي، ومنها مواقع حقول النفط والغاز، ومنها مسارات أنابيب نقل النفط والغاز، ومنها منافذ الوصول إلى المياه الدافئة، ومنها خصوصية العلاقات التاريخية مع روسيا كما الحال مع أوكرانيا، ومنها خلق انضباط داخل المجال الإسلامي المحيط بروسيا والقريب منها، منعا لانتقال تداعياته الراديكالية إلى كتلة روسيا الإسلامية.
ويعني ما سبق أن افريقيا تقف بعيدا عن نطاق شراكات روسيا السياسية الاستراتيجية والأمنية الكبرى، التي تعبر عن نفسها في صورة تحالفات خاصة تنظمها اطر سياسية وتفرض أعباء ومسؤوليات سياسية ولها تكلفتها الاقتصادية وربما امتداداتها العسكرية. لكن افريقيا في النفس الوقت تقدم لروسيا موردا سياسيا، تسعى إلى توظيفه في نطاق استراتيجياتها الكبري.
فما هي مكونات رؤية روسيا لهذا المورد؟
تسعى روسيا لنفاذ سهل ومميز لموارد افريقيا الاقتصادية،عبر تكوين تحالفات مع نخب افريقية بطبيعة تكوينها مؤهلة لتجاوز قواعد السوق الحرة. وهناك طلب روسي مرتفع على بعض مواد افريقيا الخام وبالتحديد الماغنسيوم والكروم والبوكسيت. وهناك ميل شركاتها التوسعي الراهن في مجالي النفط والمفاعلات النووية، والذي يرى في افريقيا سوقا أكثر ملائمة لقدرات شركاتها التنافسية الأقل من مثيلاتها الغربية.
لكنها تسعى ايضا لبناء تحالفات افريقية لدعم مكانتها داخل النظام الدولي في مواجهة الأحادية الأمريكية. ويبدو هذا في توجهها للاتحاد الافريقي دفعا لمشاركتها في قوات حفظ السلام الافريقية، ولمشاركتها في مباحثات السلام مثل اتفاقية السلام بين جمهورية افريقيا الوسطي والمتمردون. ويتبدى هذا اكثر في سعيها لبناء كتل مؤيدة لتحركاتها داخل المنظمات الدولية. ويظهر ذلك في نجاحها في حشد 29 دولة افريقية ، للتصويت ضد قرار الجمعية العامة لعام 2014 الذي يدين الإلحاق الروسي للقرم. ثم نجاحها في حشد تأييد افريقي ضد قرار الجمعية العامة لعام 2018، الذي أدان الوجود العسكري الروسي في القرم والبحر الأسود وبحر ازوف، كما نجد داخل نمط تصويت الدول الافريقية الثلاث أعضاء مجلس الأمن. في يناير 2019 تمكنت موسكو من كسب تأييد الأعضاء الأفارقة، في اعتراضها على قرار مجلس الأمن لفحص الأمم المتحدة لانتخابات الكونجو الديمقراطية المتنازع عليها. وفي ابريل 2019 حشدت تأييدهم لاعتراضها على قرار المجلس المطالب بوقف إطلاق النار في ليبيا وإدانة تحركات حفتر.