نحن المشكلة

آن بنت سعيد الكندية –

نعيش عصر الأسمدة الكيماوية والتغذية الصناعية والهرمونات والبروتينات وعمليات التجميل فغدت العفوية والرجولة غير المصطنعة والجمال الطبيعي زمان ليس له قبول. عصر الحلول السهلة السريعة التي لا يهم آثارها البعيدة وبالتأكيد المضمون النوعي ليس أحد أولوياتنا. وبما ان التزييف هو المطلوب فقول الحق أسطوانة لحنها منبوذ. أين هي القيادة الأصيلة؟ التي تتخذ من الطرق الوعرة دروبا لا تهابها، أين هو من يعمل على التأسيس والبهرجة ليست ضمن أجنداته؟. أنعيش عصر الخداع التكنولوجي! وأن كل شيء ممكن بضغطة زر فلا نريد أن نتعب معتقدين أن كل شيء ممكن، وانه لا ثمن يدفع.
الشاب مفتول في عضلاته الاصطناعية لم يبنها الميدان وعرق الجبين، والبنت أمعنت في الأصباغ هذا إذا سلمت من التنفيخ، ومشرطة جراح التقبيح. أصبحت العفوية استثناء والجودة يدفع لها الأضعاف إذ إنها طلب الخاصة فالعامة لهم خدمة نتاج المحسوبية والمعرفة السطحية، هم انفسهم من يشتكون من سوء الخدمة لكنهم يقدمونها ببجاحة الجهل الى من مقامه الاجتماعي لا يسمح له بالانتظار. إن اختصرت التكنولوجيا وقت كل الشيء فلن تستطيع محو الوقت اللازم لصنع الإنسان. تمدنا التكنولوجيا بالمعرفة غير المسبوقة لكنها لن تختصر التجارب التي تصقلنا بآلامها وفرحها.
كل شيء حولنا مبني على الكسب التجاري التعليم والصحة والتشييد ولم يسلم منه الدين وطقوسه. نبني مدنا أسمنتية خرسانات حديدية ومن ثم نفكر بالبيئة ونعقد المؤتمرات ونشهر الجمعيات لنذكر أنفسنا أن الطبيعة هي الأم. نلهث لمكاسب سريعة ونبررها ونغلفها بأهداف جميلة ونقول إنها الاستدامة بينما الأهداف النبيلة التي هي أساس الأعمال العظيمة فذلك تنظير ليس له واقعية.
نبكي على زمن مضى حين عرفنا الانضباط وأكلنا خبزا بلا محسنات وبنينا مباني بلا تشققات. نعيد استكشاف إرثنا الحضاري المطمور باسم الفلسفة والتجني على الدين لابن رشد وابن حزم وابن خلدون من كتب الإفرنجة الذين أرهقتهم المادية والحياة المقدسة للفردية بلا قيم عائلية. تائهون نحن نحاول الإمساك بحبال المدنية الغربية ونخاف الانسلاخ من ماض نرتعب من فحص جذوره. نعرف أن التعليم هو الحل وأنه بلا غرس القيم قوة بلا أخلاق ورغم ذلك نؤثره على أولادنا ونضنّه ببخل مقيت على أولاد غيرنا، لنا الجودة وعليهم الانتظار لعل تجاربنا ستنجح يوما لإصلاح التعليم.
نموت فرحا حين تنتابنا حمية الجاهلية في دفاعنا المستميت على ضرورة التدريس باللغة العربية والعربية وحدها ومادة يتيمة للغة الإنجليزية، فنحن نحاول خداع أنفسنا نظن أنه بالإمكان الاستغناء عن الإنجليزية لغة العلوم والبحوث والأعمال، فنشأ لدينا جيل لم يمسك لا بهذه ولا بتلك، وحتى تصل لنا جميع الأعمال مترجمة تكون معلوماتنا عفى عليها الزمن. من قال إن العربية ليست مهمة؟!، فهي الأساس لا بد من أن يكون للطالب لغتان رصينتان العربية والإنجليزية فالدول لديها في مناهجها ثلاث لغات. نخوض نقاشا خاضه مهاتير في السبعينات من القرن الماضي حين أصر الملايو على تعليم أبنائهم اللغة الأم فقط، وهو النقاش نفسه الذي خاضه لي كوان مع الصينيين ومدى اعتزازهم باللغة الصينية فقال لهم لا بأس لكنكم ستحرمونهم من الوظائف الجيدة مستقبلا. تمحقنا الازدواجية نريد تأسيسا قويا لأبنائنا في اللغة الإنجليزية حتى عادت عربيتهم ركيكة، فنسينا أن القرآن مقوم للسان.
أليس كل ذلك عواقب القصور في التعليم والوعي المعرفي؟. ما الذي يمكن ان نعمله في عصر ثورة تكنولوجية تتغير ملامحها كل يوم سوى الاستثمار في التعليم، أليس رفع كفاءته أولوية الأولويات؟. نخاف إعطاء الخبز للخباز فالتخصصية تهديد فلا بأس من إعطائه للحلاق.
الحلول بأيدينا إن تغلبنا على الأنا المفرطة، وتجاوزنا نظرتنا الضيقة للمصلحة الشخصية. نحن شعب متعلم متى ما تجاوزنا أنانية الاستئثار وسلمنا الراية للقادرين، ما استثمرناه في التعليم والبعثات اخرج لنا كفاءات تزاحمها الأقدمية، التعليم أهم من الاقتصاد وتنويعه والتنمية البشرية قبل الدرجات المالية.

Twitter: @AnnAlkindi