عودة داعش في ثلاثة تقارير حديثة : هل تتغير التوقعات بعد مصرع البغدادي؟

صلاح أبونار –
في الثالث من سبتمبر2019 أصدر المحلل الاستراتيجي الأمريكي الشهير انتوني كوردسمان بالتعاون مع عبد الله طوقان وماكس مولوت، ورقة عمل عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» الأمريكي المرموق بعنوان: «عودة داعش في العراق وسوريا والشرق الأوسط».
وكان للدراسة هدف بسيط ومهم وهو التحذير من أن تنظيم داعش على وشك أن يطلق قواه العسكرية مجددا بعد الهزيمة الساحقة التي حلت به. وذلك من خلال استعراض ثلاث دراسات ميدانية صدرت في يوليو واغسطس2019، الأولى عن مؤسسة بحثية تابعة للكونجرس الأمريكي والثانية عن فريق للمراقبة الميدانية تابع للأمم المتحدة والثالثة عن مؤسسة راند الأمريكية الشهيرة. استعراض بسيط ودونما تدخل أساسي من الباحثين، يخبرنا أن المصدرين الأولين يعتمدان على بيانات أمنية واستخبارية من مصادر رسمية، ويعتمد الثالث على مصادر معلومات مفتوحة.
صدرت المقالة ومن قبلها الدراسات التي اعتمدت عليها، قبل قرار الانسحاب الأمريكي من سوريا محذرة ضمنيا من مخاطرة. ولكن الأهم الآن أنها صدرت قبل الإعلان عن مصرع البغدادي.
وهنا سيظهر السؤال المنطقي التالي: هل من شأن مصرع البغدادي أن يؤثر على توقعات الدراسات الثلاث؟
الأمر المؤكد أن عام 2017 الذي انتهى بانتكاسة عسكرية ضخمة لتنظيم داعش، لم يسفر فقط عن انهيار هياكل وقوى دولة خلافته المزعومة، بل فقدانه لآلاف المقاتلين وعشرات القادة وكل مناطق سيطرته الجغرافية والسياسية خارجها. ويمنحنا التقرير تقديرات دقيقة عن مدى هذا التدهور، معتمدا على الأرقام التي أوردتها الدراسات المذكورة بمصادرها الخاصة.
شكل عام 2017 نفسه عام ذروة عمليات داعش في سوريا والعراق وأيضا عام انطلاق انهيارها. في عام 2017 وصلت الاعتداءات التي نفذها داعش في سوريا إلى 1709 اعتداءات والإصابات القاتلة إلى 5130 إصابة، وفي العام التالي انخفضت الاعتداءات إلى 635 والإصابات الى1541، وفي عام 2019 تواصل الانخفاض إلى 211 للاعتداءات و577 للإصابات. وشهدت عملياتها في العراق نفس التدهور، فبعد أن كانت 1663 للاعتداءات و8772 للإصابات في 2017، انخفضت في 2018 إلى 1293 للاعتداءات و2915 للإصابات، لتهبط في 2019 إلى 388 للاعتداءات و688 للإصابات.
والواقع أن ذات معدلات الانخفاض الحادة شهدتها أعمال بقية التنظيمات. ففي سوريا انخفضت اعتداءات قوات المعارضة السورية من 1307 عام 2017 إلى 483 عام 2019، وانخفضت إصابتها القاتلة من 1834 إلى 360 بين نفس العامين. وفي العراق انخفضت اعتداءات التحالف ضد داعش من 293 عام 2017 إلى 35 عام 2019، كما انخفضت إصاباته القاتلة من 3587 إلى 145 في نفس العامين.
ولكن التقارير الثلاثة تخبرنا أن هذا التراجع في سبيله للتغير إذا لم تواجه بوادره ومقدماته. يستخدم تقرير كوردسمان عبارات مثل: العودة والبعث والتعافي، ولا يشيرون إطلاقا إلى أي تطور نوعي ملحوظ ولو بشكل جزئي في معدلات العمليات العسكرية الفعلية المنفذة. وغاية ما سنجده في المادة المباشرة المأخوذة من التقارير الثلاثة، هو إشارات إلى ارتفاع في وتيرة العمليات العسكرية في سوريا والعراق، دون أية مؤشرات إحصائية ولو عابرة. أين إذن يحدث هذا البعث؟ وماهي ملامحه؟ يرصد التقرير ملامح هذا على المحاور التالية: الاستراتيجية، والتكتيك، وبناء القوة والتنظيم، والتوسع في التجنيد، وتجديد الموارد المالية. فكيف تبدو ملامح كل محور على نحو موجز؟
تسعى استراتيجي داعش الجديدة لتحقيق هدفين، عبر استخدام نفس مستوى القوة التي تبقت له بعد هزيمته.
الأول: خلق حالة اضطراب متصل في المناطق التي فقدها وانحسر نفوذه فيها، من اجل منع قوى السلطة والمعارضة من إعادة فرض النظام وهز شرعية السلطة.
والثاني: إثبات درجة ملحوظة من الحضور السياسي والعسكري، بحيث يظل حاضرا مذكرا الآخرين به على الدوام.
ومن أجل تحقيق هذين الهدفين يتبع عدة أساليب. شن عمليات عسكرية متواصلة تعطي الانطباع باتساع نطاق وجودها، وبحسابات تجعلها في مأمن من ضربات السلطة الانتقامية. وتبني سياسة تطلق عليها أدبياته مصطلحات: الصحراء والسوط والصولة، بموجبها تتمركز بعض قواتها في مناطق صحراوية، ومنها تشن هجمات سريعة ثم تنسحب، في مناطق عراقية مثل الأنباز وديالا وصلاح الدين وكركوك. وشن هجمات من نمط آخر تسعي إلى منع توسع النطاق الجغرافي للسلطة معها سيطرة مؤسسات الدولة. وتوظيف التوترات الموجودة في مناطق معينة بين القوات الكردية والقبائل العربية، بتصوير الحضور العسكري الكردي كقوة احتلال. وأخيراً تجميع بقايا عناصر التنظيم المقاتلة التي تبعثرت بعد الهزائم، في مناطق مثل كركوك الحويجة ورومر ورابعه في العراق. وفي سعي داعش لتحقيق تلك الأهداف الاستراتيجية يشير التقرير استخدامها لعدة تكتيكات، تتلاءم مع ما تبقى لها من قوة المتبقي وتحافظ على أفرادها. وهكذا تركز على العمليات الانتحارية والاغتيالات، والهجمات التي تستهدف احتلال مناطق واسعة لفترة زمنية محدودة، ثم الانسحاب منها لخلق الانطباع بالقوة. علاوة على تكتيك حرق المحاصيل في الأرياف المعادية لإجبار الفلاحين على مغادرة الأرض، وإخضاع الفلاحين وابتزازهم، وخلق أزمات غذائية تساهم في إضعاف السلطة. ومؤخراً استأنف داعش بعض تكتيكاته الإعلامية القديمة لاستعادة الاهتمام الإعلامي، مثل بث الأحاديث المسجلة لأبي بكر البغدادي وشن هجمات إرهابية في الخارج.
ويذكر التقرير فيما يتعلق ببناء القوة والتنظيم أن داعش لايزال لديه من قواته السابقة ما يتراوح بين 14.000 -18.000 مقاتل، وجميعهم لايزالون ملتزمين بأهداف التنظيم ومحافظين علي ولائهم الأيديولوجي. ورصد نقلا عن التقارير الثلاثة انه من أواخر عام 2018 شرع داعش في إعادة بناء قدراته العسكرية وهياكله التنظيمية وتوليد موارد قوة جديدة واستعادة الروابط بين تجمعات مقاتليه المبعثرين. ويضيف انه مما يساعده على ذلك سمات هيكله التنظيمي السابق، فلم يكن هيكلا مركزيا بل كان مرنا ذا قدرة عالية على التكيف مع الظروف المتغيرة والتباينات المحلية، كما أنه لم يتلاش بالكامل بعد الهزيمة بل حافظ على جزء غير هين من قوته ومؤسساته وشهد عملية إحلال قيادي بعد مصرع الكثير من قياداته الأولى. علاوة على تأثير عوامل أخرى مثل استمرار تمتعه بالدعم والشرعية في بعض المناطق المحلية، وضعف السلطة المركزية الذي يمنعه من الوصول لكل المناطق في سوريا والعراق، وبالتالي يمنحه مواقع أمنة لإعادة التجمع والبناء والحشد.
وفيما يتصل بمحو التجنيد يسعى داعش نحو تجنيد عناصر مقاتلة جديدة، من خلال العمل وسط تجمعات النازحين في سوريا، ومن ضمن أساليبها في هذا الصدد زرع عناصر تنتمي إلى التنظيم مع اسرهم، يمارسون دعوة بطيئة للتنظيم وخلق قواعد اجتماعية مناصرة توظف روابطها في التجنيد. وترصد التقارير مسارا ثانيا للتجنيد هو توظيف الروابط القبلية داخل المجتمعات المحلية البعيدة والمعزولة.
فيما يتصل بمحور توليد موارد مالية جديدة أورد التقرير، أن داعش بهزيمته فقد موارد دخل ضخمة مصدرها التجارة والضرائب واستغلال النفط، لكنه أيضا تمكن من إنقاذ جزء منها يقدر بحوالي 50 – 300 مليون دولار، توظف الآن بالخارج عبر واجهات شرعية. لكنها تنشط حاليا في توليد دخول إضافية من مصادر أغلبها غير شرعي. وتتسم هذه المصادر باتساع شبكات التمويل واعتماد أساليب غير مركزية، وتتنوع بين ابتزاز التجمعات السكانية غير الموالية، والتهريب والتجارة في الآثار، والإتاوات المفروضة على بيع الأراضي وعقود البناء، والاختطاف وطلب فدية. ويضيف أن هذه الموارد رغم عدم انتظامها تبدو قادرة على توليد دخل كاف لعودة نشطة للجماعة، لأنه مع انهيار سلطاته الإقليمية تحرر من الكثير من نفقات الإدارة والإنفاق الاجتماعي والإعداد الكبيرة للمقاتلين.
ويقودنا التحليل السابق إلى طرح السؤال الجوهري التالي: هل من شأن مصرع البغدادي أن يعرقل أو يوقف خطط العودة؟
حسب تقديرنا الإجابة بالنفي. ونطرح هنا ثلاثة عوامل.
الأول يتعلق بجدلية التكوين التاريخي لداعش. ولد داعش وغيره من التشكيلات الإرهابية، من رحم حروب أهلية رافقها تفكك عميق في هياكل الدولة، استدعى أدواراً خارجية. ويمكن للمواجهة العسكرية أن تهزمها كما حدث، ولكن ستظل تلك الهزيمة مؤقتة وتظل الجماعة قادرة على الانبعاث عبر مسارات أخرى. الأمر الذي يعني أن المتغير الأساسي المحدد لمسار هذه العودة هو إعادة بناء مؤسسات الدولة، ووضع أسس عادلة ومتوازنة للمصالحة الوطنية، واستعادة استقلالية القرار الوطني.
والثاني: يتعلق بمدى معرفتنا بالوضع الراهن للتنظيم. كانت الهزيمة ساحقة، وتحققت أساسا ليس عبر القوة العسكرية، بل عبر أخطاء استراتيجية. أهمها انه من اخطر المخاطر على تنظيم إرهابي أن تكون له ارض ثابتة، بل دولة ومؤسسات حكم. لان هذا سيحرمه من مرونة المواجهة، ويجعله هدفا سهلا لخصومه. ومن المرجح أن القيادة التي ارتكبت هذه الأخطاء، يصعب تصور استمرارها في مواقعها القديمة بعد الهزيمة. وباختصار الأرجح أن البغدادي تحول إلى قيادة تاريخية، وترك فعليا مواقع القيادة العملية.
والثالث: يتعلق بالطابع اللامركزي الواضح لخطط العودة. فلا وضع المواجهة الميداني، ولا حالة التنظيم وفقدانه لقواته وهياكله القديم، ولا اعتبارات تأمين ما تبقى من التنظيم، تسمح بعملية عودة تنتهج المركزية. الأمر الذي يعني انه حتى بافتراض احتفاظ البغدادي بصلاحياته المركزية، فإنه وضع نظري أساسا اكثر من كونه قيادة فعلية.