كائنات «فيسبوك» !

محمد جميل أحمد –

ربما تراه طيباً بشوشاً، مقتصراً على سويِّة نفسه في حياة عادية بين الناس. فهو إذ يتبين معدنه وطيبته في حياة واقعية، يعكس جزءاً كبيراً وحقيقياً من سلوكه الذي يترك انطباعا طيباً في نفوس الآخرين، فيذكرونه مقروناً بالطيبة وحسن المعشر.
هذا النموذج الذي يعبِّر عنه الشخص الطيب؛ يتوفر عليه طيبون كثر في عالمنا الواقعي فيمن نحتك بهم ونعاشرهم في الأسواق والأحياء والعمل.
إلى هنا، كل شيء مقبول ومحبوب من طباع هذا الطيب الذي نعرفه تماماً في حياتنا الواقعية، لكن قد يكون هناك ما هو مستتر ومحتمل من تغييرات قد تطرأ على هذا الشخص؛ مما لا نعرفه عنه في الحياة العامة، بحيث يكون في الفضاءات الافتراضية كائنا مختلفاً وشخصية أخرى غير تلك التي عرفها عنه الناس في الحياة الواقعية.
فذاك الشخص الطيب الذي يدخل الفيسبوك لأول عهده، سيكون لسمعته الطيبة (أقله بين من يعرفونه في الحارة من أصدقائه في الفيس) قبول يسمح له بالتعرِّض لمديح جديد يكال له على ذلك الفضاء الأزرق الجذاب. فهو فضاء مغرٍ لأن يثني عليه الجميع (لاسيما إذ كان هذا الشخص متديناً) فيرى في نفسه ما لم يكن قد رآه من قبل في الحياة الواقعية.
عبر «اللايكات» والتعليقات التي تحفزه لبذل مناولات من «جوجل» على صفحته في الفيسبوك من واقع اهتمامه كمتدين مثلاً، حين ينقل: أذكار الصباح والمساء، فيلقى من الأصدقاء استحساناً وألقاباً مجانية تظل تفعل فعلها في نفسه حتى ليكاد أن يصدق ذلك الكلام المجاني الذي يبذل له من الأصدقاء يصور له حقائق وهمية كثيرة عن نفسه.
ومع تزايد المديح وتفاعل اللايكات والتعليقات؛ تطمع نفس صاحبنا ( مدفوعةً بالنوايا الحسنة دائماً) لجلب أشياء أخرى إلى صفحته على الفيس (غير أذكار الصباح والمساء) نتيجة لضغط التفاعل الكثيف من أصدقائه مع صفحته، بما يكون مدعاة له إلى جلب بعض أفكار ومقولات لآخرين من علماء أو مفكرين أو شعراء، فيضعها على صفحته بحجة المشاركة العامة، مدفوعاً (في الحقيقة) برغبة خفية للمزيد من نيل عبارات الاطراء والاستحسان والمدح من طرف أصدقاء محتملين (من غير أصدقاء الحارة) قد يكون من بينهم أو كثير منهم، ممن يمتهنون كيل المديح المجاني لمن يعرفون ومن لا يعرفون، فيختلط على صاحبنا؛ ما إذا كان سبب استحسانهم لما يعيد نشره من جوجل على صفحته، هو نتيجة أجر مناولته لتلك المقولات، أم لاعتقاد أصدقائه أنها من «عندياته»!
وفي هذه المنطقة الرمادية يرتاح صاحبنا لما يفعل، ويغريه ذلك أكثر ببذل المناولات ونيل الاستحسان المضطرد من الأصدقاء إلى درجة ينسى معها هوية الفعل الذي استمزج ممارسته وما إذا كان ذلك الفعل سطواً على حقوق الآخرين أم لا ! بطبيعة الحال، التغييرات التي ستطرأ على هذا الشخص الطيب (بعد أن أصبح نجماً فيسبوكياً) ستكون مثيرة للكثير من علامات التأمل والدرس لكل باحث عميق عن طبيعة التحولات التي تنعكس على مستخدمي الفيسبوك في مجتمعات يغلب عليها الشفاهة والتخلف.
فمن ناحية، سيكون لغياب هيمنة ثقافة القانون واحترام حقوق الآخرين، وغياب التعليم الجيد والمتقدم، وعدم شيوع مفاهيم حقوق الملكية الفكرية في المجال الإعلامي والصحافي، دور كبير في جعل ذلك الكائن الفيسبوكي في عالمنا العربي كائناً متحولاً (دون أن يدري حتى) من شخصية واقعية طيبة ــ قبل دخوله الفيسبوك ــ إلى ذات متضخمة وأنا متورمة بفعل فضاء افتراضي متخلف.
ومن ناحية ثانية؛ ستكون تفاعلات الأصدقاء وتعليقاتهم ولايكاتهم قد عززت في نفسه حظوظاً عالية لتوهم مكانة مجانية بلغت مبلغاً يتعذر معه العودة إلى سيرته الواقعية الأولى.
هكذا يصبح ذلك الشخص الصالح الطيب (في حياته الواقعية) بعد دخوله عالم الفيسبوك ؛ نتاجاً عجيباً لتقاطعات حداثة رقمية متقدمة وواقع متخلف مأزوم؛ ما سيعني بالضرورة انتاج طبقة لامتناهية من سلسلة من الكائنات الفيسبوكية التي تعيد انتاج نفسها باستمرار مع كل داخل إلى هذا الفضاء الافتراضي المسمى فيسبوك؟
لقد بدا الأمر كما لو أن وسائل التواصل الاجتماعي هي فقط الفضاء الذي كان يحتاجه هؤلاء لاكتشاف عاهاتهم العظيمة فجأة وعلى الهواء مباشرة، والتي سيصبحون بموجبها وجوهاً لامعة تتبوأ منصات التوجيه ومقامات الوصاية على الآخرين من خلال تلك المناولات.
ولم يدرِ أولئك الفسابكة ؛ أن هذا الضرب من الممارسات والمناولات المسلوقة هو في حقيقته سرقة وانحطاط ثقافي ؛ لأن الواقع الافتراضي هو مجرد تسييل سريع لتحديثات مستمرة ينسي آخرها أولها باستمرار.
والنتيجة هي: الحرص على الظهور المستمر واللايكات المتجددة والتعليقات الكثيرة، وبعد ذلك لا شيء سوى هذه الدوامة.
إن أولئك الذين يسرقون جهود الآخرين ومقولاتهم الثقافية ــ عبر الجوجلة ـ (بنوايا حسنة في البداية) ومحاولة الايهام (عبر تلك المناولات المتخلفة) بحالة من الانتفاخ المعرفي الكاذب، من خلال نشر جهود الآخرين بهدف الإيحاء والتباهي بدور ثقافي مضلل أو توجيه متعالٍ لمتابعي صفحاتهم؛ هم في الحقيقة مبتدئون وهواة هائمون.
وأمثالهم ـ قبل أي شيء ــ في أشد الحاجة لكشف حقيقة تواضعهم وفقرهم بدلا من تباهيهم بتلك «المناولات» التعيسة والكاشفة عن ذواتهم المريضة بحب الظهور والادعاء الخفي لجهود الآخرين ؛ هؤلاء هم جزء من عاهة التخلف المزمن للمجتمعات العربية ؛ تخلف يعكس الدرك السحيق لرداءة التعامل مع التقنيات الحديثة.
«فيسبوك العربي» لا يغري بالكتابة فحسب ؛ بل يغري بأوهام أخرى، هي أكثر من كوميديا سوداء ؛ يكشفها تراجع: عالم الناطقين بالعربية!