التدمير والتعمير

عادل محمود –

الحكايات البسيطة قد تغني الكاتب عن فرك أذن الكلمات لتطيعه، وتسمع منه رأيه وتحليله وموقفه من الأحداث.
تفضلوا بالاستماع إلى هذه الحكاية (وهي تحاول أن تغنيني عن الكتابة في شأن المظاهرات اللبنانية التي ستدخل أسبوعها الثالث، والطريقة اللبنانية تضع قلوبنا جميعًا في منتصف المسافة بين الخوف والأمل. فهذه الطريقة قد تكون مفتاح البوابة الكبرى للإصلاح. وقد تكون مفتاح بوابة للجحيم الذي نعرفه بالخبرة والاختبار.
الحكاية: في إحدى الجامعات والكليات غاب أربعة طلاب عن الامتحان. واتفقوا على كذبة يقولوها للدكتور، أستاذ المادة.
قالوا له: دكتور… أمس رحنا على عرس رفيقنا، وانفجر دولاب السيارة. واضطررنا لدفع السيارة طوال الطريق، وتعبنا، وما كان معنا وقت للدراسة.
اقتنع الدكتور وأعطاهم ثلاثة أيام للتحضير. وفي الامتحان وزعهم كل طالب في قاعة. وأسئلة الامتحان كانت، أولاً: أي دولاب الذي انفجر؟ أمامي، خلفي، يسار، يمين. ثانياً: في أي شارع وقع الحادث؟ ثالثاً: أية ساعة انفجر الدولاب؟ وكتب الدكتور هذه الملاحظة: إما أن تكون الأجوبة مطابقة أو «بدّي ألعن أبوكم واحد واحد. مفكّرين أنا أخدت الدكتوراه من بيت أبوكم يا كلاب؟»
أعتقد أن السبب الأول للمظاهرات هو الحصص الموزعة على طوائف لبنان حسب الحجم السكاني والجغرافي. التوزيع نفسه قد لا يكون عادلاً، ولكنه، على وجه اليقين، طريقة فاسدة في الحكم.
والفساد في الدول الطائفية يرسّخ بالوراثة، فيصبح قادة اليوم هم أبناء وأحفاد زعماء الأمس، والأمس الأول.
والفساد والوراثة والسلطة هي أدوات إنتاج الثروة، التي إن استفحلت وتمددت وتعددت… جلبت لنفسها العدو المعروف: الثورة.
وفي العودة إلى حكاية الدولاب… لم يستطع الأولاد المشاغبون والكسالى (إن شئت) أن يضحكوا على الدكتور… (في الحالة اللبنانية: الدكتور الماهر في قيادة المصائر)، فقد حاولوا الا يتورطوا كزملائهم السوريين بشعار «الشعب يريد إسقاط النظام» فرفعوا شعار «الشعب يريد إسقاط الفساد». ولكن الدكتور يعرف، بخبرته، أن إسقاط الفساد يعني إسقاط النظام… وهنا يدخل الوضع منطقة موبوءة بالاحتمالات. فليس في لبنان الآن أي نوع من «مهاتير محمد «رئيس وزراء ماليزيا المتقاعد ، الذي طلبوا منه النجدة لإنقاذ البلد وهو في التسعين من العمر، فلباهم، ليس بالاحتيال وإعادة تدوير الحصص … بل بالإجراءات الفورية وهو يصعد السلم إلى مكتبه: إلغاء الضرائب على السلع والخدمات. القبض على رئيس الوزراء السابق بتهم الفساد. القبض على تسعة وزراء بالتهمة نفسها. إغلاق الموانئ والمطارات حتى لا يهربوا. القبض على 144 رجل أعمال ـ فساد. و60 قاضيا و 200 ضابط شرطة، وفي خمسة أيام استرد للخزينة 50 مليار دولارـ فساد.
ونعود الى الدفتر الذهبي :«اذا كان للمشكلة حل… فلا داعي للقلق» واذا لم يكن هناك حل… فلا جدوى من القلق.