التطورات والمزايا والتحديات

صلاح أبو نار –

مع انطلاق أعمال قمة المناخ في 23 سبتمبر 2019 عادت قضية المناخ ومعها قضية الطاقة المتجددة إلى بؤرة الاهتمام العالمي. كانت تلك القضية حاضرة على الدوام في مجال الاهتمام العالمي. بفعل ضغطها الملموس والمتصاعد على حياة البشر ونظام الطبيعة، وبفعل تحولها لمصدر دائم لصراعات حادة وعلنية بين قادة العالم. وفي حضورها لم تبتعد عن بؤرة هذا الاهتمام، الا بفعل نشوب أزمات طارئة تهدد الاستقرار الدولي.

وعندما ندع جانبا البيانات المعبرة عن الاجماع الفكري حول قضية المناخ، ونركز على اهم المبادرات العملية التي انطلقت خلال المؤتمر، سنلاحظ انها جميعها متصلة بمسألة الطاقة المتجددة. وفقا لبيان صحفي رسمي صادر عن المؤتمر، التزمت مجموعة من اكبر مالكي الأصول في العالم وتدير استثمارات قيمتها اكثر من 2 تريليون دولار، بالانتقال الى محافظ استثمارية محايدة من حيث الكربون بحلول 2050. وتعهدت 87 شركة ذات قيمة سوقية تفوق 2,3 تريليون دولار، بتخفيض الانبعاثات ومواءمة أعمالها مع المعايير العلمية للحد من اسوأ التغيرات المناخية، والتزم اكثر من 130 بنكا، تمثل ثلث الاقتصاد المصرفي العالمي، بمواءمة أعمالهم مع اتفاق باريس.
واذا انتقلنا من المبادرات الخاصة الي مبادرات الدول، سيخبرنا نفس البيان عن التزام الهند برفع قدراتها الإنتاجية من الطاقة المتجددة الى 175 جيجا وات بحلول 2020، ثم الى 450 جيجا وات. والتزام الصين بتخفيض انبعاثات الكربون بأكثر من 12 مليار طن سنويا، وتعهد ألمانيا بتحييد الكربون بحلول 2050، واعلان الاتحاد الروسي انضمامه الى اتفاقيه باريس، وتصريح الاتحاد الأوروبي ان 25% من ميزانيته القادمة ستخصص للانشطة المتعلقة بالبيئة.
ولا تبدو لنا تلك الالتزامات والخطط محض التزامات وخطط لانعرف بالضبط مقدار قابليتها للتحقق.
فالأمر المؤكد – اولا – ان هناك اجماع سياسي عالمي علي وجود أزمة مناخ، سيكون لها تداعياتها الخطيرة على الحياة الطبيعية والانسانية. اجماع يستند الى حقائق رصدها واثبتها اجماع علمي موازي لاينال منه الخلاف الا قليلا.
والأمر المؤكد ثانيا – ايضا ان هناك اجماع علمي موازي يري ان تلك الازمة مصدرها ارتفاع درجة حرارة الارض، وان هذا الارتفاع مصدرة كثافة انبعاثات ثاني اوكسيد الكربون، وان الطريق الاساسي لتخفيض الانبعاث هو الانتقال من الطاقة التقليدية الاحفورية الى المتجددة.
والأمر المؤكد – ثالثا : ان هذا الاجماع السابق حول الضرورة المصيرية للانتقال للطاقة المتجددة، سعي لترجمه نفسه الي سياسات عملية حققت قدرا بارزا من الإنجازات، أقل من المستهدف بالتأكيد ولكن لايمكن التهوين من حجمه.
وسنجد تقديرات متكاملة ويمكن الثقة فيها في التقرير الأخير لبرنامج الامم المتحدة للبيئة: «الاتجاهات العالمية في استثمار الطاقة المتجددة 2019». فيما بين 2010 – 2019 تضاعفت قدرة الطاقة العالمية المتجددة من 414 جيجا وات الي 1650 جيجا وات اي اربعة اضعاف. وفي يناير 2010 كانت الطاقتين الشمسيية والمولدة من الرياح لا تتعدي قيمتهما 4% من قدرة الطاقة المولدة عالميا، ولكن عند نهاية عام 2019 سيسجل المصدران 18% من الطاقة العالمية المولدة.
وتحقق هذا التقدم الهائل نتيجة لاستثمارات علي مدي العقد تصل قيمتها الي 2,4 تريليون دولار، توزعت بين 1,023 تريليون للرياح و1,349 تريليون للشمسية. بينما وصل إجمالي استثمارات كل فروع الطاقة المتجددة الى 2,6 تريليون دولار. ولقد كانت اكبر الاستثمارات في الصين بقيمة 758 بليون دولار، وتلتها اوروبا بقيمة 698 بليونا، وكان نصيب امريكا 356 بليونا. وبصفه عامة تتسع وتتكاثف حركة الاستثمارات في الدول النامية. ولوحظ انها فيما بين 2004 – 2014 كانت في الدول المتقدمة اعلى منها في النامية، ولكن من 2015 اصبح معدل نمو النامية اعلي من المتقدمة.
ويتركز ثلثا استثمارات الدول النامية في الصين والهند، ولكن المشاركين في الثلث الثالث يتزايد عددهم وتتكاثف استثماراتهم. وبالتوازي مع ذلك أخدت تكلفة الاستخدام في الانخفاض بمعدلات فاقت التوقعات. هبطت تكلفة الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية الضوئية بنسبة 81%، والمولدة من رياح الشواطئ بنسبة46% والرياح البعيدة عن الشواطئ 44%. وانخفضت تكلفة الألواح الشمسية 76%، وتكلفة توربينات محطات الرياح 34%، وفي 2018 انخفضت تكلفة بطاريات الليثينيوم – ايون لتخزين الطاقة 35% بالمقارنة بالعام السابق. وتبعا لذلك اتسع نطاق الاستخدام الشعبي. في عام 2019 سنجد 9 دول تولد ما لايقل عن 20% من طاقتها الكهربائية من المصادر المتجددة. وحوالي 100 مدينة على الأقل تحصل علي 70% من طاقتها من الموارد المتجددة، و40 مدينة تحصل علي كامل طاقتها منها.
ومن المؤكد أن هذا التوسع يشكل قفزة هائلة، اذا تذكرنا انه جرى خلال عقد واحد فقط. وتبدو تلك القفزة مبررة تماما اذا تذكرنا الصورة الكئيبة والواقعية، التي يقدمها دعاة البيئة لواقع ازمة المناخ وتداعياتها المستقبلية. تذكرنا هذه الصورة ان القطب الشمالي شهد على مدى السنوات الممتدة من 1990 ارتفاعا في الحرارة بمعدل 3 درجات مئوية.
وتحذرنا انه اذا فشل المجتمع العالمي في ضبط الارتفاع الجاري في حرارة المناخ، وبالمقارنة بالوضع في العصر قبل الصناعي، في حدود درجتين فقط عند نهاية القرن، فإن الطبيعة والمجتمع سيشهدان اضرارا جسيمة. نقص في المياه، وموجات جفاف اكثر تواترا وطولا، وتصحر الأراضي الزراعية، ومعهم نقص في الغذاء وهجرات جماعية. وتحولات في الطقس تحمل معها عواصف وأعاصير استوائية اكثر قسوة وتواترا، وموجات حارة قاتلة، وذوبان ثلوج المناطق الجليدية. وارتفاع في مستوى مياه البحر سيؤدي لغرق مساحات كبيرة من الشواطئ ومعها حواضرها السكانية.
غير ان الطاقة المتجددة تحمل معها مزايا ابعد من مواجهة مسألة ارتفاع الحرارة وتداعياتها. تبدو الطاقة المتجددة اكثر قدرة على دعم استدامة التنمية، لأنها ذاتية المنبع لا تعتمد على السوق الخارجي بتقلباته وتحكماته، واكثر قدرة على الانتشار للمناطق النائية والتأقلم مع الظروف المحلية، واكثر كثافة في التوظيف، واكثر ملاءمة لتنمية قدرات المجتمعات المحلية على الإدارة الذاتية، واكثر عدالة بين الاجيال لأنها تعتمد على موارد مستدامة، واكثر قدرة على تلبية احتياحات النمو السكان والاقتصادي المتصاعدة من الطاقة. وهناك من يرى ان الدفع المتواصل بالطاقة المتجددة، سيهدر اصولا استثمارية كثيفة ومعها ملايين الوظائف.
ولا ينكر المدافعون ذلك لكنهم يضيفون انه في مقابل 7,4 مليون وظيفة سيفقدها قطاع الطاقة التقليدية حتى عام 2050 ومعها اصولها الاستثمارية، ستخلق الطاقة المتجددة 19 مليون وظيفة ومعها اصولها المناظرة. وهناك ميزة تتعلق بالوفورات الاقتصادية. تتميز الطاقة المتجددة بكونها اقل كثافة في مرحلة استثمارات البنية الاساسية، واقل تكلفة في مرحلة التشغيل لتوفر مواردها في الطبيعة ذاته. ويطرحون انه وفقا لخارطة الطريق للإحلال حتى 2050، ستصل تكلفة التأسيس الى 1,7 تريليون دولار، لكنها ستنتج فائضا اقتصاديا يصل الى 6 تريليونات دولار، وسيصل الربح التراكمي المتولد من ارتفاع الناتج المحلي الى 52 تريليونا دولار.
ولكن قطاع الطاقة المتجددة في تقدمه سيواجه مشاكل صعبة لكنها قابلة للمواجهة.
هناك – اولا : المشاكل التقنية واهمها مشكلتان. مشكلة التقطع اي تفاوت معدلات التوليد وفقا لتفاوت كثافة موارد التوليد مثل سطوع الشمس وقوة الرياح، ومشكلة التناثر وتعني تناثر موارد التوليد ووقوعها بعيدا عن مواطن تركز العمران. ولكن انصار الطاقة المتجددة يطرحون انها قابلة للمواجهة مع الزمن والتطور التقني. فالتقطع يمكن التنبؤ به بفترة كافية والتجهيز لمواجهته. والتناثر يمكن مواجهته عبر تكنولوجيا تخزين الطاقة، ومد شبكات التيار المباشر عالي الجهد وقليل الفاقد للطاقة ( 3% فقط فاقد لكل الف كم واقل من سنت لكل كيلووات ساعة)، كما يمكن استخدام نفس التكنولوجيا لاقامة شبكات عامة وواسعة تربط بين مختلف مصادر الطاقة المتجددة وتنقل الطاقة الي مناطق النقص.
وهناك – ثانيا : المشاكل السياسية. تتسم الطاقة التقليدية في اغلب الدول، بكونها مركزية الإدارة وتابعة للسلطات وتحظى بوضع احتكاري وصلات عضوية بمالية الدولة والبنوك وتقدم قدرا من الاعانة للمستهلك. وعلي سبيل المثال خلال 2017 كان هناك 117 دولة تقدم إعانات على سعر الكهرباء، واكثر من 73 تمنح كل منها اكثر من مائة مليون دولار إعانة، ويقدر ان إجمالي الإعانات المقدمة للطاقة التقليدية وصل إلى 300 بليون دولار خلال 2016. وكل ذلك سيخلق مشاكل في وجه نمو صناعات الطاقة المتجددة، ليس فقط القادمة من القطاع الخاص، بل ربما الحكومية أيضا.
وهناك – ثالثا : صعوبات مصدرها القطاع الخاص. ففي البلدان التي ينشط فيها في مجال الوقود الأحفوري، يمتع القائمون علية بنفوذ قوي مصدرة قوتهم الاقتصادية، وعلاقتهم بمؤسسات الدولة والتمويل، والأهم علاقتهم المؤكدة بشركات النفط العالمية. وسوف يشكل نمو الطاقة المتجددة تحديا لمصالحهم قد يدفعهم لعرقلتها.