أمل العالم الجديد

إميل أمين –

من أين يمكن للمرء الحديث عن إشكالية الطاقة في عالمنا المعاصر؟
الشاهد انه يمكننا تناول الإشكالية من زاويتين رئيسيتين:
الأولى تعلق بفعل الديمومة، والثانية موصولة بحالة الطبيعة وتغيرات الكون المناخية.

بداية تطرح مصادر الطاقة التقليدية علامة استفهام جذرية حول مقدرتها على البقاء والصمود إلى آجال بعيدة، سيما وان جلها قابل للنفاذ عند لحظة بعينها، فكما اقتربت نهاية عصر الوقود الأحفوري، والذي كان مصدر الطاقة ومحرك الصناعة في القرن الثامن عشر، هكذا ربما ينتهي عصر النفط والغاز بعد عقود قليلة وقبل نهاية القرن الحادي والعشرين، الأمر الذي يحتم على الإنسانية التطلع الى مصادر طاقة غير قابلة للنفاد، سيما وان كل مشروعات الحضارة الحديثة تعتمد قلبا وقالبا على استهلاك المزيد من أشكال وأنواع الطاقة لتحقيق الغرض منها ومن أجل خدمة الجنس البشري.
اما البعد الثاني والذي يجعل من مسألة الطاقة المتجددة امر واجب الوجود، هو ذلك الموصول بحالة الطبيعة وتغير المناخ، فقد باتت الكرة الأرضية تعاني إلى حد الوصول الى نقطة الانفجار الإيكولوجي من جراء تلوث المناخ، وارتفاع درجة حرارة الكرة الأرضية، وتمدد ظاهرة الاحتباس الحراري، وبدء ذوبان ثلوج الأقطاب، الأمر الذي يهدد بارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات، الى الحد الذي يمكن معه غرق الكثير من اليابسة في الأجل القريب، وهذا خطر اخر مضاف.
ولعله من باب التذكير فقط يمكننا الإشارة الى ان اهم أنواع الطاقة المتجددة تلك المرتبطة بطاقة الشمس الحرارية، والتي تعد مصدر القرن الحالي والقرون القادمة بعد ان عرف الانسان كيفية استغلالها على نحو أمثل، اضافة الى طاقة الهواء والرياح، وهناك ابحاث جارية بعمق حول طاقة المياه وان كانت هذه تحتاج الى مزيد من الوقت سيما استخراج الطاقة من مياه البحار والمحيطات.
هناك بعد ثالث في واقع الأمر يجعل من الطاقة المتجددة امل الكرة الارضية نحو الغد، وهو ان اسعار تلك الطاقة تنخفض باستمرار، من جراء المزيد من المخترعات والمكتشفات يوما تلو الآخر، فقد انخفضت اسعار تركيب الطاقة الشمسية بحوالي 26% في العام الماضي حسب ما ذكرته وكالة بلومبرج الاقتصادية لتمويل الطاقة المتجددة. كما ان اسعارها انخفضت بنسب اعلى من ذلك في البلدان التي تقوم بتركيب محطات الطاقة الشمسية بكثافة اعلى مثل الصين والهند.
ولعل المزيد من الدراسات الحديثة تبين لنا ان الاستثمار في الطاقة المتجددة امر لم يعد من قبيل الرفاهية او الترف، بل بات حاجة اقتصادية وبيئية، ومن هنا طفا على السطح الحديث عن الطاقات الخمس المتجددة او البديلة اي الشمس والرياح والمياه والطاقة الحيوية والطاقة المستخرجة من النفايات، وجميعها باتت مرشحة وحدها لسد النقص العالمي لاستهلاك الطاقة المتنامي حاليا، واحلالها تدريجيا مكان الطاقة الاحفورية والنفطية لدى نضوبها، وهو ما تعمل عليه الاقتصادات العالمية العملاقة في وقتنا الحاضر.
عطفا على ذلك فان قطاع الطاقة المتجددة اضحى يشارك بنسبة فاعلة في توفير فرص العمل وتخفيض نسب البطالة حول العالم، فقد اعلنت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا»، ان قطاع الطاقة المتجددة الذي يزداد نموه خلق 500 الف وظيفة جديدة العام الماضي ليتخطى بذلك عتبة 10 ملايين للمرة الاولى، وافادت «إيرينا» في تقريرها السنوي عن «الطاقة المتجددة والوظائف»، ان قطاع الطاقة النظيفة الذي يشكل اكثر من 18% من مزيج الطاقة العالمية وظف 10.3 مليون شخص بحلول نهاية العام 2017، بما في ذلك مصانع للطاقة الكهرومائية، وهي زيادة بنسبة 5.3 % عن العام السابق.
التقرير المشار اليه يذكر ان الاهتمام بالطاقة المتجددة لم يعد قاصر على دولة معينة او قارة بعينها، كما انه لم يعد حصرا على دول الشمال او الجنوب، ولا الدول ذات الاوضاع الاقتصادية المتقدمة او غيرها الفقيرة، فقد اشار الى ان الصين والبرازيل والولايات المتحدة والهند والمانيا هي في طليعة دول العالم في هذا المجال حيث ساهمت بخلق 70% من الوظائف في القطاع.
واوضحت الدراسة ان العدد الإجمالي للوظائف زاد بنسبة 47% عن العام السابق مع تركز اكثر من 60% منها في آسيا، وتحديدا في الصين، وفي نهاية العام 2017 وظفت الصين 3.88 مليون شخص في قطاع الطاقة المتجددة بزيادة نسبتها 12.1 عن العام 2016 وهو ما يشكل 38% من الوظائف حول العالم.
احد اهم الاسئلة المطروحة في سياق الحديث عن الطاقة المتجددة: هل هذا النوع منها تحديدا هو هدية السماء للعالم العربي بنوع خاص؟
الجواب يستدعي منا العودة الى قراءة تقرير مهم للغاية للباحث الأمريكي في جامعة ستانفورد «جيفري بول»، وفيه يشير الى ان الشرق الأوسط سيقوم بتغيير انماط استهلاك الطاقة عالميا مجددا.. كيف ذلك؟
يفيد لفظ متجددة ان الشرق الأوسط كان مصدرا للطاقة، وهذا صحيح وواضح لمن لديه فكرة اولية ومبسطة عن الدور الذي لعبه النفط منذ اكتشافه في أربعينات القرن العشرين وحتى الساعة، فقد كان سائل الحضارة الغربية وعصبها، والذي لولاه لما قامت نهضتها التي نراها من حولنا الان.
غير ان الشرق الاوسط ومن جديد يبقى في سويداء القلب بالنسبة للطاقة المتجددة فمع شمس مشرقة في اغلب اوقات العام، ورياح يمكن الاعتماد عليها فان تكلفة انتاج الطاقة المتجددة في الشرق الأوسط اقتصادية، إلى الحد أنها تقل في بعض المناطق عن الطاقة النووية وتلك التي يتم توليدها من الوقود الاحفوري.
علامة استفهام اخرى تهمنا نحن سكان الشرق الأوسط بنوع متميز: هل ينبغي على سكان تلك المنطقة ان يولوا الطاقة المتجددة اهتماما خاص بسبب ظروف وتغيرات المناخ والحياة على سطح تلك المنطقة من الارض؟
المعروف ان منطقة الشرق الأوسط ومن اسف شديد ستكون من اكثر المناطق تضررا من ارتفاع درجات الحرارة ومنسوب البحار والمحيطات حال استمرار ظاهرة التغير المناخي في الاستفحال.
وهناك إدراك اكبر لخطورة مشكلة الاحتباس الحراري في الشرق الاوسط، عما هو قائم في بقية دول العالم ففي الوقت الذي تبلغ فيه النسبة العالمية لمن يدركوا ان الاحتباس الحراري مشكلة خطيرة 18%، ترتفع النسبة في الشرق الاوسط الى 38%.
وترجع الدراسة الأمريكية ارتفاع تلك النسبة الى نسبة الانبعاثات الكربونية نسبيا في المنطقة بما يجعل قاطنيها يشعرون بخطورة الظاهرة بشكل اكبر.
ولعل العلاقات العربية – الصينية المتنامية في الفترات الأخيرة، قد لفتت نظر العرب الى الدرس الصيني وربما تعلموا منه ايضا، اذ قررت بكين زيادة الاعتماد بشكل كبير على الطاقة المتجددة بعد زيادة مستويات التلوث الصينية بشكل مقلق، ومع تكاتف التكنولوجيا الصينية والاوروبية المتفوقة، والعوامل البيئية المواتية في الشرق الاوسط، فانه من المنتظر ان تكون الطاقة المتجددة اخيرا جاذبة اقتصاديا.
والشاهد انه بحلول العام 2025 سوف تصبح الطاقة الشمسية هي مصدر التوليد الأهم للكهرباء في العالم بفضل التعاون بين التكنولوجيا والعوامل البيئية، وهي حاجة ماسة مرتبطة باتفاقية باريس للمناخ عام 2015، والتي تسعى الى الحد من معدل ارتفاع درجات الحرارة عالميا بحث لا تتجاوز درجتين مئويتين في القرن الحالي، مقارنة بمستويات ما قبل العصر الصناعي، وهنا تشكل مصادر الطاقة المتجددة، مقرونة بالتحسن السريع في كفاءة استهلاك الطاقة، حجر الاساس في ايجاد حل فعال لظاهرة تغير المناخ.
من هنا تتحدث الوكالة الدولية للطاقة العالمية عن حتمية نشر تقنيات الطاقة المتجددة على نحو اسرع بستة اضعاف حتى يتمكن العالم من البدء بتحقيق الأهداف المنصوص عليها في اتفاق باريس. ومن هنا ايضا يمكن ان نتفهم كيف يتقدم قطاع الطاقة المتجددة تقدما ملحوظا خلال السنوات الاخيرة، ورغم ذلك فانه ينبغي تسريع هذا التقدم بطبيعة الحال، ففي العام 2017 اضاف قطاع الطاقة المتجددة 167 جيجاواط من سعة الطاقة المتجددة على مستوى العالم، وهذا يمثل نموا بنسبة 8.3% عن العام السابق واستمرارا لمعدلات النمو المسجلة منذ عام 2010 بمعدل وسطي نسبته 8% سنويا. وقد شكلت الطاقة المتجددة نحو ربع اجمالي القدرة الإنتاجية العالمية من الطاقة. وهذا رقم قياسي جديد، كما تم تسجيل ارقام قياسية جديدة على صعود توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، حيث زاد توليد الطاقة الشمسية الكهروضوئية بمقدار 94 جيجاواط وطاقة الرياح بمقدار 47 جيجاواط من طاقة الرياح البرية، وتواصل تكاليف توليد الطاقة المتجددة انخفاضها، وهناك أدلة دامغة على ان أنظمة الطاقة التي تغلب عليها المصادر المتجددة يمكن لها ان تكون واقعا ملموسا، لذا يمكن زيادة نطاق وسرعة نشر الطاقة المتجددة بمنتهى الثقة. ولعل الناظر الى العالم العربي ومنذ بدايات العقد الثاني من القرن الحالي يدرك تزايد الاهتمام بمحطات الطاقة المتجددة لا سيما الشمسية في العالم العربي فقد كانت هناك في عام 2012 سبع دول عربية على الأقل في مقدمتها مصر تمتلك قدرات للتوليد بطاقة الرياح، وقد ارتفع هذا العدد الآن الى الضعف سيما في ضوء الاحتياج الأوروبي المتكاثر الى طاقة جديدة ونظيفة ولا تستنفد كما الحال مع مشروع «ديزرتيك» في منطقة الصحراء الجزائرية المغربية، والذي يستخدم لدعم ألمانيا وعدد من دول أوروبا بطاقة كهربائية.
كما تعمل المنطقة الشرق أوسطية على وضع الكثير من مشاريع انتاج الطاقة الهوائية والشمسية او على التخطيط لها، ومن الواضح كذلك ان دول المتوسط العربية ودول الخليج على حد سواء قد باشرت بتطوير سياسات تدعم فعالية الطاقة، وهي تميل اليوم نحو دراسته بشكل علمي موضوعي جدي، مع الاخذ في عين الاعتبار ان السياسات الصحيحة تساعد على النجاح في زيادة حصص مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة، وهذا يعطي ثماره على صعيدي الاقتصاد والبيئة، وقد اصبح لدى 20 من الدول العربية سياسات ذات اهداف واضحة فيما اقرت 16 دولة منها مستوى معينا من السياسات الملائمة للطاقة المتجددة.
ولعل خلاصة القول هي أن تلك الطاقة ربما ستكون مفتاحا جيدا للكثير من النماء الإنساني ولمحاولة إنقاذ أمنا الأرض من المصير المأساوي الساعية في طريقه، ما يعني أن الحاجة إليها باتت فرض عين في الحال والاستقبال.