بين المعارضة الدولية وأهمية تسوية الأزمة السورية

د. أحمد سيد أحمد –

على خلاف عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون العسكريتين اللتين شنتهما تركيا في عامي 2016 و2018، أثارت عملية نبع السلام التي أطلقتها تركيا في شمال شرق سوريا، في التاسع من أكتوبر، جدلًا واسعًا ومعارضة عالمية متزايدة، رغم أن الهدف من وراء تلك العمليات الثلاث كان مشتركًا وهو ما تبرره تركيا بمحاربة قوات وحدات الحماية الكردية التي تصنفها كمنظمة إرهابية وعلى ارتباط بحزب العمال الكردستاني التركي.

فعمليتي درع الفرات وغصن الزيتون كانت محدودتين في المساحة الجغرافية وفي الأهداف، حيث استهدفت إخراج القوات الكردية من بعض المدن مثل عفرين، ولم تؤد لإثارة أفعال عالمية واسعة، بينما عملية نبع السلام الحالية متعددة ومعقدة الأهداف، فإضافة إلى هدفها في محاربة قوات وحدات الحماية الكردية، العصب الأساسي لقوات سوريا الديمقراطية، فإن تركيا تسعى لإقامة منطقة أمنة في شمال شرق سوريا على طول الحدود في مساحة شاسعة في منطقة الشرق الفرات وحتى الحدود العراقية بطول 450 كيلومترًا وبعمق 30 كيلومترًا داخل الأراضي السورية بما يعنى السيطرة على مساحة تقدر بألفي كيلومتر مربع وذلك لإعادة توطين أكثر من مليوني لاجئ سوريا مقيمين في مخيمات على الأراضي التركية.
ما أثار الجدل العالمي حول تلك العملية عدة أسباب:
أولها: أن ما قامت به تركيا هو انتهاك للقانون الدولي والميثاق الأمم المتحدة وهو اعتداء على سيادة سوريا، الدولة العضو في الأمم المتحدة، ودون تنسيق مع النظام السوري، رغم وجود اتفاق أضنة، لكنه لا ينطبق على تلك العملية، كما لا يتوفر لدى تركيا حق الدفاع الشرعي عن النفس وفقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة؛ لأنه لا يوجد تهديد مباشر وحالي لتركيا من الأراضي السورية، بل على العكس فإن التدخل التركي في سوريا يبيح للقوات السورية وللأكراد حق الدفاع الشرعي عن النفس ضد هذا الهجوم التركي.
ثانيها: التداعيات الخطيرة المترتبة على العملية العسكرية التركية في شمال شرق سوريا وأبرزها تفاقم الأزمة الإنسانية مع تسبب القتال في نزوح أكثر من مائتي ألف لاجئ من تلك المنطقة، ومقتل العشرات من المدنيين، كما أن مساعي تركيا لإقامة منطقة أمنة في شرق الفرات غير ممكنة في ظل عدم توافر البيئة اللازمة لاستقبال اللاجئين سواء من حيث البنية الأساسية والخدمات، وبالتالي تفاقم الأوضاع الإنسانية داخل سوريا، إضافة إلى أن التدخل التركي يؤدي إلى زيادة حالة عدم الاستقرار في المنطقة ويزيد من الصراع الطائفي والعرقي في تلك المنطقة، كذلك يزيد من احتمالات المواجهة بين القوات التركية وقوات الجيش السوري وهو ما حدث بالفعل في بعض المناطق مثل مدينة منبج بعد دخول القوات السورية إليها بناء على اتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، وكذلك فإن اشتعال الحرب والصراع والدمار من شأنه أن يعيق التسوية السياسية للأزمة السورية ويؤدى إلى خلط الأوراق وهو ما يزيد من أمد الأزمة واستمرار الصراع والحرب، خاصة أن العملية التركية لن تكون سريعة وحاسمة مثل: عمليتي درع الفرات وغصن الزيتون، بل ستكون طويلة الأمد لأنها تشمل قتالًا في منطقة مترامية الأطراف بما يعني الدخول في حرب استنزاف طويلة وحروب كر وفر بين القوات التركية والمليشيات السورية الحليفة لها من ناحية وبين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الجيش السوري من ناحية أخرى، خاصة أن هدف تركيا بإقامة منطقة وإعادة توطين مليوني لاجئ سوري سوف يستغرق وقتا طويلا وبالتالي يطيل من أمد العملية ومن تداعياتها السلبية ومن ردود الأفعال المعارضة لها.
ثالثها: على خلاف العمليتين السابقتين لاقت عملية نبع السلام معارضة شديدة من كافة الأطراف سواء من سوريا التي اعتبرتها انتهاك للسيادة السورية، أو من جانب الدول الأوروبية التي فرضت عقوبات على تركيا منها وقف صادرات الأسلحة لتركيا كذلك وقف مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وقامت الدول الأوروبية بالتحذير من تداعيات تلك العملية خاصة فيما يتعلق باحتمالات عودة تنظيم داعش الإرهابي مرة أخرى في سوريا، سواء بسبب حالة الفراغ والفوضى المترتبة على العملية والتي تمثل بيئة مواتية يستغلها التنظيم لاستئناف أنشطته، أو بسب الخوف من هروب مقاتلي تنظيم داعش المحتجزين لدى قوات سوريا الديمقراطية ويقدرون بعشرة آلاف مقاتل، إضافة إلى وجود ما يقارب 60 ألف معتقل من أهالي المقاتلين في مخيمات، خاصة مخيم الهول في عين عيسى، وبالتالي تعتبر أوروبا أن تركيز الأكراد على مواجهة القوات السورية من شأنه أن يضعف قدرتهم على مواجهة تنظيم داعش، كذلك المعارضة العربية للعملية والتي عكسها بيان الجامعة العربية الذي أدان التدخل التركي واعتبره غزو لدولة ذات سيادة ودعا البيان الدول العربية لإعادة مراجعة العلاقات مع تركيا على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية. كذلك اتخذت الولايات المتحدة إجراءات عقابية ضد تركيا بسبب عملية نبع السلام، تمثلت في فرض عقوبات على وزراء الدفاع والطاقة والداخلية الأتراك كذلك فرض عقوبات على وزارتي الدفاع والطاقة ككيانات، كذلك فرص رسوم مرتفعة على صادرات الصلب التركية إلى الولايات المتحدة وهدد ترامب بتدمير الاقتصاد التركي إذا لم توقف تركيا العملية.
وفي الواقع أن الموقف الأمريكي أخذ يتجه نحو التشدد واتخاذ إجراءات عقابية ضد تركيا وذلك لنفي الاتهام للإدارة الأمريكية بأنها أعطت الضوء الأخضر لتركيا للقيام بعملية نبع السلام، كما أن واشنطن إضافة إلى روسيا استخدما حق النقض ضد مشروع القرار الذي قدمته الدول الأوروبية في مجلس الأمن الدولي يوم الخميس العاشر من أكتوبر، ولذلك أرسل الرئيس ترامب نائبه مايك بنس ووزير خارجيته بومبيو لإقناع تركيا بوقف العملية العسكرية في سوريا لكن تركيا ربطت ذلك بإخراج المقاتلين الأكراد من شمال شرق سوريا.
وفي الواقع فإن مستقبل العملية العسكرية التركية في شمال سوريا يرتبط بعدة أمور:
أولا: مدى قدرة تركيا على سرعة حسم العملية وإخراج قوات وحدات الحماية التركية من شمال شرق سوريا خاصة في المنطقة بين رأس العين وتل أبيض لإقامة المنطقة الأمنة لعودة اللاجئين السوريين، وهو ما أمر يواجه بصعوبات شديدة في ظل اندلاع المعارك وقيام القوات الكردية بحرب استنزاف.
وثانيا: مدى حجم المعارضة الدولية وما تشكله من قوة ضغط على تركيا عبر العقوبات خاصة من الجانب الأمريكي والأوروبي، ومن الواضح أن تلك الضغوط سيكون لها تأثير كبير على تركيا رغم رفض الرئيس أردوغان لها، لكنها ستؤثر سلبا على الوضع الاقتصادي التركي الذي يواجه بصعوبات شديدة، كذلك مدى قدرة الدول الكبرى على استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي وفقا للفصل السابع من الميثاق يجبر تركيا على وقف تلك العملية وهو أمر يواجه بصعوبات أيضا بسبب تناقض المصالح وبين الدول الكبرى خاصة المؤثرة في المشهد السوري واختلافًا أجنداتها وسعي كل منها للتعامل مع العملية التركية بما يخدم مصالحه ونفوذه في سوريا.
وإذا كان التراجع التركي عن العملية دون تحقيق أهدافها أمر صعب أيضًا، فإن الاستمرار في العملية مع تزايد المعارضة الدولية يواجه بتحديات وتداعيات كبيرة على تركيا وعلى الوضع في سوريا، ويرتبط بمدى التفاهمات التركية مع روسيا ومع الولايات المتحدة والنظام السوري.
لكن في كل الأحوال فإن العملية العسكرية التركية في سوريا تعد جزء من الحرب المستعرة منذ ثماني سنوات على الأراضي السورية وتؤكد فشل الحلول العسكرية وأنه لا سبيل ولا بديل عن الحل السياسي وتسوية الأزمة السورية عبر التوافق والحفاظ على وحدة وسيادة سوريا وإخراج كافة القوات الأجنبية منها.