بين متحف شارلك هولمز ورواياته البوليسية

لندن، العمانية: من منا لم يسمع أو يقرأ روايات شارلك هولمز، إنها روايات مرحلة مهمة من مراحل الحياة، وهي أقرب لمرحلة المراهقة في أغلب الأحيان، يدخل فيها المراهق حالة من حب حل الألغاز، والاكتشاف، فتتحول شخصيته إلى محقق جنائي. وشخصية شارلك هولمز في هذا المجال شخصية جديرة بتلبية الكثير من طموحات هذه المرحلة. وما عمق حضور هذه الشخصية في حياة الكثير من الأجيال تحويلها إلى أفلام سينمائية وأعمال كرتونية لاقت الكثير من الإقبال والحضور.
وإذا كان الملايين حول العالم قد قرأوا روايات شارلك هولمز التي أبدعها الطبيب الإسكتلندي آرثر كونان دويل، أو تابعوها عبر الرسوم الكارتونية فإن الكثيرين لا يعرفون أن لهذه الشخصية الخيالية متحفا جميلا يليق بشخصيته الغامضة والكاشفة في العاصمة لندن. وهو من بين المتاحف التي لها شعبية كبيرة في لندن ويبحث عنها الزوار القادمون للمدينة من كل مكان.
والمتحف الذي افتتح عام 1990 حاول أن تكون تفاصيله مطابقة للأوصاف التي وردت في الأعمال الروائية لآرثر كونان دويل. وعندما تتجول في غرفه وردهاته تشعر أنك تعيش في نهاية القرن التاسع عشر وهي الفترة التي عاش فيها بطل السلسلة، وبتفاصيل مطابقة للأعمال الروائية حيث تجد الأدوات التي كان يستخدمها المحقق في عمله، أو قد تكون شاهدتها في بعض الأعمال السينمائية التي استلهمت أحداثها من الشخصية.
ستقابلك عند الدخول مكتبة ضخمة، هي المكتبة التي كان يستخدمها هولمز في مساعدته لحل القضايا العالقة التي تحتاج إلى جهد كبير. وعلى مكتبه الكثير من تفاصيل شخصيته الروائية، فهناك المنظار والعدسات المكبرة، وهناك الأحبار السرية والبوصلة.
يتكون المتحف من غرفة نوم هولمز وفق، أيضا، ما جاء في تفاصيل الأعمال الروائية، وغرفة للمعيشة مزودة بكل التفاصيل الواردة في الأعمال، ويجد الزائر لغرفة المعيشة قبعة هولمز الشهيرة وكرسي الراحة القريب من الموقد. وهناك مكتب هولمز الذي تبدو على جدرانه ثقوب رصاص هي بقايا ما تعرض له خلال مسيرة عمله.
في الطابق الثاني من المتحف هناك متعلقات الدكتور واطسون، صديق شارلك هولمز ومساعده وكاتب سيرته وهو الذي قام بدور الراوي في بعض الروايات. ويجد الزائر في هذا الطابق كل متعلقات الدكتور واطسون من كتب علم النفس والطب وحقيبته الطبية، كما يعرض بعض التعليقات بخط يده وفق ما ورد في رواية «كلب آل باسكافريل». أما الطابق الثالث فخصص لمتحف الشمع ويجد الزائر هناك مختلف الشخصيات التي ترد في الروايات. أما الطابق الأرضي الذي لا يصله الزائر إلا في نهاية رحلته فيجد متجرا يبيع متعلقات شبه أصلية لما مر عليه في المتحف.
ولكن من هو شارلك هولمز؟ شارلك هولمز شخصية خيالية من صنع الكاتب الروائي آرثر كونان دويل، وكذلك الدكتور واطسون الذي يعتبر كاتب سيرة شارلك هولمز عبر روايته لأحداث الأعمال الروائية أو القصصية ومن مجمل ما ورد في تلك الأعمال يمكن أن نبني مجمل تفاصيل الشخصية، ولكن شارلك هولمز والدكتور واطسون شخصيتان متخيلتان فهما في الغالب لا علاقة لهم بالواقع ولكن قدرة الروائي على صناعة مثل هذه الشخصيات بدقة وإتقان جعل الكثيرين يعتقدون أنها حقيقية أو يبحثون لها عن جذورها الواقعية في التاريخ. وحسب الروايات فإن هذه الشخصية تعود لنهايات القرن التاسع عشر وبالتحديد عام 1887. كان هولمز، في فضاء الروايات، أحد أشهر المحققين الاستشاريين الذين يستخدمون التفكير المنطقي ومعلومات الطب الشرعي، لكنه أيضا إحدى أشهر الشخصيات في التنكر والتمويه.
وبنيت تفاصيل شخصية شارلك هولمز عبر أربع روايات وحوالي 56 قصة قصيرة بدأت برواية «دراسة في اللون القرمزي». ويبدو أن هولمز قد زار كل مناطق لندن مساعدا لرجال الشرطة عندما لا يستطيعون كشف تفاصيل أعقد القضايا والجرائم التي تواجههم.
وتشير الكثير من الكتابات أن كونان دويل قد استلهم شخصية شارلك هولمز من خليط من الشخصيات؛ خاصة تلك العاملة في مجال الطب. فتحضر مثلا شخصية الدكتور جوزيف بيل الطبيب الذي كان يعمل في المستشفى الملكي في أدنبره والذي كان يعمل معه دويل. وكان لدى جوزيف طريقة بارعة في الاستنتاج، وكانت استنتاجاته مبنية على التفكير المنطقي، شدت هذه الطريقة دويل وبدأ في رسم شخصية هولمز ولكن أيضا عبر حضور شخصيات أخرى تأثر بها دويل أو اقترب منها، فهناك أيضا شخصية الدكتور هنري ليتلجون المتخصص في الطب الشرعي وكان هذا الدكتور يربط جوانب التشريحات في الطب في كشف الجرائم، وهو مدخل مهم اليوم في دراسة عالم الجريمة.
كان هولمز يستفيد من واطسون باعتباره اليد اليمنى له ولكن أيضا عبر الاستفادة من قدراته في مجال الطب الشرعي، لكن واطسون كانت لديه قدرة أيضا على التنمر والبحث والاستكشاف. أما المهمة الثانية التي أنيطت بواطسون فكانت كتابة سيرة شارلك هولمز وتفاصيل القضايا التي حلها وذلك عبر تدوينها وتلخيص المراحل التي مرت بها عبر قصة من القصص.
في قصة «المشكلة الأخيرة» قرر الكاتب قتل شارلك هولمز، إلا أن القراء لم يتقبلوا الأمر وظلوا طويلا يلحون على كونان إعادته مرة أخرى وإعادة مغامراته الاستشارية والاستكشافية وهو ما حدث فعلا عندما كتب رواية «كلب آل باسكرفيل» عام 1901.
ورغم أنها شخصية خيالية إلا أن شخصية شارلك هولمز لقيت الكثير من البحث والكثير من الكتابات النقدية. تقصى النقاد تفاصيل شخصيته ومظهره الشخصي وهواياته وطريقته في التحقيق حتى أصبح مسمى طريقة شارلك هولمز» أسلوبا من أساليب البحث المنطقي في عالم البحث وراء الحقيقة خاصة في مجال قضايا الجرائم.