الشــورى في الإســـلام.. تشريــع ربانــي وتوجيــه نبــوي

منهاج حياة ونظام حضاري فريد –
استطلاع : سالم الحسيني –

الشورى تشريع رباني نص عليه سبحانه وتعالى في كتابه العزيز وطبقه الرسول صلى الله عليه وسلم خير تطبيق.. وتعني الشورى الرجوع إلى أهل الحل والعقد، والخبرة ولو لم يكن ذا علم وخبرة بالأمر فإن مشاورة من لا خبرة له قد يرجع بنتائج عكسية، فهو منصب فيه تكليف قبل أن يكون تشريفا، ولذلك فينبغي لمن أراد أن يتقدم للترشح أن يرجع إلى نفسه فيقيّمها فإن وجد نفسه غير مؤهل للقيام بهذا العمل الكبير فالسلامة له في الدين ألا يتقدم حتى لا يدخل نفسه في موضع المساءلة أمام الله سبحانه وتعالى غدا. ذلك ما أوضحه الاستطلاع التالي حول انتخابات مجلس الشورى المقبلة.
وأوضح الاستطلاع أن الناخب يجب عليه أن يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وان ينظر فيمن يرشحه إلى الكفاءة والنزاهة وليس إلى القرابة أو الصداقة أو نحو ذلك من المعايير غير الصحيحة في الاختيار.. فمنصب الشورى أمانة ومسؤولية وكذلك صوت الناخب فلا ينتخب أحدا إلا من هو مطمئن إلى قدرته على القيام بالمهام المنوطة به، وعلى المترشح أن يسلك الطريق الصحيح المسموح به شرعا وقانونا وأن يتجنب كل وسيلة توقعه في الإثم أو المخالفة، وعلى الناخبين أن يفكروا في المصلحة العامة للوطن.. المزيد من ذلك في الاستطلاع التالي…

بداية يحدثنا فضيلة الشيخ إبراهيم بن ناصر الصوافي أمين الفتوى بمكتب الإفتاء بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية عن هذا التشريع الشوروي هو تشريع رباني أم اجتهاد في الفقه الإسلامي يمكن النظر من خلاله في مستجدات المصالح المتطورة؟
أجاب قائلا: الشورى تشريع رباني نص الله عليه في كتابه العزيز فقال مخاطبا النبي صلى الله عليه وسلم (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)، ووصف المؤمنين بقوله: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) وقد طبق الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ خير تطبيق مع انه صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ ومسدّد بنور الوحي وإذا كان مع علو مقامه يؤمر بها، ويحرص عليها فغيره ممن هو عرضة للخطأ أو عدم تصور الأمر على وجهه أولى وأحق بلزوم الشورى.
أما عن نواحي الاتفاق والاختلاف بين الشورى والديمقراطية؟ أوضح قائلا: الشورى تكون في تطبيق المنهج وليس في سن منهج أو تشريعات إلا في ما لم يأت فيه نص شرعي، ومعنى ذلك أن الشورى لا تكون في تحليل الحرام أو تحريم الحلال، ولا في ما ثبت فيه حكم شرعي. أما الديمقراطية فكما هو معلوم قائمة على حكم الشعب نفسه بنفسه بغض النظر عن الأحكام الشرعية فقد تشرع أحكام تخالف الشرع تحت غطاء الديمقراطية، كما أن الديمقراطية قد انحرفت عن الأهداف التي وضعها لها مؤسسوها، وذلك بتكون الأحزاب واللوبيات التي تحكم العالم، وتسيطر على المشهد السياسي وغيره. فالصورة صورة ديمقراطية ولكن في واقع الأمر توجد توجهات معينة تدفع بالناس للسير فيها وعليها، أما الشورى فهي رجوع إلى أهل الحل والعقد، والخبرة وليست رجوعًا لكل أحد، ولو لم يكن ذا علم وخبرة بالأمر فإن مشاورة من لا خبرة له قد يرجع بنتائج عكسية.

لمن صوت الناخب؟

وفي سؤال عن الشخص الذي ينبغي عليه أن يتقدم للترشيح؟ والذي يجب أن يصوت له الناخب قال: منصب الشورى منصب جليل فيه تكليف قبل أن يكون تشريفًا وعدد من المترشحين لا ينظرون إلا إلى ما قد يحصلون عليه في العضوية من جاه أو شهرة أو تحقيق مآرب مادية على حساب ما كلفوا من القيام به من الاعتناء التام بمنطقتهم ومن تقديم افضل الرؤى والخبرات للحكومة لكي تستطيع صياغة نظمها وقوانيها وفق ما يحقق المصالح المطلوبة، ولذلك ينبغي لمن أراد أن يتقدم للترشح أن يرجع إلى نفسه وأن يقيمها وأن يكون صادقًا معها، فإن وجد نفسه غير مؤهل للقيام بهذا العمل الكبير فالسلامة له في الدين ألا يتقدم حتى لا يدخل نفسه في موضع المساءلة أمام الله غدا، وإذا كان العضو يتخوف من مساءلة من هو أعلى منه رتبة فينبغي أن يكون تخوفه من ربه سبحانه وتعالى، هذا بالنسبة للمترشح أما الناخب فيجب عليه أن يقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وأن ينظر فيمن يرشحه إلى الجانب السلوكي والخبري وليس إلى قرابة أو صداقة أو نحو ذلك من المعايير غير الصحيحة في الاختيار، وكما أن الترشح لمنصب الشورى أمانة فكذلك صوت الناخب أمانة ومسؤولية فلا ينتخب أحدًا إلا وهو مطمئن إلى قدرته على القيام بالمهام المنوطة به.
وعن أهل الشورى، وما هي الصفات التي يجب أن تتوفر فيهم، أجاب قائلا: أهل الشورى يسميهم الفقهاء المتقدمون بأهل الحل والعقد، وهم نخبة المجتمع وخياره ممن يتصفون بصفات مميزة تؤهلهم لتقديم افضل ما ينبغي تقديمه للدولة والمجتمع، فلابد أن يتحلى العضو بالعلم والمعرفة والخبرة والحكمة والتخطيط الذي يعينه على تنفيذ رؤاه.
وفي سؤالنا عن عضوية المرأة لمجلس الشورى.. هل الشارع يفرق بين الرجل والمرأة في هذا الجانب؟ قال فضيلته: الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية عندما امتنع الصحابة عن حلق رؤوسهم دخل على زوجه أم سلمة وشاورها فيما يفعل لإقناع الناس بضرورة التحلل فأشارت عليه بأمر أخذ به الرسول صلى الله عليه وسلم قالت له: اخرج اليهم واحلق رأسك أمامهم، فإذا رأوك حلقت رأسك حلقوا، وفي هذا دلالة واضحة على المكانة العظيمة التي تتبوأها المرأة في ديننا الحنيف، وإلا فما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو أن يرجع إلى رأي امرأة لو لم يكن رأيها معتبرا، فلا حرج أن تكون المرأة عضوة في مجلس الشورى ولكن يجب عليها أن تتقيد بالأخلاق والآداب العامة التي شرعها الإسلام محافظة على كرامة المرأة وعفتها فلا تسمح لنفسها بالتبذل أو كشف ما يجب عليها ستره، أو المبالغة في المداخلة والمخالطة للرجال.
أما عن استغلال بعض المترشحين لبعض الثغرات القانونية في الدعاوى الانتخابية كشراء الأصوات والتملق للناس واستغلالهم وما إلى ذلك من الأمور، كيف يمكن أن نحيط هذا النظام بسياج من القيم والأخلاق وفق ديننا الإسلامي الحنيف؟ أكد الصوافي أن شراء الأصوات أمر محرم، يأثم به الآخذ والمعطي وهو من الرشوة وهكذا تقديم مساعدات إبان الانتخابات إلى فئات معينة من المجتمع لم يكن الإنسان معتادا على تقديم العون والمنفعة لهم، فيجب أن يسلك المترشح الطريق الصحيح المسموح به شرعا وقانونا وان يتجنب كل وسيلة توقعه في الإثم أو المخالفة، كما يجب على الناس ألا يرضوا ببيع أصواتهم لأحد وان لا يفكروا في تلك المصلحة المالية اليسيرة التي تتبخر في مقابل المصالح العامة التي يجب إيثارها بالنظر وعلى الحكومة أن تشرع من القوانين ما يجرم هذا الأمر ويعاقب الواقع فيه، وعلى الحكومة أيضا أن تكون جادة في تطبيق هذه القوانين لأن الناس لا ينضبطون ولا يتقيدون إلا بالتشريعات الواضحة الملزمة المطبقة.

صوت الناخب للأكفأ

من جهته، أوضح يحيى بن مسعود بن محمد الراشدي – واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية قائلا: الشورى في اللغة اسم، وتأتي كلمة شورى من كلمة تشاور والمصدر من كلمة الشورى هو شار، حيث يقال مجلس الشورى من أجل الإشارة إلى المكان الذي يتم فيه التشاور بين أكثر من فرد من أجل الوصول إلى قرار أو البت في أمر ما من أمور الدولة، ولا يختلف المعنى اللغوي عن الاصطلاحي. وهو مبدأ شرعه الله لنبيه عليه الصلاة والسلام (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، بل إن الله أنزل سورة كاملة سماها بسورة الشورى وذلك دليل على أهمية هذا المبدأ، ومع كونه مبدأ شرعه الله بوجه العموم للمسلمين تطبيقه بأي طريقة تؤدي الغاية والهدف منه، فالشارع أمر بالمبدأ وجعل الكيفية اجتهادية قابلة للتغير فالمهم أن تؤدي الغاية والهدف منها، فن يرى فيه نفسه القدرة على تحمل المسؤولية والمعرفة والأهلية، فالشورى تكليف اكثر من كونها تشريفا، وهي أمانة في عنق صاحبها، ولذلك فعلى المترشح أن يكون همه الأول بناء هذا الوطن العزيز وخدمة أبنائه، وهي مهمة عظيمة يجب أن يتقدم إليها من يجد في نفسه الكفاءة والمقدرة على تحمل المسؤولية، أما دون ذلك فهي مجازفة غير محمودة يجب أن يبتعد عنها، فقد سمعنا ورأينا أن هناك من يسعى بشتى السبل للوصول إلى هذا المنصب بطرق شتى غير مدرك عاقبة ذلك فهناك من يدفع المبالغ لكسب الأصوات وما هي إلا نوع من أنواع الرشوة المحرمة لحديث رسول اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: (لعن الله الرَّاشيَ والمُرتشيَ) فيكفي العاقل أن يتدبر هذا الحديث فيبتعد عن الرشوة المحرمة، وفرضا لو فاز ما فائدة فوزه مقابل دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليه باللعن؟؟! فإن كان مقابل مبالغ فهو شريك له في المعصية للحديث السابق وان تسبب وصوله لمفاسد فهو شريك معه لأنه أحد المتسببين، ولذلك فالإنسان الواعي لا يضع صوته إلا للأكفاء والأنسب لهذه الأمانة.

أمانة ومصداقية

أما د. أحمد محمد حسنين أحمد – واعظ ديني بالمديرية العامة للأوقاف والشؤون الدينية بمحافظة ظفار فيقول: الشورى.. هو تشريع رباني، فالحق سبحانه وتعالى يقول: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) وينطبق ذلك على نظام الشورى في مجالس شعب أو شورى أو مجالس بلدية وهي أمور اجتهادية خاضعة للاجتهادات والمستجدات . مبينا: انه ينبغي أن يتقدم للترشح لهذه المهمة التي تعد غاية في الأهمية هو الذي تتوفر فيه اﻷمانة والمصداقية والكفاءة فيما هو موكول إليه من مهام، ولهذا فإن هذه أمانة عظيمة تبعاتها جسيمة من وضعها في غير محلها أو خان الله فيها كانت له يوم القيامة خزيا وندامة.
وأضاف: وينبغي للمترشح أن لا يستغل المرشحين الناخبين من ذوي الحاجات منهم في الدعاوى الانتخابية بغية كسب مزيد من الأصوات كأن فيدفع إليهم الأموال مقابل ذلك، فذلك لا يجوز شرعا فمن دفع مالا للناخبين ليحظى بأصواتهم فهي رشوة وقد لعن الله الراشي والمرتشي والرائش.. أما من أدلى بصوته لغير مستحقه فهو شاهد زور قد ارتكب كبيرة من الكبائر وفعل عظيمة من العظائم فعلى كل مواطن أن يستشعر هذا اﻷمر العظيم وأن يعلم أنه شاهد فلا يجوز أن تكون شهادته زورا وعليه كذلك أن يعلم أنه صاحب أمانة فليؤد أمانته لمن يستحقها. أما من أدلى بصوته وأعطاه لغير ذوي الكفاءات مراعاة لصداقة أو قرابة فقد ضيع اﻷمانة وخان الوطن ﻷنه وسّد اﻷمر إلى غير أهله ومنحه لمن ﻻ يستحقه ولذلك فقد باء بمقت من الله وغضب. وفق الله بلدنا الثاني عمان لما فيه أمنها واستقرارها ورفعتها وازدهارها في ظل العهد الميمون لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه.