حسن الظن ألفة ومحبة.. وسوء الظن قطيعة وشتات

الـــداء العضــال –
زهرة سليمان اوشن –

«سوء الظن بالناس وهو آفة خطيرة لها تداعياتها السلبية على الفرد والمجتمع تنشا عن امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس حتى ينعكس ذلك على لسان الإنسان وجوارحه ويتحول إلى مجموعة من السلوكيات السيئة مثل الغيبة والنميمة والتجسس والهمز واللمز واللعن والطعن، وينطلق صاحبه من مظنة تغليب جانب الشر على جانب الخير في النظرة إلى الناس وقد يؤدي في أحوال كثيرة إلى التهمة والتخوين لكل من حوله من أقارب وأصحاب ونرى صاحب هذه الآفة يفقد ثقته في الناس جميعا لأنه ينطلق من ميزان الأهواء التي تقلب له الحقائق وتجعله يسير وراء الخيالات والأوهام منطلقا في العادة من قلب حاقد ونفسية غير سوية».

السوء في مادته يدل على القبح وهو الاسم الجامع للآفات والداء وهو أيضا يأتي بمعنى الفجور والمنكر وبالتالي فتستطيع أن نقول أن كلمة السوء هي كلمة تجمع معاني القبح والآفات المادية والمعنوية.. الظن من ظن الشيء ظنا أي علمه بغير يقين وقد تأتي هذه الكلمة بالمعني المعاكس أي اليقين كما في بعض مفردات اللغة فمثلا كلمة جليل تأتي بمعني عظيم وكبير وأيضا بمعنى صغير وحقير . وفي قوله تعالى: (إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ)، هنا جاءت بمعنى الشك والريب أي عكس اليقين، أما في قوله تعالى على لسان موسى: (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا)، هنا جاءت بمعني اليقين لموسى يقول لفرعون: إني على يقين أنك هالك بسبب ظلمك واستمراره. والظنة التهمة والظنين المتهم، يقال: رجل ظنين أي رجل متهم. وسوء الظن داء عضال ينخر في قلب في سقمه ويفسد النفس فيجعلها لا ترى إلا السوء في الناس، بل قد تمتد بذرتها إلى عقيدة المسلم فتتحول إلى شجرة خبيثة.
فسوء الظن نوعان: سوء ظن بالله تعالى، وهو خطير جدا لأنه مفسد للعقيدة مقوض لأركان الإيمان، وذلك لأن فيه فهم سقيم تجاه المولى سبحانه وتعالى، فالذي يسيء الظن بالله يتهم الله في قدرته وفيما وعد به ويدخل في دائرة التشكيك في عظمة الله وواسع رحمته كما يحمل في طياته سوء أدب مع رسل الله لأنهم هم المبلغون لدعوته.
ولعلي أقف عند آيات في كتاب الله تعالى تتحدث عن هذا النوع الخطير من سوء الظن قال تعالى: (وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا)، ففي هذه الآية يؤكّد الله تعالى أن العقيدة الصحيحة لا تقوم على الظن إنما تقوم على اليقين وأنّ الظنّ لا يُجدي شيئاً، ولا يقوم أبداً مقام الحق ولكن الأهواء وسوء الظن بالله حملتهم على هذا المسلك.
ويقول تعالى في سورة الفتح: (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً) تتحدث هذه الآية عن سوء ظن خطير فيه خرق لمعاني الربوبية فهؤلاء الناس قد اتهموا الله سبحانه في خلقه وحكمته وظنوا سوءا برسول الله وما أخبر به عن ربه فكان جزاء سوء فعلهم أن دارت دائرة السوء عليهم. وهذه آية أخرى في سورة الفتح يدور معناها حول هذا المعنى الخطير من سوء الظن، يقول الله فيها (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا)، يقول تعالى للأعراب المُعتذِرين إلى الرّسول عليه الصّلاة والسّلام عند مُنصَرَفِه يوم فتح مكة إذ قالوا: (شغلتنا أموالنا وأهلونا)، ما تخلفتم عن الخروج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب انشغالكم بأموالكم وأهليكم، بل بسبب سوء نواياكم التي جعلتكم تظنون أن رسول الله وأصحابه سيهلكون ويستأصلهم العدو فلا يرجعون إلى المدينة أبدا. والنوع الثاني من سوء الظن هو سوء الظن بالناس وهو آفة خطيرة لها تداعياتها السلبية على الفرد والمجتمع تنشأ عن امتلاء القلب بالظنون السيئة بالناس حتى ينعكس ذلك على لسان الإنسان وجوارحه ويتحول إلى مجموعة من السلوكيات السيئة مثل الغيبة والنميمة والتجسس والهمز واللمز واللعن والطعن.
وينطلق صاحبه من مظنة تغليب جانب الشر على جانب الشر في النظرة إلى الناس وقد يؤدي في أحوال كثيرة إلى التهمة والتخوين لكل من حوله من أقارب وأصحاب ونرى صاحب هذه الآفة يفقد ثقته في الناس جميعا لأنه ينطلق من ميزان الأهواء التي تقلب له الحقائق وتجعله يسير وراء الخيالات والأوهام منطلقا في العادة من قلب حاقد ونفسية غير سوية.
وقد حذرنا الله تعالى من مغبة سوء الظن، قال تعالى في سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ)، ففي هذه الآية الكريمة أمر إلهي بتجنب مجموعة من الأخلاق الذميمة وعلى رأسها سوء الظن ولعله يمكن أن نذكر جملة أمور حول هذه الآية نوجزها في الآتي:
الآية تبدأ بهذا النداء العظيم (يا أيها الذين آمنوا) وما يستحضره في قلب المؤمن من حث على الإصغاء والاستجابة لأوامر الله. وهناك مجموعة من الأخلاق السيئة حذرنا الله منها وهي سوء الظن، التجسس، الغيبة وفي الآية التي تليها يأتي أيضا السخرية من الناس ويجعل الله عز وجل على رأس المنهيات في هذه الآية سوء الظن وذلك لخطورته على الفرد والمجتمع. كما أن سوء الظن على خطورته فإنه يؤدي إلى متتالية من السلوكيات القبيحة لعل أهمها التجسس والغيبة والسخرية من الناس، إذ سيئ الظن عادة ما يقوده هذا الخلق إلى التجسس على الناس لأنه يركز ويغلب جوانب السوء فيهم كما يدفعه هذا الخلق الذميم إلى الاستهزاء والسخرية من الناس والى التركيز على عيوبهم ونشرها.
وعادة ما يأتي سوء الظن من أسباب كثيرة لعل أبرزها: قلة الإيمان ونقصانه في القلب، وقلة ذكر الله والاستعداد ليوم الحساب. والاستهانة بحرمة المؤمن واستسهال الخوض في الأعراض والنوايا والعجلة في استصدار الأحكام على الناس، وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من مغبة هذا الأمر، فقال وهو ينظر إلى الكعبة المشرفة: (ما أعظمك وأعظم حرمتك وللمؤمن أعظم حرمة عند الله منك، إن الله حرم منك واحدة وحرم من المؤمن ثلاثا، دمه وماله وأن يظن به سوء.
وهناك الأمراض القلبية من حسد وبغض وحقد وغل تدفع بعض الناس إلى إساءة الظن وتتبع العورات من أجل تشويه الآخرين والتقليل من شأنهم. وكذلك النظرة المستعلية للنفس والكبر وتحقير الناس كل ذلك يؤدي لتغليب الجانب السيئ في النظرة للناس وإساءة الظن بهم. وأيضا الصحبة السيئة التي تقضي الأوقات في الحديث عن الناس وإبراز نقائصهم والخوض في أعراضهم، هذه البيئة تؤثر على الشخص وتجعله يخوض مع هؤلاء الخائضين حتى يصير مثلهم.
والعلاج من هذه الآفة يكمن في معالجة القلب من آفات الحقد والغل والحرص على سلامته مع تزكية النفس والاستجابة لأوامر الله باجتناب هذه الآفة والبعد عن البيئات السيئة التي تساعد في انتشارها وتذكر خطورتها على المجتمع من تمزيق لنسيجه وهدم جدران الثقة بين أفراده وليتذكر المؤمن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) ولا شك إن الكذب وما يماثله أمر بغيض لكل مؤمن. وليكن ديدن المسلم عندما يسمع قولا مشينا عن أخيه المؤمن أن يلتمس له العذر ويتذكر حسناته، وليقل إنه ما علم عنه إلا خيرا، ويتلو إن شاء قوله تعالى: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ).

 

سبب تدهور العلاقات –
فوزي حديد –

«سوء الظن خلق ذميم، ذمّه الله تعالى في كتابه، وذمّه الرسول صلى الله عليه سلم في سنته، وذمّه الصحابة في تعاملهم، وذمّه العلماء وأجمعوا على فساد صاحبه إن لم يتب إلى الله تعالى ويؤوب إلى رشده، لأنه إن وقع ظن سيء في قلب أحد من المسلمين وتربى في أحضانه وتعشّش في أغصانه، فإنه يفضي إلى أمراض فتاكة أخرى، هو سرطان إن لم تعالجه منذ البداية انتشر وسبّب مشاكل لا حصر لها في كامل الجسد، وأحدث اضطرابا في النفس، وتدهورا في العلاقة بين البشر، بل هو الشرارة الأولى التي تحدث من نظرة ازدراء واحتقار أو ابتسامة صفراء أو لا مبالاة أو غيرها من المعاملات التي تحدث بين الناس».

لا ريب أن السبب الرئيس في تدهور العلاقات الاجتماعية بين المسلمين خاصة والبشر عامة هو سوء الظن، لذلك جاء التحذير الرباني قاسيا وشديدا عندما قال سبحانه وتعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ»، ولعل المتأمل في الآية الكريمة نجد أن الله تعالى استخدم كلمة «اجتنبوا» في تحريم سوء الظن ليعبر عن عظم الجرم الذي نقوم به في حياتنا ولا نعطيه قيمته الحقيقية، وقد سبق للسياق القرآني أن استخدم الكلمة نفسها في تحريم الخمر عندما قال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ومن هنا نفهم العلاقة الجدلية بين التحريمين، ونفهم أن القليل من الخمر والبعض من الظن رجسٌ وإثم محرم شرعا، وما كان قليله أو بعضه حراما فكثيره حرام قطعا، ونفهم أكثر المستوى الحقيقي الذي يصل إليه سوء الظن، ونعلم أن الاقتراب منه أو مجرد التفكير فيه يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة جدا وهو ما نشهده في عالمنا اليوم.
ولا أبالغ إن قلت إن جميع المشاكل الاجتماعية التي تحدث في عالمنا سببها سوء الظن، ولذلك قال ربنا تعالى: «إن بعض الظن إثم»، ولا يقل تأثير سوء الظن على الإنسان المسلم عن تأثير شرب الخمر، فالأضرار تكاد تكون متساوية مع الفارق، فلئن كان الخمر يُذهب العقل ويسبّب مشاكل للعائلة والمجتمع ويُفسد العلاقات ويُثير القلاقل، فإن سوء الظن هو الآخر يُذهب المروءة والهيبة والرجولة ويرسّخ مفاهيم الاضطراب والخوف من الآخر ويُغيّب الصراحة بين الناس ويفشي المشاكل التي لا حد لها ويذكي الصراعات والخصومات والنزاعات والشقاقات حتى بين العائلة الواحدة، هو فيروس خطير إذا تمدّد في شخصية المسلم قضى على كل خلية ربانية تعيش على الفطرة، بل يقضي على كل صفة حسنة كانت يومًا يضرب المسلمون بهم المثل فيها.
فسوء الظن خلق ذميم، ذمّه الله تعالى في كتابه، وذمّه الرسول صلى الله عليه سلم في سنته، وذمّه الصحابة في تعاملهم، وذمّه العلماء وأجمعوا على فساد صاحبه إن لم يتب إلى الله تعالى ويؤوب إلى رشده، لأنه إن وقع ظن سيئ في قلب أحد من المسلمين وتربى في أحضانه وتعشّش في أغصانه، فإنه يفضي إلى أمراض فتاكة أخرى، هو سرطان إن لم تعالجه منذ البداية انتشر وسبّب مشاكل لا حصر لها في كامل الجسد، وأحدث اضطرابا في النفس، وتدهورا في العلاقة بين البشر، بل هو الشرارة الأولى التي تحدث من نظرة ازدراء واحتقار أو ابتسامة صفراء أو لا مبالاة أو غيرها من المعاملات التي تحدث بين الناس، أو فعل قام به أحدهم عن حسن نية وأوّله الآخرون، إن فعل قالوا لِمَ فعل؟ وإن لم يفعل قالوا لِمَ لَمْ يفعل؟ وتبدأ ماكينة الحديث تطحن الشخص، وسببها سوء الظن، فيأتي التجسس والغيبة والنميمة وغيرها من الأمراض كنتيجة حتمية لسوء الظن وهي التي ذكرها القرآن الكريم تباعًا بعد أمره باجتناب الظن، فقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ»، فجاء بعد تحريم الظن، تحريم التجسس والغيبة والتنفير منهما واعتبارهما من الأعمال المنافية للأخلاق لأنها تدخل في شؤون الإنسان، والبحث عما لا يعنيه شيء من ذلك، لأن الظن في أساسه كما قال صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة: «إياكم والظن؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تجسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يَخطِب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك».
لذلك فإن شرارة النظرة المريبة والكلمة الخبيثة تنفث السموم وتزيد لهب نار الفرقة، وربما كان الطرف بريئا في قوله ونظرته وفعله لكن الطرف الثاني أراد أن يقلب الأمور في غير موضعها وبنى عليها أفعالا تصدر منه وتوثق ردة فعله دون تبيّن أو تثبّت أو تريّث أو مصارحة فحصل ما حصل من الشقاق والهجر بين المسلمين نتيجة هذه الأفعال القبيحة، ومن ثم نرى ضرورة أن يكون الإنسان صادقا مع نفسه، وصادقا مع غيره، وإن رأى في خُلق أخيه ما غيّر سلوكه نحوه يبادر إلى مصارحته وتوضيح رأيه، ولا يبني أبدا أفعاله على توجّسات أو تخمينات أو ظن سيء لأن ذلك هو الهلاك لا محالة، وهو ما حصل في عالمنا اليوم من تفريق بين الأزواج وبين الأسر وبين الإخوة والأخوات وبين الأشقاء وبين المسلمين جميعا، ومن ثم نفهم جيدا ما يريده منا المولى عز وجل من التحذير الشديد لتغطية السلوك الإنساني المنحرف خوفا من الانزلاق في متاهات غرقنا فيها اليوم ولم نستطع إنقاذ أنفسنا من الوحل.
فكم من كلمة سوء نُقلَت بين الإخوان؛ فقطعت أواصر المحبة والمودة بينهم وصاروا أعداء يحارب بعضهم بعضا وكأنهم في ساحة الوغى وكم من كلمة مزَّقت أسرا بكاملها كانت يوما متماسكة لا يتسلل إليها الخلاف ولا الشقاق، ولكن بفعل فاعل وانعدام الثقة بين الأزواج تمزّقت، والأطفال تشردوا، والبيت خرب، بعدما كانت السعادة ترفرف على ربوعه والمودة عنوانه، وكم من كلمة كانت سببًا في قتل مؤمن، وهتك عرض مسلمة، ودمار للممتلكات العامة والأموال وكم من كلمة أخرجت المسلم من دائرة الإيمان والتوحيد إلى دائرة الكفر والشرك والطغيان سببه الإنسان وما حواه قلبه من سوء الظن بأخيه الإنسان.
وبعد هذا تبقى الوقاية من الوقوع في الفخ أفضل ما يمكن أن يقوم به المسلم في حياته، والآية تذكرنا بذلك عندما تحذّرنا، ورغم تحذيرها جرب الإنسان بلاء ما فعل، وتحمّل وزر ما اعتقد، ولو أنه التزم بالمنهج السوي ما وصل إلى ما وصل إليه، وما أصعب أن يُشفى بعد أن استشرى فيه المرض، لكنه يمكنه أن يحصّن نفسه منه قبل أن يمسّه سوء وهو الأفضل والأحسن، ويستشعر في نفسه عظم الذنب إن وقع فيه لأنه سيتلظى به بعد ذلك ولن يستطيع التخلص منه بسهولة، وسيعرض نفسه لعقوبة قاسية وكبيرة في حق نفسه وأسرته ومجتمعه.
ومن الوقاية أيضا، أن يتجاهل ما يقال عنه ولا يبني عليه أفعالا ولا يتسارع في الحكم على الآخرين مهما بدا الآخرون صادقين لئلا يقع في الغيبة وحب النفس في التجسس على الآخر، ويأوّل ما يقال عنه تأويلا حسنا ويعفو ويصفح عن الآخر ويقبل الاعتذار فذلك كله من شيم الصالحين، وأن يصبر على ما أتاه الله تعالى ويتحمل المشاق والصعوبات بل ويبذل قصارى جهده حتى لا يشعر الآخر الذي سعى للإضرار به أنه قد جفاه، ويتوكل على الله ويترك الأمر كله له ويدعو لنفسه بالثبات على الحق وتلمسه في أي مكان، ولا يوقع نفسه في الشبهات حتى لا يكون عرضة لكلام الناس، ولا يحوم حول الحمى، بل يسعى إلى أن يكون قريبا من الله تعالى في كل أحواله ويخشى على نفسه من العقاب.