مهندسات بالطيران العماني لـ مرايا : حب الاختلاف والتحدي الدافع وراء خوضنا هذا المجال

علياء اليافعية: فخورة بقدرتي على إحداث تغيير في المجتمع على مستوى تخصصي وعملي –
حنان البلوشية: هذه المهنة لا تحتاج إلى عضلات بل إلى صبر وتأقلم مع بيئة العمل –
نصرة الحارثية: لا أجد صعوبة في التنسيق بين حياتي الأسرية والعملية وذلك بفضل دعم عائلتي الدائم –

حاورتهم- مروة حسن –

أثبتت المرأة العمانية منذ سنوات عدة أنها قادرة على تحقيق النجاح والتميز في شتى المجالات، وخاضت العديد من نساء هذا الوطن الكثير من التحديات في خوضهن مجالات جديدة كانت يوما ما حكرا على الرجال، لكن بعزيمة ثابتة وإرادة قوية نُقشت أسماؤهن على سطور من فضة لتحكي لنا وللأجيال القادمة كيف أن العمانيات قادرات على صنع الكثير. «مرايا» التقى ببعض هذه النماذج التي سنحاول أن نسلط الضوء عليها طيلة هذا الشهر احتفالا بيوم المرأة العمانية، ولقد بدأنا بمجموعة من مهندسات الطيران بفريق الطيران العماني، الذي يعتبر تخصصا من التخصصات النادرة التي قلما سمعنا فيها عن نساء يعملن في هذا المجال، لكنهن دخلن فيه وأثبتن عن جدارة أنهن على قدر التحدي والنجاح.

بدأنا الحديث مع أول مهندسة طرقت الباب ودخلت هذا المجال، والتي فتحت بعدها الأفاق لبنات جيلها أن لا يترددن ويدخلن نفس التخصص بعد ذلك، وهي المهندسة علياء بنت عبد الحفيظ اليافعية، من محافظة ظفار في الجزء الجنوبي من سلطنة عمان وتشغل حاليا مديرة قسم هندسة التطوير بالطيران العماني، التي التحقت بالطيران العماني كمتدربة عام 1994 وقد درست بأكاديمية الطيران بالقاهرة وحصلت على إجازة مهندس صيانة الطائرات وكهرباء الطائرات من الهيئة العامة بالطيران المدني بالقاهرة ثم من السلطنة، وهي تعد أول مهندسة طيران في السلطنة وفي منطقة الخليج بشكل عام. وبما أنها أول من بدأت هذا المجال، فهي متحدثة في العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية بحكم عملها وتخصصها، وكرمت من العديد من مؤسسات المجتمع المدني.

جديد ومختلف
عن سبب اختيارها لهذا المجال سألت علياء فكان جوابها: اخترت هذا المجال لأني كنت أريد أن أدرس شيئا مختلفا وغير تقليدي، ومن هنا جاءت لي فكرة دراسة هذا التخصص، وبالفعل تحدثت مع والدي بأنني أزيد دراسة هندسة الطيران، فكان متخوفا في البداية لأن المجال جديد على مجتمعنا لفتاة وربما تكون هناك فيه تحديات أو صعوبات، لكن بعد مناقشتي له وشعوره بجديتي وإصراري على هذا الأمر وافق (رحمة الله عليه) وكان هو وعائلتي محط تشجيعي الدائم في كل خطوة خطوتها من تلك اللحظة وفيما تلا ذلك من خطوات ومحطات.
وأشارت قائلة: كان هذا التخصص حكرا على الرجال وقتها، والآن أنا سعيدة كثيرا بالتحاق أكثر من فتاة بنفس التخصص، وأشعر بالفخر والاعتزاز أني كنت ضمن أسبابهن للالتحاق بهذا المجال.
مهام عملها
وذكرت علياء أنها بدأت كمهندسة صيانة لجميع أنواع الطائرات الموجودة منذ أن بدأت في التسعينات، وسافرت إلى الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للحصول على جميع إجازات الطيران لكل أنواع الطائرات التي حصل عليها الطيران العماني، ثم في 2001 التحقت بمجال هندسة التطوير، وهو من أهم الأقسام في الطيران العماني الذي يعتبر حلقة الوصل بين الشركة ومصنعي وموردي الطائرات، حيث يتم التعاون معهم بخصوص أعطال الطائرات وكل ما يخص الطائرات، ويقومون أيضا بعمل دراسات الجدوى لاستحداث أجهزة جديدة داخل الطائرات، أيضا من المهام المطلوبة دراسة الكتيبات من هيئات الطيران وإصدار ما يتناسب منها مع أسطول الطيران العماني للمهندسين لمواكبة أية تحديثات أو تعديلات على الطائرة، فهو قسم متميز ويسموه لعمود الفقري لدائرة هندسة الطائرات.

تحديات وصعاب
وعن أبرز التحديات التي واجهتها قالت: التحديات لم ولن تتوقف من وجهة نظري، لكن أنا شخصية أحب التحدي وأحب دوما أن أدرس وأتعلم، حيث حصلت على درجة الماجستير في إدارة الصيانة من كلية كالدونيان في جلاسكو، وطوال الوقت أحاول أن أتعلم الجديد، وأسعى لاستكمال الدراسات العليا.
وأضافت: كلما كانت الفتاة في مجال دقيق وصعب ويكثر فيه الرجال، كلما كنت تحت دائرة الضوء والاهتمام والتحدي، وشخصيا تعرضت لهذا، فقد كنت أثناء دراستي بالقاهرة الفتاة الوحيدة في هذا التخصص، فكان الأمر لا يخلو من الصعوبة وقتها، لكن كان هناك إصرار على النجاح وقدرة على إثبات الذات، وهذا أدى إلى إشادة المسؤولين عني وقتها، وأيضا عندما بدأت العمل لم يكن كل من حولي مشجعون ومرحبون بوجودي، فكان علي أن أضاعف جهدي وتركيزي لإثبات نفسي لكل من حولي، ولم يكن حلمي أن أكون مهندسة طيران ناجحة فحسب، بل أحببت أن أكون مهندسة ناجحة قادرة على التحدي وإثبات الذات، وهذا ما نتج عنه تشجيع المسؤولين لي في الطيران العماني وثقتهم في وإسنادهم للعديد من الهمام والمسؤوليات التي نجحت فيها بفضل الله ثم بفضل ثقتهم وتشجيعهم.
وبالنسبة لحياتها الخاصة تقول علياء: أنا زوجة وأم لأربعة أولاد، والحمد لله زوجي سار على خطى والدي من حيث الدعم والتشجيع، وهو يتفهم صعوبات عملي ودوما هو بجانبي.
وعن شعورها أنها أول من بدأت العمل من النساء العمانيات في هذا المجال، قالت المهندسة علياء اليافعية: سعيدة جدا بأني طرقت هذا الباب وفتحته لمن يأتي بعدي، فقد كنت وحيدة في هذا التخصص لسنوات طويلة، والآن الحمد لله أصبح هناك العديد من الزميلات الجدد، فأنا فخورة بأني قدرت على إحداث تغيير في المجتمع على مستوى تخصصي وعملي.

رسالتها للمرأة
أقول للمرأة العمانية: أنتَ قادرة على تحدي الصعاب، أنت رمز وقدوة، وأنت الأساس في هذا المجتمع، وأنت مبدعة، وأتمنى لك المزيد من النجاح والتفوق. وشكرا لصاحب الجلالة المعظم- حفظه الله ورعاه- لإعطائه المجال والفرصة لإثبات أنفسنا وللوصول مع الرجل إلى عمان أكبر وأكثر نجاحا وقوة يوما بعد يوم.

من الطب للهندسة
بعد ذلك تحدثت إلى مهندسة الطيران حنان بنت ميّاه البلوشية (من ولاية قريات محافظة مسقط)، التي تعمل في هذا المجال منذ 6 سنوات حيث تقول: بدأت بمهنة فني صيانة طائرات لمدة ثلاث سنوات، وعندما حصلت على رخصة هندسة صيانة طائرات ترقيت إلى مهندسة طيران.
وأضافت: كنت سأصبح طبيبة، ولكن شاء الله أن أحقق طموحي التي حلمت فيه منذ الصغر، حيث إنني كنت قد أكملت الدراسة التحضيرية ما قبل الطب لمدة سنتين في نيوزيلندا، إلا أن حبي وعشقي للطائرات والهندسة جعلني أعيد النظر عندما سنحت لي الفرصة للحصول على بعثة لدراسة هندسة صيانة الطائرات في اسكتلندا عن طريق شركة الطيران العُماني، التي ساهمت بشكل كبير في تحقيق طموحي وفتحت المجال للمرأة العمانية بأن تعمل في مجال كان حكراً للرجل. وأشارت إلى أن هذه المهنة لا تحتاج إلى عضلات كما يعتقد الأغلبية، بل تحتاج إلى صبر وتأقلم مع بيئة العمل، بالإضافة إلى التحصيل والمؤهل العلمي، وأكدت انه لا يوجد أي مجال مهني صعب للمرأة العمانية، فالبيئة مُمَهّدة لها بما أنها تملك العزيمة والإرادة، وجدير بالذِّكْر حِرْص مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أن يكون للمرأة وجود ومشاركة بجانب الرجل في شتى المجالات.

رفض البعض
– كيف قوبلت الفكرة في محيط الأهل والأصدقاء، وهل واجهت رسائل سلبية محبطة؟
وهنا تقول البلوشية: نعم عندما تم قبولي لدراسة هندسة الطيران واجهت شيئا من الرفض من بعض أفراد عائلتي حيث كانوا يقولون: كيف تحولين دراستك من الطب إلى الهندسة والعمل في صيانة وتصليح الطائرات؟
لكن بعدها اقتنعوا عندما رأوا رغبتي الشديدة والملحة للدخول في هذا المجال، ووقفوا بجانبي وشجعوني، ولا أنسى بالذكر أن لوالدي ووالدتي وأخوتي وأختي وعمتي (زوجة والدي) دور كبير في تشجيعي وتحفيزي لتحقيق طموحي ورغبتي. كما كانت هناك بعض التحديات أثناء الدراسة التي كانت بالنسبة لي تتمثل في الغربة، لأن هذا التخصص لم يكن متوفر في عمان، وبداية الدراسة كانت صعبة إلى أن تأقلمت، ولله الحمد والشكر قد نجحت في دراستي بامتياز.
وفِي بداية العمل واجهت بعض التحديات من زملاء العمل، فمنهم من لم يرغب بالعمل معي، ومنهم من استهان بقدرتي في تكملة المشوار والعمل بالقرب من الطائرات في ساحة المطار في الشمس والجو الحار وحول زيوت ومحركات الطائرات، إلا أن هذا لم يكن عائقا لي، بل كان تحديا وحافزا لي لأني أحب التحدي وأعشق تخصصي واستمتع بالعمل فيه.

فخر ومسؤولية
وعن مدى شعورها بالفخر لخوضها مجالا كان حكرا على الرجال تقول البلوشية: أشعر بالفخر كوني ثاني مهندسة طيران في السلطنة واحمل رخصة هندسة طيران وأملك صلاحية في التّصْدِيق لأسطول بوينج ٧٣٧ وأكملت دراسة التخصص لبوينج ٧٨٧، وأطمح لاستكمال دراستي العليا في إدراة الطيران بإذن الله. أيضا أشعر بمسؤولية كبيرة، حيث انني اصبحت أيضا قدوة ومثال للبنات الذين يهدفون للدراسة في هذا المجال.
وترى حنان ان المرأة العمانية قد حققت العديد من المكتسبات على صعيد العمل، فقد اصبحت وزيرة وسفيرة ومهندسة ومحامية ومعلمة وشرطية وفارسة وغيرها الكثير، بجانب دورهه كمربية للأجيال القادمة .
وبحكم الوضع الحالي وصعوبة التوظيف في شتى المجالات ترى ان المرأة العمانية اصبحت تميل اكثر للمشاريع الصغيرة والمتوسطة وسنرى الكثير من رائدات الاعمال الذين يتميزون بتجارتهم الخاصة.

الفيزياء الديناميكية
انتقلنا بالحوار إلى مهندسة نصرة بنت سليّم الحارثية والتي تعمل كمهندسة صيانة طائرات، قسم إلكترونيات الطيران بالطيران العماني، والمتخصصة في هندسة الطاقة الكهربائية، وقد استكملت دراستها في هندسة صيانة الطائرات في المملكة المتحدة، اسكتلندا. وهي أصلها من محافظة الشرقية وتحديدا من ولاية القابل، ولكن ولدت وعاشت في محافظه مسقط. وعن سبب اختيارها لهذا المجال تقول: منذ سنة ٢٠١١ وأنا أعمل في هذا المجال، ولأني بطبيعتي احب كل ما هو مميز و احب ان اكون استثنائية في شتى مجالات الحياة، اخترت هذا التخصص، فمنذ مرحلة الدراسة المدرسية كنت من عشاق الفيزياء بمجالاتها المختلفة، ومن ضمنها الفيزياء الديناميكية التي جذبتني لحب الطيران وعلومه، فقررت استكمال دراستي في هندسة الطيران.
وعن مهام وظيفتها، قالت الحارثية: بصفة أساسية لا تقلع أي طائرة أو رحلة طيران إلا بعد أن يقوم مهندس الطيران بالفحوصات اللازمة. لذلك، طبيعة العمل تستدعي حس المسؤولية الكبير، والتركيز القوي، والإلمام بجميع أنظمة الطائرة والطيران والقدرة على اتخاذ الأحكام والقرارات بثقة.

تحديات ايجابية
وعن قبول فكرة دخولها هذا المجال قالت الحارثية: بعد توفيق من الله، لوالدّي الحظ الأكبر في تشجيعي ودعمي معنويا وماديا لتحقيق حلمي، لذا اشكرهم لمنحي افضل تربية وتعليم، ولتوفير كل الفرص و السبل لشق طريق النجاح، كما احب ان اشكر اخوتي للوقوف بجانبي دائما، فنجاحي استمده من اهلي وأخص بالذكر زوجي وابنائي وجميع من وثق بي.
– ما اكثر التحديات التي واجهتك اثناء الدارسة او تواجهك اثناء العمل حاليا؟
وهنا تقول: لا أذكر اية صعوبات أثناء الدراسة الا صعوبة الاغتراب عن الوطن والاهل والأصدقاء. لقد كانت فترة الدراسة مميزة ومليئة بالتحديات الايجابية، وجود زملاء الابتعاث بجانبي خفف الكثير بحيث كنا كعائلة واحدة طيلة فترة الدراسة.
اما عن الوضع في محيط العمل، فلم يكن الامر سهلا في البداية، حيث أن بيئة هندسة صيانة الطائرات بيئة ذكورية بحتة، وكانت الثقة شبه معدومة بقدراتي، ولكني اثبت غير ذلك في فترة قصيرة، والآن انافس زملائي في مجال العمل من حيث القدرات والأداء والمعرفة.

تنظيم الوقت
بعيدا عن جو العمل، افتخر كوني إبنة، أخت، زوجة، وأم لولدين، فبالعزم والاصرار وتنظيم الوقت لا أجد صعوبة كبيرة في التنسيق بين حياتي الأسرية والعملية، يرجع الفضل الكبير لذلك لدعم عائلتي الكبير وتشجيعهم لي.
وأضافت: بدون أدنى شك، أفخر بنفسي وبزميلاتي ممن خضن معي هذا الاختبار وهذه التجربة المميزة، واطمح ان اجعل من هذه الخبرة منبر لتشجيع جميع النساء لخطو خطوات النجاح في شتى المجالات في خدمة الوطن والمجتمع والنفس، والتركيز على تحقيق الأحلام فكل شئ ممكن بالاصرار و العزيمة.

الطموح والآمال
وتقول المهندسة نصرة الحارثية: طموحي أن لا أقف عند ما وصلت اليه، واتوق إلى استكمال دراستي العليا تطوير نفسي و ذاتي، والتقدم في عملي. واتمنى ان اكون مثالا يحتذى به وان انقل صورة طيبة للمرأة العمانية المثابرة في بيتها وعملها على حد سواء، واننا جنبا إلى جنب مع اخواننا الرجال نبني صرح هذا الوطن الغالي، عُمان. وتابعت قائلة: أنا فخورة بالمرأة العمانية ولما وصلت اليه، بتوفيق من الله، وإيمانا من السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه- وبدعم من المجتمع والاهل، ارتقت المرأة العمانية في جميع الميادين. وأملي انا ارى كل امرأة عمانية تحقق حلمها أيًا كان، وأن تتفوق وترتقي به لأنها قادرة.