«ذهبت وكأنها موسيقى» ليحيى الناعبي: قصائد مسكونة بالحزن والاغتراب والذكرى

الشربيني عاشور –

تبدو القصيدة في ديوان يحيى الناعبي الأخير «ذهبت وكأنها موسيقى» ملاذًا وحيدًا، يلجأ إليه الشاعر مسكونًا بالغربة والاستغراب. فالرغباتُ مبتورةٌ، والقليلُ من البهجة تترصده الخيبات، والحزن يسابق الفرح في شوارع الخطى. حتى زهورُ الفرح نفسُها قادمةٌ من أعماق اليأس واللاجدوى، ولذلك ففي لحظات النشوة يسيل العرق من الحزن والكآبة، وفي الصباح تطرق الباب لحظةٌ عدميةٌ. أما العزف فهو بدموع الأشجار الثكلى. وهكذا تستوعب القصيدة أحزان شاعرٍ مكانه عنوانٌ مترحل، وصلاتُه بيوتٌ بلا قبلةٍ، وأحلامه تترصدها الخيبات!
ومن بين هذا الكم الهائل من الشجن المتدفق من الوجود في قلب اللحظة، يتجلى الرحيل كملمحٍ أساسيٍ من ملامح الديوان الواشية بأوجاع الفقد وانفتاح الذاكرة على الماضي.
«البرد قارسٌ
لكنه لا يحمل الضبابَ الذي أحبُّ
قالتها ورحلت»
وبرغم ما يرشح عن مفردة «ذهبت» من معاني المضي والرحيل، فإن العنوان لا يشي بأية قطيعةٍ عدائيةٍ، أو نبرةٍ ساخرة، كتلك التي رأيناها لدى الشاعر القديم في علاقته بذهاب «أم عمرو». إذ يتعلق التشبيه بالموسيقى بما تخلفه من أثرٍ بعد انتهاء العزف. ولهذا فإن الرحيل يعقبه استئناف الروح لما يتركه غياب الراحلين من الحضور في الذكرى. وهو ما يدعمه استخدام الشاعر لحرف «الواو» في «وكأنها» بدلا من «كأنها» سواءٌ في إفادته للاستئناف أو الحالية على تقدير «إذ» لمن يراه كذلك. وهكذا يتواتر الشجن بالذي يوقظه العزف على مزمار الذاكرة من الحنين ومرارة الأحزان والوقوف تحت مظلة الأحلام:
« أحلم بأمي حول الموقد
كعاشقٍ متسولٍ
اشْتَمَّ رائحةَ الزمن»
ويتنامى الرحيلُ بما يودعه في نفس الشاعر من الحزن سواء بالذهاب مجردًا، كما في القصيدة الافتتاحية «قلب لا يحتَمِل» حيث «الحظ يوزع مصائرنا في الغابات المظلمة» أو بالموت فعلاً كما في قصيدة «حفلة فاخرة»، إذ يتجلى الاستسلام للحزن حدَّ السخريةِ من العجز في مواجهة الموت.
«لم أبخلْ على ذلك
القادمِ من الغيابِ
حين اشتهى ثمرتين
من حديقتي
في موسم واحد
مختصراً الزمنَ
جهزتُ له طاولةً فارهةً
وكأسي نبيذٍ فاخرٍ
وأغنيةً بحجم دمعتين
مع رغيفٍ محلى بالذكريات
تناولها بشهية مُشَّردٍ
ورحل»
وهنا، وقبل أن يختم الشاعر القصيدة، يلعب البياض دوره في تكريس النتيجة:
«تركني غريباً»
غير أن الإحساس بالغربة والحزن سيتجاوز السخرية في مواجهة الموت كما في القصيدة السابقة ليبلغ داه من الشك في فعل الموت ذاته في قصيدة «ملحمة الرمل» المهداة إلى عبد الله أخضر:
«ما رحل صديقُنا
ربما كان منزويًا
قدْرَ زاويةٍ حادةٍ
بين حباتِ رملٍ
يشربُ من نبعها
ويتوسدُ أغنياتٍ للفرح القديم»
وباستثناء القصيدة التي يكتمل فيها العنوان «بوصلتي عدم»، إذ ينغلق بناؤه اللغوي من الجملة الإسمية على المعنى، تتشكل عناوين قصائد الديوان الاثنتي والثلاثين قصيدة من كلمةٍ أو كلمتين أو أكثر دون أن تعطي معنى مكتملاً أو منغلقاً على ذاته، ما يعني انفتاحَ القصائد على مدى من الأثر لا يضع حدًا لأحوالها الشعورية.
«وهكذا يزْهِرُ الحزنُ
خلف قضبانِ الليل
وحيدًا
ملفعًا ببقعةٍ سوداءَ
في خارطة الحرية»
وتتراوح قصائد الديوان الصادر عن الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في نَفَسِها الشعري بين قصائد المقطع الواحد وبين القصائد متعددة المقاطع، إلا أنها تحمل الخصائص ذاتها التي تميز تجربة يحيى الناعبي الشعرية، تلك التجربة المتسمة ـ خاصة في القصائد متعددة المقاطع ـ بما يمكن أن ندعوه «وحدة التشظي» حيث تتوزع المقاطع عبر انتقالاتها الحادة، بما يشبه وحدة البيت في القصيدة القديمة، مفسحةً المكان للبياض ليتشكل منهما معًا جسد القصيدة، وتسرى فيه روح الموضوع الواحد والحالة الشعورية الواحدة والايقاع المتوازن كما في «رسائل غرام داكنة».
وبلغةٍ مقطرةٍ، يتأمل فيها النقاءُ ذاته، والتأملُ نقاءه، يصوغ الناعبي قصائده عاكسًا مفرداتٍ من صميم الحالة النفسية والبيئة الغنية بملامحها الطبيعية التي هي على تماسٍ دائم بمعجم الشاعر، حيث الجبالُ والرمالُ والبحر والخنجر والنخيل والقلاعُ شاخِصاتٌ مشخصَاتٌ تتمظهر من خلالها ذات الشاعر وحيدةً ملوعة بالحب والذكرى في مواجهة عالم تطل فيه البهجة على استحياء «من خلف ستارة الذكريات»، ويصبح العتاب ضوئياً «ينسل من بين سعف النخيل» و»البحر نسرٌ يتلصص» و «رمالُ الحزن تنهال من أوراق الليل الصفراء» و»كطعنة الخنجر ترتسم الزهرة في قلب الوجع».
وعبر تنوع الأصوات ما بين المتكلم والمخاطب والغائب، وتعدد أزمنة الخطاب الشعري بين الماضي والحاضر والأمر في إفادته للطلب، تتكشف دراما القصائد معبرةً عن موجاتٍ من تأرجح الأحزان، والتكسر على شواطئ الحنين والغربة والاستغراب.
ويبقى أن ديوانًا بهذا التكثيف والزخم الشعوري والتصويري لا يمكن اختزاله في مقالة، كما يبقى أنه إذا كان قدَرُ كل شيءٍ أن يرحل، فإن الأثر وحده سيظل عالقًا في شعاب الروح، وحينئذٍ لن يجد الشاعر مفرًا من اللجوء إلى القصيدة ملاذًا، حتى وإن تكشف الملاذ في جوهره عن طلبٍ لرصاصة الرحمة:
«أندسُّ في الذاكرة
أحنُّ إلى معركةٍ
وورقةٍ بيضاءَ
أنفث فيها روحَ قصيدةٍ
نشبتْ مخالبُها طوالَ الليل
مثلما فعلتْ حبيبتي
التي فقدتُ
تطلقُ رصاصتهَا في أحلامي
وترحلُ دون رثاء»