آراء متباينة حول القالب الشعري ذي الجذور اليابانية

«الهايكو» باق ويتمدد ولا يتم الاعتراف به رسميا –
تحقيق : بسام جميدة –

باتت قصيدة «الهايكو» تحتل مركزا متقدما بين ممتهني كتابة الشعر، وتنافس الكثير من مريدي وهواة الكتابة للولوج إلى هذا العالم الشعري الذي بدأ يتنامى ويكبر بمساعدة منصات التواصل الاجتماعي، مما ساهم في تأسيس أندية وروابط عربية كثيرة للهايكو كان لبعضها صدى واسع، وحاز على احترام المتابعين واهتمامهم؛ لأنه استطاع أن يولد من رحم هذه المنتديات الأدبية أقلامًا تكتب بمهنية عالية، وشعراء مهمين لهذا النمط الذي يكثر الجدال من حوله، بينما يتصدى بعض ممن امتهن الهايكو وساهم بانتشاره لموجات المعترضين على شرعيته كونه قادمًا من اليابان والصين ودول أخرى.
الجدل الذي يدور حول قصيدة الهايكو هو أن البعض يعتبرها دخيلة على الشعر، فيما منحها البعض الآخر شرعية من خلال إلباسها ثوب الأحاسيس العربية لتكون قصيدة قصيرة… هناك من يتقبلها ومن يرفضها، وهناك من دجنها بطريقته، وهناك من استسهل كتابتها.
توجهنا لعدد من النقاد والأدباء، وممن كتبوا الهايكو لمعرفة آرائهم حول هذا النمط الشعري الذي يتمدد بسرعة مذهلة وسألنا، هل يمكن اعتبار الهايكو إفلاتًا من نمطية الشعر العربي ورزانته وضوابطه، أم ولادة جديدة للشعر الحديث كما حدث مع قصيدة النثر.. وغيرها..؟
وهل ساهمت قنوات التواصل الاجتماعي في انتشاره الواسع بهذه الطريقة..؟
وهل ضاقت مساحات الشعر للتعبير ليتم التوجه للهايكو..؟
ولماذا لا يتم الاعتراف به في اتحادات الكتاب العرب ..؟
تابعوا معنا ردود الأفعال في هذا التحقيق:

من حقّ المبدع أن يجرّب مختلف أشكال التجريب

يقول د. نضال الصالح أكاديمي وناقد من سوريا: «ربّما أكون أحد أكثر المنحازين للتجريب في الفنّ والأدب، لأنني أؤمن بضرورة البحث عن أشكال جديدة للتعبير دائما، ووفق حركة التاريخ التي تفترض، كما تفرض، أدوات ووسائل ومغامرات لا يمكن لغير الجمادات الوقوف في وجه بزوغها من رحم تلك الحركة، وضمن هذا السياق أفهم ما يمكن وصفه بالحمّى التي تجتاح المشهد الثقافي العربي فيما يعني ما يصطلح عليه بنصّ الهايكو، أو قصيدة الهايكو، التي تنجز قطيعة كاملة مع الذاكرة الجمعية العربية التي صاغها الموروث الشعري العربي لما يزيد على خمسة قرون.
من حقّ المبدع أن يجرّب مختلف أشكال التجريب، وأن يختار مغامرة التعبير التي يشاء، ولكن من الواجب أن يكون مزودا بثقافة كافية، ورفيعة، بهذا الشكل الوافد إلى الثقافة العربية أو ذاك، وهذا ما لا يتوفر لكثير ممن دفع بنفسه ونصه إلى ما أستطيع الاصطلاح عليه بجحيم الجهل المعرفيّ توهما منه أنّ شرف المغامرة يكفيه في هذا المجال. ولذلك قلّما يجد المتابع لنص الهايكو العربي، إن جاز التعبير أو الوصف، نصوصا جديرة بالبقاء في الذاكرة طويلة، بل جديرة بالقراءة قبل ذلك».

ليس شعرًا لكنه شكل شعري

أما صبحي موسى شاعر وروائي من مصر فيقول: «مبدئيا قصيدة الهايكو كما يعرف الجميع تعود إلى الثقافة اليابانية، وهي شكل شعري أشبه بالرباعيات لدينا في الثقافة العربية، ولعل أشهر من كتبها هو صلاح جاهين، فضلا عن رباعيات الخيام التي ترجمت للعربية أكثر من مرة.
الهايكو في حد ذاته ليس شعرًا لكنه شكل شعري، بالضبط القصيدة العمودية، هي في حد ذاتها ليست شعرا، وإلا لكانت ألفية ابن مالك شعرًا.. لكنها شكل للشعر يمكن لمن يحترفه أن يصوغ مشاعره وانفعالاته وتأملاته من خلاله، وهكذا الهايكو، هو أيضًا مجرد شكل له ضوابط، وله تأثير على صياغة الكلام، لكنه في النهاية مجرد إناء إن استعمله شاعر حقيقي قدم شعرًا حقيقيًا، وان استعمله مدع قدم كلامًا لا يضيف للوجدان شيئا، يبقى أن الهايكو شكل مستورد، وليس ابنا للثقافة العربية، ولا يمكننا أن ندعي إن كل الفنون التي تجيدها الثقافة العربية الآن ابنة أصيلة للفكر العربي.. فالرواية ليست إنتاجًا عربيًا في الأصل، وقصيدة النثر ليست منتجًا عربيًا، لكن كلاهما على سبيل المثال تم التعامل معه بشكل جيد، واستطاعت المخيلة العربية أن تصوغ من خلالهما رؤاها وتصوراتها وعوالمها، ومن ثم فالأشكال هي مجرد أدوات، ونحن في لحظة من التداخل الثقافي العالمي الذي يسمح وربما يملي علينا جميعا استعمال نفس الأدوات والتقنيات، وتبقى الإجادة فقط للفن وليس للتقنية، فالبوب ارت يعرفه العالم كله، والراب منتشر في العالم كله بغض النظر عن موطنه الأصلي».

ظاهرة الأدب الوجيز

بينما قال الشاعر د. نزار بني المرجة من سوريا: «لا شك أن تطلع الشعراء والكتاب إلى ابتكار أطر وأشكال جديدة للتعبير، هو أمر مشروع، وقد عرف الشعر العربي عبر تاريخه الكثير من المحاولات، والتي برزت منها الموشحات الأندلسية، والرباعيات، والمقطوعات، وصولا» إلى ما شهده شعرنا العربي الحديث من نقلات نوعية وشكلية لافتة، ولا شك أيضًا» أن عملية الترجمة و المثاقفة، كان لها الدور الواضح، وجاءت مرحلة العولمة لتخلق حالات من التأثر والتأثير على نطاق واسع، واكتمل المشهد ليكون لنمط الحياة الاستهلاكية الطاغي في حياتنا اليوم الأثر الكبير وليوجد المبرر ويعطي المشروعية للنص الشعري أو الأدبي القصير، فبتنا في مشهد أدبي عرفنا فيه قصيدة الومضة.. والقصة القصيرة جدًا»، والمنمنمات الشعرية، مرورا» بتجربة الهايكو العربي الذي يحاول مجاراة الهايكو الياباني أو النسج على منواله، إلى أن انتبه العاملون في الحقل الأدبي إلى وجود ظاهرة أصبحت جديرة بالدراسات النقدية وهي (ظاهرة الأدب الوجيز).. التي بدأنا نلحظ عقد مؤتمرات وندوات نقدية لدراستها من كافة جوانبها، وأنا شخصيا» كتبت الكثير من النصوص الشعرية القصيرة التي أعتبر أنها قد جاءت في سياق ما يسمى قصيدة الومضة، والتي أعتبرها وليدة حاجة أو نمط حياة بتنا نعيشه يتطلب الاختصار والإيجاز ويبتعد عن الشرح والنص الطويل الذي لم يعد مقبولا «تبعا» لتطور الذائقة الشعرية أو الأدبية فضلا» عن نمط الحياة الذي نعيش، ومن هذه الزاوية فأنا مع النص الشعري القصير، كشكل مبتكر، ولكنني لست مع تقليد شكل أدبي خارجي يمثل خصوصية لشعوب أخرى، وأنا أسأل هنا: هل يمكن لنا أن نرى أو أن نتوقع قصائد عمودية يكتبها شعراء غربيون أو أجانب بلغات أخرى، أو محاولات لتقليد القصيدة العربية الكلاسيكية؟».

محفوفة بالدَّهشةِ، مزنَّرة
بالفتنة والإثارة

وشاركنا الموضوع الشاعر جمعة الفاخري من ليبيا، حيث قال: «الهايكو قصيدةٌ ضوئيَّةٌ مختزلةٌ تنبع من أعمَاقِ الشَّاعرِ، لذا تأتي محفوفةً بالدَّهشةِ، مزنَّرةً بالفتنة والإثارة، تكثيفها وصغرُ حجمها، وعمقها ودلالتها العميقة تمنحها مكانةً ومحبَّةً عاليتينِ هما تمامًا كمحبَّة ومكانة صغار الأبناءِ لدى والديهما.
وأنا أجد في ارتكاب قصائد الهايكو لذَّةَ عناق الجديدِ والمختلف؛ فهي تمنحني دهشةً مختلفةً، ولذاذة اكتشافٍ استثنائيَّةً.
أنا على اطِّلاع جيِّد على الهايكو الياباني أصل هذا الفنِّ الشعريِّ المدهش، ومن ثمَّ توسَّعت معرفتي بالهايكو العالمي من خلال الترجمات، ومن خلال متابعتي المستمرَّة للهايكو العربي الذي تدرج عبر مراحل نموٍّ مختلفة وسريعة حتَّى وصل إلى ما وصل إليه الآن من النضج والإدهاش والإقناع، بعد أن تعهَّدته أسماء عربيَّة لامعة سطعت على صفحات التواصل الاجتماعي أو من خلال الصحف والمجلات العربيَّة..
الهايكو يلائم كلَّ بيئة، ويصلح للتَّلقِّي لدى كلِّ قارئ؛ فهو فنٌّ إنسانيٌّ عابرٌ للثَّقافاتِ، مقتحمٌ للأعماقِ، يخاطب وجدانَ الإنسانِ في أيِّ مكانٍ، وخصوصيَّة الهايكو لا تكمن في كونه يخاطب متلقِّيًّا نوعيًّا؛ بل لأنه بإمكانه مناوشة وجداناتِ النَّاسِ في أي مكانٍ وزمانٍ، واستفزاز ذائقة المتلقِّي في أي بلدٍ كان.
وقد بدأت الهايكو (العربي)، كما أسمِّيه، مبكَّرًا؛ منذ نعومة أقلامي، يمكنني القول: إنَّ الهايكو نما على تلكم النعومة، وإن كان دون وعيٍّ كاملٍ بماهيَّةِ الهايكو، فأصدرت سنة 2004 ديواني (حدث في مثل هذا القلب) وهي قصائد برقيَّة تتاخم حدودَ الهايكو شكلا على الأقل، ثمَّ تعمَّق فهمي به، وأنجزت الآن منه أربعة مخطوطات أجهِّزُها جميعها للنشر.

«تُمَرْجِحُ أُرْجُوحَتَهُ الْخَاوِيَةَ..
فَتَمْلُؤُهَا الدُّمُوعُ ..
وَالِدَةُ الصَّغِيرِ الْفَقِيدِ !»

الهايكو ليس قصيدة قصيرة

وقال عذاب الركابي كاتب وناقد من العراق: «نُسِبت لي ريادة الهايكو لأنني أول مَن أصدر ديوان هايكو عام 2005 في القاهرة وأقول ليس الهايكو دخيلًا أبدًا، بل هو أحد فنون الشعر الحديث، وجاء ثمرة ثقافة عالية بعد الاطلاع على شعر (الهايكو الياباني) أولا ومن ثم (الهايكو العالمي) فجاء اقتراحنا معًا أنا والشاعر اللبناني الكبير د. قيصر عفيف رئيس تحرير (الحركة الشعرية) في المكسيك (لماذا لانكتب هايكو عربي؟) وكانت الإجابة سريعة فكتبت (هايكو عربي) وتم نشر تجربتي في عدد المجلة – مارس 1999 الخاص بالهايكو .. وقال: (لكل بيئة هايكو خاص بها وليس بالضرورة أن يكون تبعًا لتقنية الهايكو الياباني).
لا علاقة للهايكو بالقصيدة القصيرة أو القصيدة الومضة أو الأبيجراما، هذا هو الخلط الذي وقع فيه الشعراء الذين ركبوا موجة الهايكو، ظانين أن كلّ (قصيدة قصيرة) هي (هايكو) لأنهم لم يطلعوا على مرجعيات (الهايكو الياباني) ورحمه الذي ولد منه وهم (عقيدة الزن) و(كلاسيكيات الهايكو) ومعرفة حياة (الرهبان الثلاثة: باشو، بوسون، إيسا).
نعم هناك مَن استسهل كتابة الهايكو ظانًا بأنها قصيدة قصيرة وهي ليس كذلك، وأساء إلى تقنيتها وطقسها اللغوي، وتفرد موضوعها وصوغها ـ، فجاءت النماذج التي حفلت بها الصحف والمجلات ونوادي الهايكو، نماذج مخيبة وفاشلة، بل وإساءة بليغة – جهلاً بهذا الفن العظيم.. مثلما تمّت الإساءة لـ(القصة القصيرة جدا) و(قصيدة النثر) في بدايتها.
ليست قصيدة الهايكو إفلاتا من نمطية الشعر العربي، بل إضافة للشعر العربي، وربما يصبح من مرجعياته إذا تمّ فهم تقنيته التي لا تخرج عن مفردات الطبيعة وطقسها وفصولها ومكوناتها، ولا علاقة لها بما يكتبه الشعراء العرب الآن من هايكو، وقد (أدلجوا) القصيدة وأدخلوا فيها قصص الحب والغرام والنضال وهي بريئة من هذا الإسفاف. قال شاعر الهايكو الكبير باشو: (قراءة قصيدة الهايكو أشبه بالدخول إلى واحة) وردد هذه العبارة كل كتاب ومنظري الهايكو اليابانيين.
قنوات التواصل أفسدت كل شيء؛ لأنها مرتع للمدعين وللذين يعانون من ( أنيميا ثقافية) وهم يكتبون ولم يتقنوا اللغة العربية في أبسط بديهياتها (الفعل والفاعل والمفعول) وينسبون إلى أنفسهم حصولهم على جوائز لا تعرف مصدرها، قنوات التواصل الاجتماعي مصدر الكوارث الثقافية.
لا ندري إذا كانت اتحادات الكتّاب قد اعترفت أم لم تعترف بهذا الفنّ؛ لأنها منظمات نقابية مهنية، تهتم بالسائد والمألوف، وأنا أعرف كتابًا وشعراء كبارًا لم يسمعوا بالهايكو حتى تاريخ كتابة هذه السطور، ولهذا سيكون كتابي القادم (الهايكو من الياباني إلى العربي، مواطن الاتفاق والاختلاف) المرجع للتعريف بهذا الفن العظيم، ومراحل تطور (الهايكو العربي)».

ما نقرأه مُقاربة للهايكو الياباني

فيما قال الشاعر والصحفي علي الرّاعي: «يُحكى أنّ الياباني «باشو» واسمه الحقيقي ماتسوو مانوفوسا؛ عاش بين (1644-1694م)؛ إنه هو مُعلم شعر الهايكو الأكبر، حيث كان أوّل من فعلها، وكتب هذا الشكل الشعري المشهدي الإيقاعي، حتى أمسى «ضفدع بركته» أشهر هايكو في مشرق العالم ومغربه، وكان على المولعين «الهاكست» في مختلف دول العالم، وليس في اليابان وحدها أن يقيسوا على نقيق هذا الضفدع وخرير ماء البركة في مختلف أنحاء العالم الذي انتقل إليها هذا الشكل الشعري سواء من خلال الترجمة عن اللغة الأم – اليابانية، أو تأليفًا على المقاس الياباني مع بعض التجاوزات على الشروط الصارمة اليابانية ليتناسب مع جماليات اللغة الجديدة..

«يا للبركة العتيقة،
قفزت ضفدعة
صوت الماء»
مع أن ثمة من يزعم إنّ الصينييين قد سبقوا باشو الياباني بعقودٍ من السنين، وفيما لم ينتشر الهايكو الصيني؛ ذاع صيت الهاكو الياباني وتجاوز حدود اليابان حتى صار هناك من يتحدث عن هايكو أمريكي، وهايكو اسباني، وهايكو مكسيكي، وذلك بعد أن جرت عملية «تبييئ» لهذا الهايكو ليُناسب اللغة والثقافة والذائقة الجديدة التي انتقل إليها، بمعنى إنه يُمكن الحديث عن مُعادل لهذا الشكل الإبداعي أكثر منه هايكو حقيقي، فقد أكدت التجربة أن الهايكو لا يُمكن أن يكون إلا يابانيًا، وما نقرأه اليوم من هايكو في العالم ليس سوى مُقاربة للهايكو الياباني..
في العالم العربي؛ يعود الفضل في مقاربة هذا الشكل من الكتابة إلى ثلاثة شعراء – مترجمين سوريين: محمد عُضيمة المُقيم في اليابان، وعبدو زغبور المقيم في فنزويلا، ولينا شدود المقيمة في مدينة طرطوس السورية، وذلك بترجمتهم عن اللغات: الإنجليزية والإسبانية والألمانية.. ويأتي ذلك بعد مرور ما يُقارب القرن على انتشار الهايكو ومُقاربته في أوروبا والأمريكيتين.. وهنا نُذكّر بجهودنا بترجمة تلك التنظيرات النقدية والإبداعية على أرض الواقع من خلال (الملتقى السوري للنصوص القصيرة – الأدب الوجيز) الذي أسستّه منذ سنة 2011م، ويُقيم فعالياته في مختلف المحافظات السورية، وبعدها تمّ إنشاء عشرات المجموعات فيسبوكيا التي تهتم بالكتابة والتنظير للهايكو وحتى التأليف فيه، كما شهد المشهد الثقافي السوري إصدار العشرات من المجموعات الشعرية، منها بشكلٍ إفرادي، والغالب كان إصدار المجموعات المشتركة التي ينوف عدد الهاكست فيها على الـ(300) كاتب، كما لم تبق مثل هذه الفعاليات محصورة ضمن الحدود السورية بل ساهم فيها العشرات من المعجبين بهذا النص الذي لا يتجاوز عدد كلماته العشر مفردات من مختلف دول العالم العربي».

طالبو أمجاد زائفة ومشانق نقدية لمرتكبي تلك الآثام بحق الشعر

وقال الصحفي والناقد بديع صنيج: «يعيدنا الجدل الكبير الذي يدور حول قصيدة الهايكو إلى سؤال: هل من الممكن لهذا النمط الشعري، ياباني المنشأ، أن يكون قادرا على الحياة في المشهد الشعري العربي الذي عرف جَمال الجاهلية شعريا، وقصائد المعلَّقات، وعمالقة الشعر العمودي، إلى جانب مُبدعي قصيدة النثر والشعر الحر وشعر التفعيلة…؟ وما هي مقومات الهايكو إلى جانب نظائره من «القصائد القصيرة» وما بات يُدرَج تحت مسمى «الأدب الوجيز» التي تتيح له جماليات و«مدة صلاحية» قادرتين على مجاراة الزخم الشعري للتصنيفات الأخرى؟
أعتقد أن قصيدة من ثلاثة أسطر كالتي كتبها أحد أصدقائي ويقول فيها: «كم مرَّةً بَرَدَ فُنجاني،‏‏ فأدفأته صورتُكِ على صفحته الأولى، وقلبي في قاع الأخيرة» على اكتمال أركانها من التكثيف، والصورة الجميلة، والحالة الشعورية الصادقة، واللغة الجميلة، والأسلوبية الفريدة، إلا أنها تبقى عتبة أولى، أو مُجرَّد تمرين لكتابة قصيدة، وهو ما جعل كثيرين، وهم في الحقيقة لا يمتلكون ناصية الشعر الحقيقي، يستسهلون كتابة مثل تلك «التمارين اللغوية»، وينسبونها غصبا إلى تصنيف الشعر، بينما الشعر بريء من هكذا تُهَم، وأكاد أزعم أن مئات – إن لم يكن آلاف- ممن يُكنُّون أنفسهم بشعراء الهايكو، ليسوا أكثر من طالبي أمجاد زائفة، يقتاتون من فُتات تجارب غريبة عنهم، ولا يضعون في حسبانهم سوى أن كتابة الشعر أسهل من أخذ النَّفَس، ويكفي أن يَصُفُّوا بضعة كلمات فيها ما يُشبه الصورة الشعرية، ليصبحوا جهابذة الاختزال والتكثيف، وشياطين الاستعارات، ومبدعي اللقطات الذكية، بحيث أنهم يقاربون أولئك الذين يدَّعون بأنهم باتوا فوتوغرافيين، وفناني تصوير ضوئي لا يُشق لهم غبار، بمجرد تصويرهم لبضعة لقطات بموبايلهم الذكي.
وهذا ما يدفعنا، بعيدًا عن الجدل الحالي، للتأكيد أن الشعر الصافي، أو مادة الشعر الخام، لا تتغير عبر الأزمان، وأن الحساسية تجاهها هي التي تختلف، لكن من المُعيب إلصاق صفة القصيدة، على بضعة كلمات فيها من الشعر ما في السلَّة من الماء، لذلك على الكثيرين ممن انتفخت أوداجهم أن يعيدوا النَّظر في شعريَّتهم التي أسسوا لها عبر الفيسبوك، بحيث باتت عدد اللايكات أو قلوب الحب من معجبيهم معيارًا لقيمة ما تخطُّه أياديهم، لأن ثمة اختلاف كبير بين القصيدة والمنشور على كتاب الوجوه، وأيضًا بين الشعر والتغريدة، كما أن زيادة جرعة «المشاعر المشلَّخة» لا يجعل من السطور الثلاثة أو الستة مُعلَّقة، بل على العكس تدعونا في كثير من الأحيان لتعليق مشانق نقدية لمرتكبي تلك الآثام والجرائم بحق الشعر، الذي يبقى بريئًا من محاكاتهم ومما ينسبونه له».

نحتاج للغوص فيه

وللعنصر النسائي رأي، فقد قالت الشاعرة هناء داودي من سوريا: «كل جديد يتعرض للجدل والإنكار بشكل أو بآخر حتى يثبت تميزه لاحقاَ.. والهايكو ربما بعفويته وبساطته غالبا قد وجد لنفسه حيزا مهما وقبولا جيدا.. هو كجنس أدبي دخيل لم نعتده تماما بذائقتنا العربية كونه كان وافدا وانتشر فجأة فرفضه البعض وأحبه البعض الآخر كما سبق وحدث من قبل بالنسبة لقصيدة النثر والنصوص المفتوحة ومازال الجدل قائما للآن رغم المطالبة بالحداثة في كل مدارات الشعر.
بالنسبة لي يروقني كثيرا وتستهويني تلك المشهدية، وتلك التوليفة بين الفكر والإحساس بالطبيعة والكائنات ربما لأني أميل لكتابة الومضات التي تعتمد على الصورة وعمق الدلالة والتكثيف لكني لم أجرب كتابة الهايكو بعد، والسبب ربما أني لست مطلعة تماما على شروطه وتقنياته وأرى رغم انتشاره والمحاولات الكثيرة لكتابته فهناك لغط واضح وتجارب مبهمة نسبت للهايكو وهي بعيدة عنه.
الفشل دائما حليف أي استسهال بخوض تجربة، بقناعتي كي نستخرج اللؤلؤ وكل ماهو نادر يجب أن نغوص كثيرًا فكيف لو كان الأمر بدمج ثقافات مختلفة.
لمحاكاة الجمال علينا الانصياع للإحساس الخاص بنا، والارتقاء به في تجسيد أي لحظة حتى نكون قادرين على اعتلاء قمة الدهشة لحظة اقتراف القصيدة التي تشبهنا بطريقة ما، وذاك عنصر أساسي بالنسبة للهايكو».

لكتاب الهايكو رأي

التقيت وسمعت عددًا ممن يكتبون الهايكو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، وسألتهم سؤالا واحدا، لماذا تكتبون الهايكو..الغالبية أجمعوا على أحقيتهم في التجريب، وخلق حالة من التنافس للتعبير بالشكل الذي يرغبون، وأنهم يكتبون هذا النوع بسبب البساطة في الكتابة وعن وعي ومعرفة للكثير من قواعده، بينما البعض الآخر يكتبه لسهولة الكتابة ولكن لا يعرفون الكثير عن قواعده الصارمة «على حد تعبيرهم»، والبعض وجدها فرصة للكتابة في هذا النوع من الشعر كون المتلقي وبالأخص في «الفيس بوك» بات ملولا ولا يستسيغ قراءة المقاطع الطويلة، وباب واسع للشهرة وحصد الإعجابات. أما الرأي المهم من بين هؤلاء فقد عبروا عن حبهم للهايكو كونه لحظة مميزة لتدوين الأحاسيس واللقطة المرهفة والمعبرة التي يجسدها كي يعبر عما حوله بهذا الاقتضاب الجميل، ومنه عبروا إلى الشهرة والولوج لعالم الكتابة. ولم يخف البعض مشاعره بقوله إن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لهم فرصة نشر نتاجهم من الهايكو، في ظل صعوبة اعتلاء منصات المنابر الثقافية، حيث لا يتم الاعتراف به كنوع أدبي.

كلمة لابد منها

مثلما تعرضت قصيدة النثر، والشعر الحر، والومضة الشعرية، والقصة القصيرة جدا في بداياتها ولا تزال، للكثير من الجدل والرفض، لكنها على أثر تلك التجارب التي امتدت لسنوات انتزعت اعترافا رسميا بأنها نوع من الإبداع الأدبي الذي أثبت موجودية وكفاءة عالية في الاختزال والخروج عن نمطية السلف، ولكن لا يزال الهايكو يصارع من أجل الحصول الاعتراف الرسمي به، والهوية العربية، ليضاف إلى الاعتراف الأكبر الذي ناله من خلال الشبكة العنكبوتية التي ساهمت بشكل أو بآخر في انتشاره، بل وتأسست عشران الروابط والصفحات التي جذبت جل من يجيد الكتابة، وبالمقابل وحتى لا نغبن أحدًا حقه، هناك صفحات متميزة يديرها متخصصون في الهايكو وبات لها فاعلية كبيرة على الساحة الأدبية، وحاولنا التواصل على أكثر من أسم بينهم، ولكن ظروفا قاهرة حالت بين بعضهم، وعدم الرد حال دون الاستماع لرأي الآخرين.وفي العموم تبقى قصيدة الهايكو، دفقا من الأحاسيس المتميزة التي يقبض كاتبها على اللحظة الراهنة واللقطة المبدعة التي ما عادت تحاكي الطبيعة وحسب، بل امتد آفاق أبعد.