مقال: من تراث الإذاعة المصرية (2)… كنوز الدراما.. والبرامج الثقافية

إيهاب الملاح –

■ في العام 2008 تقريبًا (ربما 2009) وقعتُ بالمصادفة البحتة على موقعٍ أرشيفي قديمٍ للتسجيلات الإذاعية النادرة، كان أول ما عثرت عليه حلقات متفرقة من البرنامج الإذاعي الخالد «ألف ليلة وليلة» الذي كان يكتبه طاهر أبو فاشا ويخرجه محمد محمود شعبان (الشهير بـ بابا شارو)، ثم جمعتُ ما يقرب من 200 حلقة (وصلت بعد سنوات إلى 550 حلقة) من حلقات ألف ليلة وليلة الإذاعية «النادرة».
ظللتُ قرابة العام أتتبع هذه الحلقات فقط، وأجمعها وأنظمها وأرتبها، حتى تيسر لي في النهاية «مجموعة تسجيلات» لا بأس بها، أظنها الآن من أكمل المجموعات الإذاعية المتاحة من «ألف ليلة وليلة».
أكثر ما أعتز به في هذه المجموعة هو الحلقات الأولى من البرنامج، التي تضمنت الحكاية الإطار؛ حكاية «شهريار وشهرزاد»، بصوت الكبيرين الراحلين عبد الرحيم الزرقاني، وزوزو نبيل، ثم ما بدأته شهرزاد من رواية الحكايات وفيها (أي في الليالي الأولى الإذاعية) ستجد الحكايات التالية: «حلاق بغداد»، و»معروف الإسكافي»، و(حسن البصري)، و(علاء الدين والمصباح السحري).. ثم تتوالى الحكايات، ويتوالى السحر!
لم تكن «ألف ليلة وليلة» هي نافذتي الأولى على كنوز الإذاعة المصرية الباهرة؛ فتعرفي عليها كان أسبق من هذا التاريخ بحوالي عشرين عامًا! كانت أمي من محبي الراديو وكذلك أبي؛ وكلاهما كانا يدمنان الاستماع إلى إذاعة البرنامج العام «هنا القاهرة»؛ كانت الفترة المسائية (من الثامنة مساء حتى بعد منتصف الليل) تتميز بإعادتها لكنوز وروائع الإذاعة التي أنتجت طيلة الأربعينات والخمسينات والستينات وصولًا إلى الثمانينات حينما بدا أن بريق الإذاعة قد بدأ يخفت وينطفئ لحساب ثورة التليفزيون والفيديو، وبعدها بقليل ثورة الاتصالات والميديا المرعبة منتصف التسعينات من القرن الماضي.
أذكر بشغفٍ وحنين لا يزالان يغمرانني، كلما استحضرت هذه الذكريات الجميلة، الحماس المقدس الذي كنت أستقبل به المادة الإذاعية التي أستمع إليها؛ أيا كانت: برنامجا موسيقيا، سهرة خاصة، دراما إذاعية، برنامجا حواريا، علميا، فنيا، ثقافيا.. إلخ. أول ما عرفت ملحمة الحرافيش للمميز نجيب محفوظ كانت من المسلسل الإذاعي الجميل «الحرافيش»؛ الذي أعده للإذاعة فراج إسماعيل، وكتب له الكلمات والأشعار صلاح جاهين، ومن ألحان سيد مكاوي، وإخراج فتح الله الصفتي.. ما زلتُ، حتى اللحظة، أذكر كلمات وأنغام «التتر» الافتتاحي للدراما الإذاعية عن «الحرافيش»:
«الخلق صنفين.. والتالت يا حسرة ما فيش
صنف شياطين.. فتوة يا عين
وصنف غلبان ماشي جنب الحيط..
وهما دول اللي بيسموهم «الحرافيش»…»
■ حينما أعاود التفكير في مصادر التكوين الثقافي والمؤثرات التي شكلت وجداني ووجهت تفكيري، ولعبت دورًا حاسما في رسم الملامح العامة لما يمكن تسميته بمسيرة الحياة والمشروع المهني؛ ستكون الإذاعة المصرية وبرنامجها العام وموادها التي ليس لها مثيل أو نظير أحد أبرز العوامل وأهم العناصر التي ساهمت في هذه الرحلة.
كتبت الأسبوع الماضي، تفصيلًا، عن نموذج من هذه النماذج، وهو برنامج «كتاب عربي علم العالم» الذي فتح بصري وبصيرتي على روائع تراثنا العربي (ومعه أيضا برنامج «قطوف الأدب من كلام العرب» كنت أدون بعض الأشعار والمأثورات التي تتردد في البرنامج في كراسة خاصة أحفظها عن ظهر قلب). لكنه لم يكن منفردًا ووحيدا في هذه الدائرة. أتذكر الآن البرنامج الذي أسرني وأشعل خيالي وجعلني لا أدخر جهدا ولا طاقة ولا مالا في سبيل الحصول على واحدة من موسوعاتنا التراثية الباهرة. أقصد كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني. بالتأكيد لم أكن أعرفه ولا قرأت عنه وأنا في العاشرة! لكني استمعت إلى حلقات البرنامج العظيم (من كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني) الذي كان يعده للإذاعة ويخرجه فتح الله الصفتي. بصوت الفنان البارودي الذي كان مجرد الاستماع إليه كفيلًا بأن أترك كل ما في يدي، وأغمض عيني، وأستمع إلى روايته الفصيحة المنغمة الموقعة لحكايات وقصص الشعراء العرب من عمر بن أبي ربيعة إلى قيس الرقيات.. ومن ديك الجن إلى أبي نواس.. ومن الضحاك إلى شعراء الحب العذري.. إلخ.
أتصور أنني لم أكن لأُغرم بكتاب «الأغاني» (اقتنيت منه طبعات متعددة فيما بعد)، ولا ما كتب عنه ولا ما يتصل به من كتبٍ ودراسات ومقالات (تشكِّل تقريبًا جناحًا ضخمًا في مكتبتي الشخصية) إلا بفضل الإذاعة، وبرامج الإذاعة.
ولم يكن الحس التراثي فقط هو الذي أيقظته الإذاعةُ في وجداني وذهني، إنما أيضًا ما يتصل بأعلام أدبنا وفكرنا المعاصر؛ ومن ينسى برنامج الإذاعية الراحلة نادية صالح «زيارة لمكتبة فلان» أو برنامج «شاهد على العصر» الذي استمعتُ فيه لعمالقة الفكر والأدب والثقافة في عالمنا العربي (من ضيوفه الكبار آنذاك: زكي نجيب محمود، لويس عوض، توفيق الحكيم، حسين فوزي، نجيب محفوظ، ثروت عكاشة، أسامة أنور عكاشة، مصطفى محمود.. إلخ)
حينما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل في الآداب عام 1988 كنت في العاشرة من عمري؛ لم أكن قرأت له شيئا، فقط شاهدت بعض الأفلام المأخوذة عن روايات له (ولم تعجبني أبدا بالمناسبة، وتأكد لي هذا الشعور بعد أن قرأت كامل ما كتبه نجيب محفوظ، وتأكدتُ من صدق هذا الإحساس، مستوى الروايات أعلى بكثير جدًا جدًا من الأفلام المأخوذة عنها؛ لكن هذا حديث آخر في مناسبة أخرى!).
لكني أذكر جيدًا أنني كوَّنتُ تصورا مستوعبا ومتماسكا عن نجيب محفوظ وأدبه، وتصوراته الإنسانية، والفكرية والثقافية، من خلال ما استمعتُ له في برامج الإذاعة التي تسابقت لبث حلقات عنه عقب فوزه أو تسجيل حلقات أخرى تواكب الحدث الكبير.
المادة الإذاعية التي سجلت مع نجيب محفوظ وحدَها مكتبةٌ كبرى، وذخيرة معرفية وثقافية دائما ما أشير إليها وأسميها بـ «الحواريات النادرة والأحاديث المجهولة»؛ وللأسف لم تحظ هذه الحواريات الإذاعية لأديب نوبل الكبير (ويمكن أن نضيف إليها أيضًا أحاديثه المرئية) باهتمام كثير من الباحثين، قدر الجوانب المختلفة والمتعددة من إبداع محفوظ، ولهذا أخذت أدعو منذ سنوات طويلة إلى الاهتمام بها والتركيز عليها والنظر فيها؛ وهو ما بدأ يثمر على استحياء وخفر في السنوات الأخيرة؛ وإن لم يصل بعد إلى الاهتمام المنشود.
هذه الحواريات النادرة أجراها معه إذاعيون كبار في مراحل مختلفة من عمره، وإن كان أقدمها التي وصلت إلينا كانت بعد أن تجاوز السبعين من عمره. لم يكن نجيب محفوظ روائيا فذا فقط، بل كان محاورا من طراز رفيع، شهد كل من حاوره بأنه كان سريع البديهة حاضر الذهن حلو اللسان، خفيف الظل، تميز بنكاته و(قفشاته)، المعبرة عن عمق انتمائه وإخلاصه لروافد تكوينه الأولى ونشأته في حي الحسين العريق، وما أكثر الذكريات والحكايات والطرائف التي رواها وحكاها عنه أصدقاء عمره من شلة «الحرافيش»، لكن تبقى لحوارياته المسجلة طزاجتها واكتنازها بألق لحظتها التاريخية التي لم تخبُ رغم مرور سنوات على تسجيلها، وكذلك لآرائه وتصوراته وبعض أفكاره التي طرحها ودلَّت على مدى انفتاح آفاق الخيال لدى محفوظ وقدرته الرهيبة على طرح الأسئلة الافتراضية حول المستقبل ومحاولة الإجابة عنها بإبداعية نادرة.
سأظل مدينا عمري كله للإذاعة، وواحات الإذاعة، وكنوزها التي لا تنضب أبدا..