«الصلاة» معالجة سينمائية لأولوية العلاقة بين الدين والحياة

أن تعيش في كذبة.. هو ما يجب التخلص منه –
الشربيني عاشور –

أن تعيش في كذبة هو ما يجب أن تسارع للخلاص منه، لكنك لن تتخلص من كذبتك إلا إذا تخلصت أولاً من عقليتك القديمة التي آمنت بالكذبة ذاتها. هذه واحدةٌ من الأفكار التي يمكن أن تتلقاها من الفيلم الفرنسي «الصلاة» (la prière) ضمن ما يؤشر إليه من علاقة الدين بالحياة أو الإيمان بالحرية وموقف الإنسان منها.
يعرض الفيلم معاناة الشباب من فئات عمرية متقاربة من مشكلة الإدمان ببعدها الاجتماعي والمادي. وذلك عبر واقعية روحية بعيدة عن تملق المشاهدين بالتشويق أو العنف، أو الإثارة الرخيصة أو بالدراما الفجة التي تستدر العواطف. إنه فيلم ذو إيقاع هادئ يطرح قضيته ببساطة وشاعرية، وهو ما يجعله أصدق في التعبير عن موضوعه سواء في مستواه الظاهري أو الباطني.
ولم يحل تركيز السرد السينمائي على توما (انتوني باجون) الشخصية المحورية في الفيلم دون إضاءة عدد من الشخصيات الأخرى ليشير إلى الصعوبات التي يجدونها سواء في تجربة الخلاص من إدمانهم والتي تصل إلى الانتحار أحيانًا أو في التعايش مع المجتمع حتى بعد تخلصهم من الإدمان. وهو ما خصص له الفيلم مشهدًا مؤثرًا، توالت فيه شهادات بعض الشخصيات حول تجاربهم.
وبين مشهد وصول توما إلى دار تأهيل المدمنين السابقين، وبين مشهد مغادرته نهائيًا للدار، يتخذ السرد مساره الزمني عبر أشهرٍ معدودة، وبينما يتشكل مكانيًا في أغلب المشاهد في الدار المعزولة ومحيطها من الوديان الشاسعة والجبال، تتنوع المشاهد الداخلية والخارجية عبر تنقلات الكاميرا من حيز إلى آخر، بما يكفي لإضفاء الثراء على الكادرات، وما تحتويه من عناصر ثابتة ومتحركة.
وإذا كان «توما» ابن الضواحي، الذي لم يكمل تعليمه الثانوي قد وجد نفسه في محنة التوقف عن تعاطي المخدر، فإن القوانين الصارمة التي تفرضها الدار على نزلائها ستضاعف هذه المحنة، فلا سجائر ولا مخدرات ولا فتيات. وليس إلا أن يحتفظ النزيل بطاقته للصلاة والعمل بالاحتطاب أو الزراعة أو حفر الأرض وإعادة ردمها لمجرد استنزاف الطاقة.
وهنا تتبدى هشاشة التجربة أمام صلابة المعاناة، إذ لا يبدو «توما» صادقًا في طلب خلاصه، فهو يشارك في الصلوات بالجسد لكن روحه غائبة، هو أيضًا يسرق سيجارةً من زوجة «أوليفييه» التاجر الذي يسكن على مقربة من دار التأهيل ويزودها بما يحتاجه نزلاؤها من المؤن. يدخن «توما» السيجارة خلسةً في خُمِّ الدجاج، وما إن تمر الأسابيع الثلاثة الأولى على وجوده في الدار حتى ينهار، ويصمم على مغادرتها متجهًا إلى البلدة القريبة ليستقل الحافلة إلى «بريتاني» في ضواحي فرنسا. إلا أنه في عالم مليء بالصُّدف التي تغير من مصائر البشر، يأتي فوات موعد الحافلة، وعدم وجود أخرى إلا في الصباح كواحدةٍ من تلك الصدف العجيبة التي يتكئ عليها السرد في تغيير مساره. فأين يذهب «توما» في هذا الليل القارس البرودة؟ سيلجأ إلى منزل «أوليفييه»، وهناك يلتقي مصادفة سيبيل (لويز جرينبرج) ابنة أوليفييه الجميلة التي تسعى إلى فرصة عمل في أسبانيا كباحثة في الآثار. وتفصح اللقطات القريبة والمتوسطة عن إعجابه بالفتاة التي تستطيع إقناعه بالعودة إلى دار التأهيل، ليعاود صراعه في التخلص من الإدمان ولكن بنجاح هذه المرة، في الوقت الذي تنمو فيه مشاعره نحو «سيبيل». إنه الحب، أقوى الدوافع البشرية لعمل المعجزات. لكن حادثًا عارضًا لسقوط «توما» من الجبل، وتوسله للرب بأن ينجيه من الموت، يدفع بالسرد إلى منطقة جديدة من الصراع النفسي للشخصية، إذ يقرر «توما» في لحظة امتنان بنجاته من الموت، أن يصبح كاهنًا، ليعيش في خدمة الرب الذي نجاه. لقد توارى الصراع مع الإدمان ليحل محله صراعٌ جديد بين قراره بالتفرغ للعبادة وبين حبه لسيبيل. فإلى أي خيار يُحسم الصراع: الحب بما يعنيه من الانغماس في الحياة أو التفرغ للعبادة بما تعنيه من العزلة والتصوف والانقطاع عن العالم الخارجي؟ ذلك ما ستقوله نهاية الفيلم. لكن القصة التي تبدو عادية، أنتجت مضمونًا غير عادي بفضل المعالجة الواقعية الروحية للمخرج الفرنسي «سيدريك خان». فالفيلم الذي اتخذ من رحلة علاج توما من الإدمان إطارًا «برانيًا» للسرد، هو في الحقيقة رحلة «جوانية» لاكتشاف علاقة الدين بالحياة والإيمان بالحرية. وهذا المضمون جرى التعبير عنه بشاعرية دعمتها المشاهد الخارجية للأراضي الشاسعة المحيطة بدار التأهيل، التي تبدلت معالمها بتبدل الفصول، من الخضرة الممتدة والأشجار الباسقة إلى المساحات المكتسية بالثلوج، في تكوينات ساحرة نقلتها الكاميرا كلوحات تشكيلية مرسومة بحساسية فائقة. كما عكست اللقطات المتوسطة والقريبة للوجوه، وتوزيعات الضوء والظل التي اختلفت باختلاف الحالة النفسية والزمنية للمشهد حميميةَ المشاعر من جهة، والتناغم بين المشاهد من جهة أخرى، فضلا عن تطور الصراع الداخلي للشخصية المحورية عبر التنقل من عقدة إلى أخرى بنعومة شديدة ملائمة لطبيعة المكان الشبيه بالدير.
وبعيدًا عن أحضان الطبيعة التي يبدو غرام «سيدريك خان» بها واضحًا، فإن أبرز ما يلفت النظر ضمن جماليات الفيلم، غلبة المؤثرات الطبيعية عليه، بما تمثلته من الصلوات وإنشاد الأناشيد واستيعاب أصوات الطيور وتقطيع الأشجار وحركة الأقدام ومحرك السيارة واندفاع المياه من الصنابير وغيرها من المؤثرات، حتى أن المشاهد القليلة جدًا التي احتوت على الموسيقى لم تأت الموسيقى فيها من خارج المشهد، فقد وردت مدمجة ضمن الأحداث لا كتعبيرٍ خارجي عنها، كما حدث في غناء نزلاء الدار وعزفهم على الجيتار، أو في انبعاث الموسيقى من راديو أو كاسيت السيارة عند مغادرة توما للدار. وهو ما يعمق من واقعية الفيلم، ويسهم في اندماج المُشَاهِد بمَشَاهِده، ليتأمل بشفافية المغزى العميق للسرد، ذلك أنه إذا كان الدين يمنحنا القدرة على إصلاح حياتنا أو الاستمرار فيها، فإن ذلك لا يعني أن نلغي حياتنا ولو لصالح الدين نفسه. ويبقى أن الخيار هو أن نعيش بالدين لا أن نعيش له.