الانتحار عادة دخيلة على المجتمعات الإسلامية.. وقلة الوازع الديني أبرز أسبابها

السرعة الخارجة عن الاعتدال ضرب من ضروبه وأعظمها إثمًا –
قتل النفس البشرية من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله ويقع على فاعله وزر عظيم –

هبة الله للإنسان الحياة أسمى الغايات وأجل النعم، ولا يستشعر قيمتها إلا عارف ومصدق يؤمن بالله سبحانه، ويحسن المسير إلى المصير، فحق الحياة هو الحق الذي تبنى عليه بقية الحقوق إذا لا يمكن حفظ باقيها ما لم تكن الحياة مصانة وموجودة متوفرة، والإنسان مطالب بأن يحافظ على حياته التي وهبها له خالقه عز وجل؛ وقد حرّم الإسلام الانتحار الذي هو عادة دخيلة على المجتمعات الإسلامية سببه قلة الوازع الديني.. وقد أفتى سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام للسلطنة أن السرعة الخارجة عن الاعتدال تُعد من الانتحار بل هي أشدُ جُرمًا وأعظم إثمًا منه.. ذلك ما أوضحه الاستطلاع التالي.. وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية في تقرير لها أن شخصاً يقدِم على الانتحار كل 40 ثانية، معتبرة أنه ثاني أسباب الوفاة بين الشباب بعد حوادث الطرق. ودعت المنظمة إلى وضع استراتيجيات وطنية ملزمة لمعالجة الأسباب التي تدفع الناس إلى الانتحار، لافتة إلى أن 38 دولة فقط لديها خطط في هذا المجال. وذكر التقرير أن الانتحار يأتي ثانياً في أوساط الشباب بعد إصابات الطرق. وأكد التقرير التزام الدول الأعضاء في المنظمة بموجب خطة عمل منظمة الصحة العالمية للصحة النفسية 2013-2020 بالعمل من أجل تحقيق الهدف العالمي المتعلق بخفض معدل الانتحار في البلدان بنسبة 10% بحلول عام 2020.

(إشراقات) يستطلع الظاهرة لمعرفة الرأي الشرعي حيالها، وما هو موقف ديننا الإسلامي الحنيف منها؟ وما هي أهم الأسباب لبروزها في بعض المجتمعات أكثر من غيرها؟ وكيف دعا الإسلام الحنيف إلى رفع المعنويات وندد باليأس والقنوط تلافيا عن الوقوع في مثل ذلك العمل المشين؟..
بداية يجيبنا على هذه التساؤلات الشيخ محمد الكريمي راشد إمام وخطيب في جامع أبو بكر الصديق – الوطية بمحافظة مسقط حيث قال: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وكرمه على سائر المخلوقات بالعقل والتفكير، قال سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر).. فحياة الإنسان لها عند الله مكانة عظيمة لأن الإنسان بنيان الله ملعون من هدمه، والإنسان مطالب أن يحافظ على حياته التي وهبها له خالقه عز وجل؛ لذا حرم ديننا الإسلامي الحنيف الانتحار وهو أن يقتل الإنسانُ نفسَهُ، وقد يكون الانتحار متعمداً بقتل النفس بالسكين أو بالسُّمِّ أو بغيره، أو يكون بالامتناع عن الفعل كالإضراب عن الطعام والشراب، أو بأي صورة من صور إزهاق الروح. مبينا: أن الانتحار حرامٌ، لعموم قوله تعالى: (ولا تَقْتُلوا أَنفسَكم إنَّ اللهَ كانَ بكمْ رحيماً)، وقوله سبحانه: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، مشيرا إلى أن الانتحار من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله تعالى ويقع على فاعله وزْرٌ أعظم من وزر الذي يقتل غيره دون حقّ، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَرَدَّى من جبلٍ فقتلَ نفسَهُ فهو في نارِ جهنَّم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومَنْ تَحَسَّى سُمَّاً فَقَتَلَ نفسَه فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نار جَهَنَّمَ خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً، ومَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحديدةٍ فحديدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأ بها في بَطْنِهِ في نار جَهَنَّمَ خالداً مُخَلَّداً فيها أبداً).. فلا يجوز للإنسان أن يعتدي على نفسه بأي شكل من أشكال الاعتداء لأن الحياة ليست في الحقيقة ملكاً لصاحبها، بل هي هبة من الله تعالى، والروح أمانة في يد صاحبها، فلا يحل له الاعتداء عليها، ولذلك اعتبر الإسلام الانتحار جريمة شنيعة، وأن لصاحبه أشد الإثم والعقاب في الآخرة.
وأضاف قائلا: وقد حذرنا الإسلام من اليأس والقنوط والشعور بالعجز والإحباط؛ فإن مثل هذه الآفات تعطل فكر الإنسان، وهذا باب من أبواب الشيطان؛ ولذلك نجد أن القرآن يحث على عدم اليأس قال تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)، فعلى الإنسان أن ينظر إلى الواقع نظرة إيجابية حتى لا يتسلل اليأس إلى نفسه، أو يتملك الحزن والقنوط قلبه، وعليه أن يثق بربه ويحسن الظن به فهو عند حسن ظن عبده به. وأوضح الكريمي أن الإيمان بالله يجعل الإنسان في حصن حصين من وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه). كما أن اليأس لا يعرف إلى قلب المؤمن سبيلاً، والأنبياء هم أشد الناس بلاءً، فقد جاء في الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء». فهذا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد ابتلاه الله بابتلاءات كثيرة فقد ولد يتيماً، وحين بعثه الله تعالى آذاه قومه أشد الإيذاء بالقول والفعل فصبر على كل ذلك صبراً جميلاً، وكان يشتد عليه المرض أكثر من غيره حتى قالت عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله»، وأنبياء الله ورسله ابتلاهم الله بشتى الابتلاءات، وقد أمر الله تعالى رسوله سيدنا محمداً أن يصبر كما صبر إخوانه من الأنبياء فقال جل شأنه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)، وقال تعالى: (ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين)، والعبرة من ذلك إنه ما من أحد في هذه الدنيا إلا وهو مُبتلى، إما بمصائب وبلايا، وإما بمحن ورزايا، وإما بآلام تضيق بها النفوس، أو بمزعجات تورث الخوف والجزع، لأن الله يقول: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، والمؤمن هو الذي يصبر على كل ذلك فليس ابتلاؤه ابتلاء إهانة وتعذيب، لكنه ابتلاء تمحيص وتهذيب، ابتلاء تربية وتقويم وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين. وإن مما يزيد طمأنينة المؤمن ويقوي صبره إذا علم أن الابتلاء فيه تكفير للسيئات ورفع للدرجات وأن الفرج مع الشدة.

عادات دخيلة

من جانبه قال أحمد بن علي الحداد باحث شؤون قانونية بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية: لقد حرص الدين الإسلامي على الحياة البشرية، ونهى عن الانتحار وجعل هذا الفعل المشين من أكبر الكبائر، وتوعد من يقوم به بالعذاب الشديد؛ لأن بالانتحار يكون قتل نفس حرمها الله سبحانه وتعالى وخلقها لعبادته وهي ملك لله ودليل ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ)، والقدوم على الانتحار دليل على ضعف الإيمان، وقلة الوازع الديني، ويعد الانتحار من خطوات الشيطان التي حذر من اتباعها الإسلام، وتوجد كثير من الأدلة التي تجرّم وتحرّم هذا الفعل المشين في القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها وآله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى السلام. مشيرا إلى أن الانتحار يعد من العادات الدخيلة على المجتمعات الإسلامية، لأن الإسلام دين إيجابية وتفاؤل ووسطي ومرن ودستور حياة إلى غيرها من المحاسن والخصائص في هذا الدين الحنيف، وقد جاء القرآن الكريم بالحث على التفاؤل وعدم القنوط والظن بالله ظن الخير، وكذلك سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، لأن المسلم المتفائل دائما يتوكل على الله ويظن به خيرًا وينعكس عليه ذلك بالطمأنينة والراحة مما يجعل من الفرد إيجابيا في مجتمعه وفي مختلف شؤون حياته، والقدوة للمرء المسلم هو المصطفى صلى الله عليه وسلم والذي كان شديد التفاؤل وصحت عنه كثير من الأحاديث التي تعزز هذه الصفة الحميدة في صحابته والمسلمين أجمع ومن هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: «لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل الصالح: الكلمة الحسنة»، وقال أبو هريرة رضي الله عنه في وصفه للنبي صلى الله عليه وسلم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة»، لأن التفاؤل يقيء المسلم من أمثال هذه الأفعال المشينة – الانتحار – والقدوم عليها، فالتفاؤل مقترون بالإيمان بالله عز وجل فقد جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي» وهذا حديث قدسي يدل دلالة واضحة على أن المسلم في كل أحواله أن يحسن الظن بالله تبارك وتعالى وألا يظن بربه إلا خيرًا، وأن يعيش المؤمن بتفاؤل وأمل دائما، والحق سبحانه وتعالى يقول: (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فالإنسان تعتريه ضغوطات ويمر بمراحل ومنعطفات في الحياة صعبة ولكن من يؤمن بالله حق الإيمان ويعلم حقيقة هذه الدنيا يعلم أن الأمر بتدبير حكيم خبير، ويسلم له الأمر من قبل ومن بعد، ويقبل هذه الظروف بقلب مؤمن قوي متسلح بالتفاؤل والأمل بالله الرحيم ومؤمن بأن العلاج يكون فيما أحلّه الله تعالى وليس فيما حرمه، على عكس الذي خلا قلبه مما ذُكر فتجده عند أي مشكلة ينهار لأنه يسيطر اليأس والقنوط على قلبه، فيوسوس له الشيطان بأن في قتل نفسه علاجًا وتخليصًا من المشاكل التي يواجهها في هذه الحياة فيكون بذلك جلب لنفسه السخط في الدنيا قبل الآخرة. فعلى المسلم أن يستشعر معية الرب سبحانه وتعالى فهو اللطيف بعباده، حيث يقول جلا في علاه: (الله لطيف بعباده)، وحسن الظن بالله تطرد لدى الإنسان الأفكار الشيطانية مثل الانتحار والذي هو إحدى نتائج اليأس والقنوط.
وأضاف الحداد قائلا: لا يوجد على الأرض منذ آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ليست لديه مشاكل أو ضغوط أو منعطفات صعبة تمر عليه في هذه الحياة والقوي من يثبت فيها ويسلم أمره لله تبارك وتعالى ويواجه الحياة بقلب مؤمن متفائل وكله أمل بالله العليم، بل الأنبياء وهم خير البرية لم يسلموا من منعطفات صعبة ومراحل مرت في حياتهم صعبة ولكن واجهوها بقلوب مؤمنة متفائلة فلهذا حظوا بتأييد رباني حكيم ومن هذه القصص قصة سيدنا يعقوب وابنه يوسف عليهم السلام، فعندما حزن سيدنا يعقوب على يوسف عليهم السلام إلى أن ابيضت عيناه من شدة البكاء ولم يعد يرى ولكن مازال الأمل معلقا بالله العظيم أن ابنه سيرجع، من هذه القصة نستفيد بأن سيدنا يعقوب عليه السلام كان متفائلا ويظن بربه خيرا فأعطاه الله سبحانه وتعالى ما تمناه، أما سيدنا يوسف عليه السلام كان تقيًا نقيًا فجازاه ربه بفتح عظيم، وكذلك سطر التاريخ الإسلامي الحافل كيف واجه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم ومن تبعهم بعد ذلك العقبات والمنعطفات التي واجهتهم فكان سلاحهم هو ظنهم بربهم خيرًا، وأنهم متفائلون ويسودهم الأمل، ويعود ذلك لعدة أسباب ومن أهمها أن القلوب عامرة بالإيمان، ومحسنة الظن بالله سبحانه وتعالى ومتعلقة به، وأنهم يعيشون بجناحي الخوف والرجاء، ومؤمنة بالقضاء والقدر، والصبر، والتوكل على الله تبارك وتعالى وغيرها من الأسباب التي تساعد في شحذ الإيجابية وطرد السلبية والأفكار الشيطانية، فلهذا يمكن القول إن الانتحار عادة دخيلة على المجتمعات الإسلامية ولا ريب أن هناك عوامل ساهمت في دخول مثل هذه العادة السيئة في المجتمعات، ويعود ذلك لعدة أسباب لكن أهم هذه الأسباب هو قلة الوازع الديني.

صيانة النفس

أما خميس بن سليمان المكدمي فيقول: من نعم الله سبحانه وتعالى الغامرة التي لا يمكننا أن نؤدي شكرها أن تفضل علينا ومنّ علينا بنعمة الحياة، والأنفاس التي تتردد وتنبض بها قلوبنا وتسير بها أرواحنا، فهبة الله للإنسان الحياة أسمى الغايات وأجل النعم، ولا يستشعر قيمتها إلا عارف ومصدق يؤمن بالله سبحانه، ويحسن المسير إلى المصير، فحق الحياة هو الحق الذي تبنى عليه بقية الحقوق إذا لا يمكن حفظ باقيها ما لم تكن الحياة مصانة وموجودة متوفرة، لأجل ذلك جاء القرآن الكريم داعيا للحفاظ على النفس ومحذرا كل التحذير من التطاول عليها بالتعدي أو إيذائها ورتب على قتلها وإزهاقها صارم الأحكام وأقسى العقوبات، ولنا في كتاب ربنا وسنة نبينا ما فيه دليل واضح بين على ذلك قال تعالى: (مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)، ويقول عز من قائل: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصاصُ فِي القَتلَى الحُرُّ بِالحُرِّ وَالعَبدُ بِالعَبدِ وَالأُنثى بِالأُنثى فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أَخيهِ شَيءٌ فَاتِّباعٌ بِالمَعروفِ وَأَداءٌ إِلَيهِ بِإِحسانٍ ذلِكَ تَخفيفٌ مِن رَبِّكُم وَرَحمَةٌ فَمَنِ اعتَدى بَعدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَليمٌ)، ولأن للنفس قيمتها، ومكانتها وقدرها فإنه ينهى نهيا قطعا عن تعمد إتلافها وقتلها عن قصد الانتحار، فنفس الإنسان التي بجنبه ليست ملكا له حتى يعمد إليها فيزهقها ولا توجد أي أسباب تجيز هذا الأمر وتبرر هذا الصنيع، ولا يمكن للإنسان أن يتخذ الظروف المادية أو الشخصية والعائلية ذريعة كي يزهق روحه ويقضي على نفسه وإنما مآل من صنع ذلك عذاب دنيوي وآخر أخروي إذا لقي الله – سبحانه وتعالى.
وأردف قائلا: حرص الإسلام على هذه النفس أنه لم يبال بتعدد الفاعلين في الجريمة الواحدة فلو أن مجموعة من الناس التقت على دم مسلم فقتلته لتم قتل تلك المجموعة بأكملها فالدماء مصونة ويؤيد ذلك ما روي عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبَي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الْأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لَأَكَبَّهُمْ اللَّهُ فِي النَّارِ).
وإنما أكبهم الله في النار لأنهم تمالؤوا على قتله واجتمعوا على سفك دمه وإزهاق روحه وفي حديث ثالث: «من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله» وإنما آيس من رحمة الله – عز وجل – لقبيح صنعه وعظيم جرمه ومن ذا الذي يقوى على إزهاق نفس ركبها الله في بدن صاحبها، أوليس ذلك من ورطات الأمور التي لا ينبغي لعاقل أن يزج بنفسه فيها.. وفي هذا المقام يشار إلى كثرة الوفيات التي تحصل بسبب السرعة وتؤدي إلى خراب بيوت وشتات أسر وضياع مجتمعات ما ينتج عن السرعة الجنونية، وعدم التقيد بقوانين المرور والتي تخلف في نهاية المطاف ضحايا طريق لم يكونوا يظنون بأن نهايتهم ستكون على أيادي الطائشين الذين لا يقيمون للحياة قيمة وللروح قدرا ولقد أجاد سماحة شيخنا الخليلي وأحسن بعده السرعة القاتلة ضربا من الانتحار ينال صاحبها البوار والخسران في هذه الدار وكذا الحياة الدنيا فمن مقتطع فتوى له يقول وهو الداعي إلى حفظ الأرواح وصونها من التلف والعطب «السرعة الخارجة عن الاعتدال تُعد من الانتحار بل هي أشدُ جُرمًا وأعظم إثمًا من الانتحار».
وأوضح المكدمي: إن قيمة حياة الإنسان إنما تتمثل في الحفاظ عليها وصيانتها من كل ما يؤدي إلى إتلافها وهلاكها كما ويتمثل في تنشئتها وتنميتها، والرقي بالإنسان في مختلف التنمية البشرية، وليس أفسد على الإنسان من تناحر يورث العطب، وفناء يورث البوار، وتستحيل فيه الحياة إلى نار وجحيم، وهل جلب البلاء والشقاء واختلال المجتمعات الإنسانية إلا ما نراه من القوى الطاغية المستبدة التي تهلك الحرث وتقطع النفس وتعيث في الأرض الفساد، هذا ولم تعش النفوس البشرية أحسن عصرا من عصر الإسلام الذي كرّم الإنسان وأعلى مكانته وشأنه، ورفض رفضا قاطعا أن تستباح الحرمات، وتنتهك الأعراض، وعلى ذلك فحينما يقام عدل الله الصادق وينشر العدل والتسامح بين الناس فإنه سيكون ذلك دافعا لحقن الدماء وصيانة الأرواح والرقي بالإنسان بعيدا عن الحيف والظلم والعدوان.