بالأخــلاق تُبنــى الأمــم

د. أمل الشنفرية –
أرسل الله سبحانه تعالى الأنبياء والرسل لتهذيب النفس البشرية وتخليصها من شرورها، ولينشروا الحب والتسامح والأخلاق الحميدة بين البشر، وكما قال رسول البشرية جمعاء سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم-: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، (وإنما بعثت معلماً). إن لب رسالات الأنبياء والرسل هو الخلق الحسن، وكما قال رسولنا الكريم: (ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن).
تبنى الأمم والشعوب وتتحضر بالأخلاق الحميدة، التي تصقل الضمائر، وتجبل أبناءها على البذل والعطاء، مترفعين عن صغائر الأمور من أجل السعي إلى الخلود عبر الارتقاء بالنفس والأوطان، فإن فقر الشعوب لا يكمن في مصادرها المادية، إنما يكمن في أخلاقها وقيمها. فأخطر أزمة على مستقبل أي أمة هي تعرضها لأزمة في مُثلها، وقد لخص الشاعر أحمد شوقي ذلك في بيت شعر واحد بليغ ذلك:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
تمر الأمم بأزمات اقتصادية شتى تعصف بها وبالتأكيد ستتخطاها بسواعد أبنائها المخلصين، ولكن الأزمة إذا ما حلت بأخلاق أبنائها ومُثُلهم الأصيلة فلا محالة أنها أمة مندثرة هالكة. فالأزمات الاقتصادية يمكن تجاوزها بتكاتف أفراد الأمة وتكافل أفرادها، ونبذ الأنانية وحب الذات، والعصبية القبلية والعائلية، والمحافظة على مصادر الأوطان وثرواتها، لتصل سفينة الحب الصادق، والتفاني من أجل الوطن مزينة بلآلئ القيم والمثل مهما اعترضتها رياح عواتٍ وأمواج كاسرة مرفرفة بصواريها الشامخة كشموخ جبالها الرواسي إلى شواطئ العزة والرفعة لا محاله، فأمة الأخلاق خالدة ما بقيت مُثُلها وأخلاقها. فإن التشبث بالرواسخ والثوابت التي أتت بها الأديان ونادى بها الرسل هي السبيل الأوحد لبقاء الأمم وحضاراتها لتسطر تاريخ مضيء للبشرية.
فالأخلاق عنوان الشعوب، وأساس الرقي الحضاري للأمم، فهي النهضة الحقيقية التي تقوم عليها المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني، حيث تُبنى عليها الركائز في تنظيم العلاقات مع الآخرين، والالتزام بالحقوق والواجبات تجاه الأفراد وتجاه الوطن. فالأخلاق هي التي تعصم المجتمعات من الانحلال وتصون الحضارات من الضياع. فلكي تنهض الأمم لا يكفي أن يكون لديها دستور أو قانون بل يجب أن يرتبط كل هذا بوعي مجتمعي وتوحد حول هدف البناء والعطاء من أجل التنمية بجميع جوانبها، محصن بالأخلاق الرفيعة الذي يبدأ بتعليم النشء على أسس وقواعد ثابتة وغرس الأخلاقيات الحميدة، وأن تتكاتف كل وسائل المجتمع لدعم الهدف الأسمى لتسير عجلة التنمية في مسارها الصحيح وتتحقق طموحات أبنائها.