نيويورك تايمز : هل يتعلم الديمقراطيون والجمهوريون من أخطاء 1998؟

في مقالة للرأي بصحيفة النيويورك تايمز قال الكاتب الأمريكي بريت ستيفنز: أنتمي إلى جيل شهد حقبة كان الجمهوريون فيها حريصين على مسائل الفضائل الشخصية والاستقامة العامة المعلنة، ولم يكن الرئيس الأمريكي الديمقراطي الأسبق بيل كلينتون مثالا لأي منهما.
وفي عام 1998 تعرض كلينتون لتوجيه اللوم إليه بغرض عزله من منصبه من جانب مجلس النواب الأمريكي الذي كان يسيطر عليه الحزب الجمهوري بالأغلبية، لكنه نجا من تلك الأزمة، بل وكاد أن يعاد انتخابه لفترة ثالثة لو كان الدستور الأمريكي يسمح بذلك. وكانت هناك أسباب ثلاثة وراء إمكانية إعادة انتخابه أولا: تجاوزات خصومه، وثانيا: اقتصاد البلاد الذي كان في حالة جيدة، وثالثا: أن مؤيديه كانوا إما يتسمون بالإبداع أو الجرأة في مواجهة ارتكاب سلوكيات ما كانوا ليغفروها لو أنها وقعت من خصومهم الجمهوريين.
ومن هنا فمن الصعب استبعاد تشابه تلك الحلقة من التاريخ مع ما يحدث اليوم في قضية الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب. وبشأن تجاوزات خصوم كلينتون، ففي ذلك العام 1998 لم يكن الجمهوريون يعارضون سياساته فحسب، بل كانوا يكرهونه، تماما كما يكره الديمقراطيون ترامب اليوم، وكان بث الإذاعة- الموالية لليمين في ذلك الوقت، له نفس تأثير تغريدات تويترـ المنتمي لليسار – اليوم.
وقد لعبت كراهية كلينتون دورها في التحقيق الذي جرى مع كلينتون بشأن بعض المخالفات والصفقات في بلد تمرس مواطنوه على فضائح رؤسائهم وهو ما يجلب إلى الذهن تحقيق مولر بشأن ترامب. ثم جاء الكشف عن شخصية مونيكا لوينسكي وإنكار كلينتون، على نحو مخالف للحقيقة، علاقته بها ومراوغاته اللفظية، ثم اعترافه المخزي بتعسفه في استغلال سلطاته لمصلحة مكسب سياسي، على غرار الهجوم الأمريكي على مصنع للأدوية في العاصمة السودانية الخرطوم حيث تم تدميره بعد معلومات استخباراتية مضللة بعد أيام من اعترافه بفضيحة لوينسكي.
وفجأة اعتقد الجمهوريون – كما فعل الديمقراطيون اليوم – أنهم كشفوا عن فضيحة يمكن للأمريكيين أن يتفهموها، وحتى لو اعترف الرئيس بسلوكه المخالف، فماذا يمكن أن يكون أكثر وضوحا من ذلك؟، لكن، وبينما تفهم غالبية الأمريكية واستنكروا تلك المخالفة، لكنها عارضوا فكرة معاقبة الرئيس، فلم يريدوا قلب نتائج الانتخابات الرئاسية، التي كانت لصالح الديمقراطيين، استنادا إلى تصويت حزبي ثأري من جانب خصوم كلينتون الجمهوريين. كما أن الشعب عرف شخصية رئيسه الذي انتخبوه، وغضوا الطرف عن عيوبه، كما وجدوا أن تلك العيوب أرحم كثيرا مما كان سيحمله لهم الحزب الجمهوري. وكان هذا أيضا حكما غير عادل على الحالة المزاجية للشعب، فقد كانت الرؤية السائدة من قبل الجمهوريين في ذلك الوقت، على غرار ما لدى الديمقراطيين اليوم، أن الدولة في حالة سيئة للغاية، وقد حذر الخبراء من أن أداء الاقتصاد متراجع وأنه يتجه نحو الركود. ويعتقد العديد من المحافظين الديمقراطيين أن الشوارع الأمريكية سيملأها المجرمون من نوع جديد يسعون للقضاء على المظاهر الحضرية في الولايات المتحدة.
لكن الواقع خلاف ذلك، وقد كان العقد التسعيني هو تتمة القرن العشرين، وكان الاقتصاد منتعشا، وجميع المؤشرات الاجتماعية تقريبا جيدة من البطالة إلى حمل المراهقات إلى جرائم العنف، لكن خصوم كلينتون لم يريدوا أن يروا ذلك بسبب كراهيتهم له.
واليوم فقد وصل معدل البطالة إلى 3.5% وهو الأقل في غضون 50 عاما، ورغم تراجع بعض المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، لكن ما لم تتغير هذه الأرقام بالاتجاه نحو سيناريو أسوأ في العام المقبل، كما حدث بالنسبة للرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون خلال فضيحة «ووتر جيت»، فمن غير المحتمل أن يتحد مزاج الأمريكيين نحو الانتقام من الرئيس.
وفضلا عن ذلك هناك التأييد الحزبي للرئيس، والتعامل بتوازن، وببراعة في آن واحد، في الاتجاه نحو معارضة بعض سياساته حتى من داخل حزبه.
وكما فعل الليبراليون «من الجمهوريين» مع كلينتون، وكما يفعل المحافظون «من الديمقراطيين» مع ترامب، فإن آراءهم الأخلاقية تحولت إلى آراء مرتبطة بالمواقف وبالمصالح الحزبية وهو ما يمكن أيضا أن يساعد الرئيس.
لكن هذا لن يساعد الدولة، كما لن يساعد المصالح طويلة الأجل للحزب، فالكثير من دفاع الديمقراطيين لم ينفعهم، بل لقد أدى إلى نتيجة عكسية استغلها الجمهوريون ضدهم، ومن ثم فهناك ميزان أخلاقي يقع بين الجرائم الكبرى والمخالفات الأدنى وبين الخدعة الراهنة بشأن دعم ترامب فيما يفعله أيا كان من جانب مؤيديه بالحزب. وهنا يأتي ميزان التصويت على توجيه اللوم لترامب من جانب الكونجرس أو التحدي الأساسي له ومدى إحساسه بمكانة منصبه وواجبه تجاهه، وإلا فمن عساه أن يفسر أن الرئيس ترامب يطلب من قادة أجانب أن يحققوا في قضايا تمس خصومه السياسيين بما يحط من قدر منصبه ويقدم سابقة سيشعر جميع الأمريكيين، من مختلف الانتماءات الحزبية، بالأسف لها.