متحف محمد عبدالوهاب.. زوايا تختزل تاريخ الفن المصري

القاهرة، العمانية: عندما تكون في القاهرة تحتار أين تذهب، فالمدينة متحف مفتوح للزوار، بدءا من المشي على نيلها العظيم وليس انتهاء بالمتاحف المتخصصة. ومن بين الأماكن التي يمكن لمحبي الفن والموسيقى زيارتها متحف موسيقار الأجيال الفنان محمد عبد الوهاب الموجود في معهد الموسيقى العربية.
والمعهد سابق على المتحف حيث تعود فكرة إنشائه إلى عام 1914 حيث كان لدى القاهرة رغبة لحفظ الموسيقى العربية التي كانت تعاني الكثير من التراجع.
وفي السادس والعشرين من أكتوبر من عام 1923 افتتح الملك فؤاد الأول معهد الموسيقى العربية في مبنى خاص في ميدان رمسيس وحمل المعهد في ذلك الوقت اسم «المعهد الملكي للموسيقى العربية». ويمكن للزائر أن يجد بعضا من تفاصيل حفل الافتتاح حيث غنى محمد عبد الوهاب قصيدة للشاعر الكبير أحمد شوقي هي قصيدة «في الليل لما خلي» وهناك برنامج الحفل وبعض النوتات الخاصة بحفلات تلك المرحلة الملكية.
وعقد في المعهد في عام 1932 أول مؤتمر للموسيقى العربية اجتمع فيه عشرات الموسيقيين من العالم العربي ومن الشرق عموما وأحضروا معهم آلات عزفوا عليها في حفلات مصاحبة للاجتماع وما زالت موجودة حتى اليوم في المعهد حيث تم اكتشافها عند ترميم المعهد وتم إعادة ترميمها هي الأخرى ويمكن للزائر أن يستمع إلى أصوات كل آلة من الآلات الموجودة بشكل واضح جدا وبأحدث التقنيات الصوتية. قبل هذا التاريخ بعام كامل كان الطالب محمد عبد الوهاب قد التحق بالمعهد. سيصبح ذلك الطالب لاحقا أحد أشهر الموسيقيين في العالم العربي ويحمل لقب موسيقار الأجيال. لكن محبي عبد الوهاب سينتظرون طويلا وإلى عام 2002 حتى يستطيعوا التعرف عن قرب عن تفاصيل حياته ومسيرته الفنية ويرون مباشرة الهدايا التي حصل عليها وكذلك الأنواط والنياشين التي توجت بها مرحلته الفنية. ففي هذا العام افتتح في الطابق الثاني من المعهد متحف خاص بعبد الوهاب اعترافا بمكانته الكبيرة في الموسيقى العربية وتخليدا له باعتباره أول من غنى في المعهد من الرجال «كانت أم كلثوم أول من غنت من النساء».
ينقسم المتحف إلى ثلاثة أقسام الأول يؤرخ للمراحل التي مر بها الفنان محمد عبد الوهاب والقسم الثاني للنياشين والأنواط التي حصل عليها، والقسم الثالث يضم غرفته الشخصية ومكتبه الذي كان يبدع فيه أعذب الألحان. في طريقك للصعود للطابق الثاني إلى حيث المتحف لن تفوتك رؤية جماليات المبنى الذي يكتسي من الداخل بالأخشاب الجميلة المتداخلة مع الآلات الموسيقية العتيقة التي جمعها المعهد من مختلف الثقافات الموسيقية حتى أعطته فضاء يشعرك أنك في مكان ابداعي استثنائي. ويقابلك مباشرة عند باب الدخول على اليمين مجسم لغرفة الراحل تكاد تكون طبق الأصل من غرفته الأصلية. ويقول المشرف على المتحف أحمد سامي إن زوجة الراحل نهلة القدسي تعاونت مع المعهد منذ اللحظة التي بدأت فيها الفكرة ولذلك حصلنا عن طريقها على الكثير من مقتنياته الشخصية ومقتنيات غرفته من أجل أن تكون في المتحف وتعطيه طابعا أقرب إلى الواقع. وعلى يسار باب الدخول هناك غرفة صغيرة مغطاة بحاجز زجاجي شفاف. وخلف هذا الحاجز يرى الزائر خنجرا عمانيا معلقا هو هدية من السلطنة للفنان الكبير.
وعلاقة الفنان بالسلطنة علاقة أصيلة وامتدت لسنوات. وعبد الوهاب هو من لحّن نشيد عام الشبيبة أحد أشهر الأناشيد العمانية في مرحلة الثمانينات من القرن الماضي.
وسيجد الزائر أن من بين مقتنيات المتحف الوسام الذي منحه حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله ورعاه، لموسيقار الأجيال وهو «وسام عمان» من الدرجة الأولى وبجانبه البراءة السلطانية المصاحبة للوسام وتسلم عبد الوهاب الوسام في القاهرة عام 1984. لكن وسام عُمان ليس الوسام الوحيد الذي حصل عليه عبد الوهاب وعلق في المتحف فهناك قلادة الجمهورية التي منحها الراحل جمال عبد الناصر للفنان، وهناك وشاح النيل الذي منحه إياه الرئيس حسني مبارك وهناك أوسمة من دول عربية كثيرة تؤكد المكانة التي كان يتمتع بها لدى الشعوب العربية.
وفي المتحف ورقة مطبوع عليها نشيد «دعاء الشرق» وهو من كلمات محمود حسن إسماعيل وموسيقى وإنشاد محمد عبدالوهاب وهي الورقة الأصلية التي أنشد منها عبدالوهاب ويجد الزائر عليها بعض التعديلات بقلمه لبعض الكلمات.
ونشيد «دعاء الشرق» من الأناشيد الشهيرة جدا يقول مطلعه «يا سماء الشرق طوفي بالضياء.. وانشري شمسك في كل سماء» والنشيد مفعم بالأمل أن ينهض العالم العربي ويستعيد أرضه المحتلة خاصة أنه جاء بعد احتلال فلسطين.
ومن بين مقتنيات المتحف الثمينة أيضا صورة للفنان محمد عبدالوهاب والفنانة أم كلثوم وفوقها عنوان «لقاء السحاب» وهو لقاء مؤرخ بعام 1964 ولقاء السحاب هو لقاء الفنانين في أغنية «إنتَ عمري».
كما يجد الزائر للمتحف كذلك تفاصيل الأفلام التي شارك فيها الفنان محمد عبدالوهاب في السينما المصرية. ورغم أن المتحف يعطي أحيانا إشارات مقتضبة عن تفاصيل كبيرة وواسعة لكنه يستطيع أن يشعل الذاكرة والمخيلة كما هو الحال في موضوع « لقاء السحاب» وكما هو الحال في أفلامه حيث يستطيع بوستر عمره أكثر نصف قرن أن يجعل الزائر يستعيد تفاصيل فيلم كامل. ويجد الزائر البيانو الذي كان يعزف عليه عبدالوهاب وكذلك العود الذي نقش عليه بعض الكلمات.
وإذا كانت جنازة الرئيس جمال عبدالناصر والفنانة أم كلثوم من بين أكبر الجنازات في العالم وليس في مصر والعالم العربي فقط فإن الصور التي يعرضها المتحف لجنازة عبدالوهاب ليست بسيطة. حيث توضح الصور عشرات الآلاف يحضرون جنازته المهيبة ويودعونه إلى مثواه الأخير وكتب تحت الصورة «إذا أرضى الفنان فنه أولا قبل إرضاء الجمهور فإن فنه يعيش وهو ميت» وكان الفنان الكبير قد رحل عن عالمنا في الثالث من مايو من عام 1991 وأجريت له جنازة عسكرية بقرار من رئيس الجمهورية في ذلك الوقت.