من جونسون إلى ترامب.. عزل الرئيس بين النظرية والتطبيق

هناء دكروري –

فى القرن الثامن عشر أكد صامويل آدامز أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية أن «لا أكثر الدساتير حكمة و لا أكثر القوانين فاعلية بإمكانها ضمان الحرية والسعادة لشعب يتسم سلوكه بالفساد. ولذلك فإن الصديق الحقيقي للحرية وصالح البلاد هو ذلك الذي يستخدم سلطاته ونفوذه للحيلولة دون تولي شخص لا يتسم بالحكمة والفضيلة منصبا قياديا».
ولكن ماذا لو «سبق السيف العذل» وتولى شخص غير مؤهل رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية أو أنه «تلوث» وارتكب أخطاء فادحة بعد جلوسه على الكرسي؟
الآباء المؤسسون لم يكن ليغفلوا ذلك الأمر،وكأنهم كانوا يتنبأون بما ستحمله الأيام من تطورات صادمة تصل إلى حد تنصيب دونالد ترامب المثير للجدل والذهول في آن رئيسا لأمريكا. وفي المؤتمر الدستوري الذي عقد فى فيلادلفيا في عام 1787 صوتت الأغلبية لصالح منح الكونجرس حق عزل الرئيس الأمريكي في حالة ارتكابه «الخيانة،الرشوة أو أي جرائم كبرى أخرى أو جنحة ». ولم يناقش الآباء المؤسسون بالتفاصيل ماذا تعني تحديدا تلك العبارة، ربما ظنا منهم أنها واضحة ولا تحتمل اللبس،وبالتالي لا يتضمن الدستور الأمريكي تعريفا واضحا «للجرائم الكبرى وجنحة» ولكن تلك العبارة «الواضحة «من وجهة نظر الآباء المؤسسين خضعت ولا زالت تخضع للتفسيرات والتأويلات،وهو ما يجعل العزل استنادا لتلك الاتهامات صعبا.
من أين جاءت فكرة العزل؟..يشير المؤرخون إلى أن الولايات المتحدة «استوردت « فكرة العزل من «التاج البريطاني». ففي القرن الثالث عشر وبينما كان البرلمان البريطاني في مراحله الأولية، وافق الملك على أن يكون البرلمان الجهاز التشريعي للمملكة الممتدة الأطراف ولكنه كثيرا ما كان يحبط البرلمان ويحد من صلاحياته بتعيين مسؤولين وإداريين موالين لجلالته وليس للبرلمان. وعادة ما كان يتورط هؤلاء في جرائم شائنة كالرشوة والابتزاز والاختلاس. ونظرا لحتمية رجوع الملك إلى البرلمان في أي قرار يتعلق بالحصول على الأموال،نجح أعضاء البرلمان في انتزاع سلطة رفع دعاوى قضائية ضد القضاة والمسؤولين الفاسدين منه. وكان مجلس النواب يقوم بتوجيه الاتهامات في حين تعقد المحاكمة في مجلس اللوردات.وقد تم نقل تلك الإجراءات بأكملها إلى مجلسي النواب والشيوخ عند كتابة الدستور الأمريكي.
إجراءات العزل معقدة..
فعندما نقل الآباء المؤسسون فكرة «عزل المسؤول الفاسد» من المملكة المتحدة إلى الولايات المتحدة لم يكن الغرض «العقاب» بل ببساطة الحفاظ على الدولة وحمايتها عن طريق التخلص من «المسؤول» الذي يهدد الحرية.ومع ذلك لم يتم أبدا الاستخفاف بالعزل أو التعامل معه بوصفه أمرا يسيرا هينا، بل توقع الكسندر هاميلتون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، أن يثير حالة من التوتر والغضب في المجتمع،ويؤدي إلى الانقسام بين أفراده ما بين مؤيد ومعارض للمتهم لينضم كل فريق منهم إلى الفصائل الموجودة مسبقا،وتستدعي كل العداءات والانحيازات والتأثيرات والمصالح. ويحذر هاميلتون في أحد مقالاته دفاعا عن الدستور الجديد،من أن الخطر الأكبر في مثل تلك الحالة هو أن يتم «ضبط» قرار العزل وفقا للتأثير النسبي للأحزاب وليس اعتمادا على القرائن التي تثبت الإدانة أو تنفيها. وفي محاولة لتفادي وقوع مثل ذلك الأمر نص الدستور الأمريكي على مجموعة من الخطوات والإجراءات تجعل مسألة العزل أمرا معقدا يقارب الاستحالة. وفيما يلي الخطوات المعتمدة:
– يقدم أحد أعضاء مجلس النواب قرارا بالعزل – يصدر رئيس مجلس النواب توجيهات للجنة القضائية بمجلس النواب (أو لجنة خاصة) بعقد جلسة استماع حول القرار لتحديد ما إذا كان سيطرح للتصويت في مجلس النواب ومتى سيجرى التصويت
– موافقة اللجنة القضائية على القرار يجب أن تكون بأغلبية بسيطة.
– في حالة موافقة اللجنة القضائية ينتقل إلى مرحلة التصويت داخل مجلس النواب بكامل أعضائه.
– إذا صوتت الأغلبية البسيطة داخل مجلس النواب بالموافقة على بند العزل، يتم عزل الرئيس.
– بعد ذلك تنتقل الإجراءات إلى مجلس الشيوخ حيث تعقد «محاكمة» لتحديد ما إذا كان الرئيس قد ارتكب جريمة أم لا. ولا يوجد إجراء محدد لكيفية إدارة المحاكمة فذلك متروك لقيادة مجلس الشيوخ.
– يلعب أعضاء مجلس النواب أدوار «المديرين» في المحاكمة الى تجرى بمجلس الشيوخ ما يماثل دور المدعي العام في المحاكمات الجنائية حيث يتولون تقديم أدلة الإدانة أثناء المحاكمة.
– يمثل الرئيس محام أثناء المحاكمة
– يترأس المحاكمة رئيس المحكمة العليا الأمريكي – يستمع أعضاء مجلس الشيوخ للأدلة المقدمة ثم مرافعات الجانبين ثم يرفعون الجلسات للمداولة.
– يجتمع أعضاء مجلس الشيوخ للتصويت على ما إذا كان الرئيس مذنبا أم بريئا فيما نسب إليه من جرائم.
ويتطلب أصدار حكم بإدانته تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.وفي حالة الإدانة يعزل من منصبه ويتم تنصيب نائب الرئيس الأمريكي رئيسا للبلاد. حكم مجلس الشيوخ بإدانة الرئيس لا ينطوي على أي عقوبة قانونية وإنما يقتصر على عزله من منصبه. ومن بين 75 فترة رئاسية، واحدة فقط انتهت بمغادرة الرئيس لمنصبه لسبب آخر غير الوفاة، وتتعلق بالرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون،والذي لم يتم عزله كما قد يعتقد البعض بل استقال بعد أقل من عامين من بداية فترته الرئاسية الثانية، تفاديا لإتمام إجراءات عزله والذي كان مؤكدا ووشيكا. ففي 29 يوليو 1974 صوت 28 عضوا من بين 38 عضوا من أعضاء اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب الأمريكي لصالح قرار عزل الرئيس بتهمة سوء استغلال النفوذ، بما فى ذلك أعضاء ينتمون للحزب الجمهوري الذي ينتمى إليه نيكسون،فيما اعتبر مؤشرا لتزايد احتمالا تصويت مجلس النواب بأغلبية كبيرة لعزله. وفى 5 أغسطس،أي بعد حوالي اسبوع واحد،تفجرت فضيحة شريط التسجيل الذي يثبت أن نيكسون سعى للتغطية على تورط حملته الانتخابية لفترة ثانية في التنصت على مقر الحملة الانتخابية للديمقراطيين في ووترجيت في عام 1972.وفي ضوء ذلك،تبخرت فرصه للنجاة من الإدانة في محاكمة بمجلس الشيوخ،فقدم استقالته في 9 أغسطس 1974.وهكذا ورغم انه لم يتم عزله فعليا،إلا انه أزيح من منصبه بالتهديد بالعزل!. وللمفارقة،نجا الرئيسان الوحيدان اللذان اتخذت إجراءات لعزلهما،وصوت مجلس النواب الأمريكي بالفعل لصالح عزلهما،من الإطاحة بهما من منصبيهما. الرئيسان هما اندرو جونسون في عام 1868 وبيل كلينتون 1998،والاثنان ينتميان للحزب الديمقراطي.ويصف المؤرخون الرئيس الأسبق أندرو جونسون بأنه كان شخصا «متعصبا ديماغوجيا» غير مؤهل لتولى منصب الرئاسة في فترة عصيبة كتلك التي أعقبت اغتيال الرئيس ابراهام لنكولن (الذي كان جونسون نائبه). وقد بدأت الإجراءات ضد جونسون في 24 فبراير 1868 عندما قرر مجلس النواب الأمريكي عزل الرئيس الأمريكي السابع عشر من منصبه على خلفية اتهامات بـ«جرائم كبرى وسوء سلوك» تم تفصيلها في 11 بندا. وتركز الاتهام الرئيسي على انتهاك جونسون «قانون مدة المنصب» بإقالته وزير الحرب إدوين ستانتون وذلك على الرغم من أن «قانون مدة المنصب « الذي صدق عليه الكونجرس في مارس 1867،رغم اعتراض جونسون،كان يهدف بالأساس لحماية ستانتون. وصوت مجلس النواب بالأغلبية لصالح عزل جونسون في 3 مارس 1868 ونقلت الإجراءات إلى مجلس الشيوخ الذي بدأ محاكمة الرئيس بعد تصويت مجلس النواب بثلاثة أيام. وبعد سلسلة من الجلسات فشل مجلس الشيوخ في إدانة جونسون إذ لم يحقق التصويت أغلبية الثلثين المطلوبة.ويرى المحللون أن إجراءات عزل ومحاكمة جونسون كان لها آثار سياسية مهمة على ميزان القوة بين الجهازين التشريعي والتنفيذي. فقد عززت مبدأ أنه لا ينبغي للكونجرس عزل رئيس من منصبه لمجرد الاختلاف حول السياسات أو أساليب إدارته للحكم.كما أنها ساعدت على الحد من التأثير الرئاسي على السياسات العامة.وقد بدأت إجراءات عزل بيل كلينتون،الرئيس الثاني والأربعين للولايات المتحدة،في 8 أكتوبر 1998 بتهمتي الحنث بالقسم وعرقلة العدالة وذلك بعد قيام باولا جونز برفع دعوى قضائية ضده تتهمه فيها بعد التحرش الجنسي فضلا عن صدور «تقرير ستار» الذي يكشف تفاصيل تورط كلينتون في علاقة مع مونيكا لوينسكي المتدربة بالبيت الأبيض، فيما اشتهر بفضيحة «مونيكا جيت». وفي ديسمبر صوت مجلس النواب لعزل كلينتون لتبدأ المحاكمة في مجلس الشيوخ في يناير 1999 إلا انه تمت تبرئة كلينتون في فبراير بعد فشل مجلس الشيوخ في الحصول على أغلبية الثلثين من الأصوات لإدانته. ويرى كثيرون أن تورط كلينتون في فضيحة جنسية أو حنثه بالقسم لا يرقى لمستوى «جرائم ضد الدولة» ولا يعد تهديدا للحريات وبالتالي فان المساعي لعزله جاءت لأغراض حزبية بحتة من جانب الجمهوريين. نفس تلك الأغراض هي ما تدفع الديمقراطيين منذ سيطرتهم على مجلس النواب في اعقاب انتخابات الكونجرس 2018 إلى السعي لعزل الرئيس دونالد ترامب(الجمهوري) على خلفية التورط الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 وتحثهم حاليا على محاولة الإسراع ببدء إجراءات العزل على خلفية فضيحة أوكرانيا وذلك في محاولة لتوجيه ضربة قاضية لترامب والتأثير على شعبيته قبل انتخابات 2020.