لماذا السلطنة «صفر» إرهاب ؟

بحثا عن السياق التاريخي وتحليله –
تحقيق : مُزنة بنت خميس الفهدية –

تصنيف السلطنة بأنها دولة خالية من الإرهاب أو «صفر» إرهاب وأنها النموذج الأفضل في التعايش السلمي بين المذاهب، يطرح سؤالا لماذا هذا «الصفر» ولماذا عُمان بالتحديد رغم أنها وسط منطقة مشتعلة بالأحداث وهي أحداث أنتجت إرهابا وإرهابيين ليس منذ سبعينات القرن الماضي عندما بدأ مد الجهاد إلى أفغانستان بل قبل ذلك بعقود طويلة. وهل هذا «الصفر» طارئ على إنسان عُمان أم أنه راسخ عبر التاريخ. وأسئلة جوهرية لا بد من البحث وراءها واستقصائها ومحاولة تأصيلها لمزيد من الفهم.
يمكن أن نرصد أقدم وثيقة متوفرة لدينا ويؤكد العلماء صحتها ودقتها وهي حديث لرسول الله يرويه الصحابي الجليل أبو برزة رضي الله عنه حين يقول:«بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى حي من أحياء العرب، فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبره.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك» وهو حديث صحيح رواه مسلم. ومنذ هذا الأثر لا يمكن أن يجد أي باحث نصا كتبه الرحالة والجغرافيون ممن زار عُمان إلا ويتحدث عن أهلها بأنهم مثال للتسامح والتعايش السلمي. ويكشف هذا الأمر أن الأمر لم يأت من فراغ وليس طارئا وإنما نتيجة جهود تضافرت عبر القرون لتبرز هذا الإنسان العماني المتصالح مع نفسه ومع الآخر والمتقبل للحوار وللآخر المختلف معه دون أي شطط.
واليوم أصبح الجميع يعرف أن أي مؤشر يرصد الإرهاب تكون عُمان بعيدة عنه وأي مؤشر يرصد التعايش السلمي تكون عُمان في مقدمته.

يقول معالي الدكتور عبدالله بن ناصر الحراصي رئيس الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون: «إن تعاملنا مع خلو السلطنة من الإرهاب باعتباره نتيجة فإننا سنجد أن هناك أسبابًا متعددة قادت إلى هذه النتيجة، من بينها الأبعاد ذات العلاقة بانتماء الإنسان العماني بوطنه أولا، وهناك أيضا البعد المرتبط بالتشريع الذي يحمي حقوق الإنسان العماني ويحدد واجباته، وكذلك بعدالة التنمية وقضاء الدولة على الأسباب التي قد تقود إلى احتقان الإنسان، إضافة إلى القاعدة الفكرية للدولة العمانية المعاصرة والأداء اليقظ الواعي لمؤسساتها المختلفة».
هويّة عريقة
ويوضح الحراصي فكرته أكثر بالقول: «إن الإنسان العماني يحمل هويّة عريقة هي الهوية العمانية عميقة الجذور تاريخا ووعيا ومجتمعا، فأينما اتجه العماني رأى تراث الأسلاف ماثلا أمامه، من قلاع وحصون وأفلاج وأنماط زراعة وصناعة تقليدية وغيرها من المظاهر، إضافة إلى التراث المعرفي والأدبي العماني الثريّ والعريق الذي شكّل ثقلًا إيجابيًا في هويّة العماني المعاصر، وجعل همّه الأساس هو التقدم الواعي بنفسه ومجتمعه ووطنه، دون أن يقع ضحيّة خفيفة لهبّات وتيّارات خارجيّة يشكّل العنف الفكري أو الواقعي أصلًا من أصولها، كما أن ما حدث في مجتمعات عديدة عمّق فطنة الإنسان العماني بضرورة حماية مجتمعه ووطنه منها».
وينطلق رأي الحراصي كما هو واضح من معرفة عميقة بالمجتمع العماني وبتاريخه الطويل والمتغيرات التي شهدها المجتمع طوال القرون الماضية.
فكر عميق
فهو يرى أن أهم الأسباب التي حمت عُمان المعاصرة ومجتمعها وإنسانها من ظاهرة الإرهاب المنتشرة حديثا «أهمها فكر جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله تعالى، وهو فكر عميق مدرك لآليات تطوّر المجتمعات وأسباب اضطرابها فكريًّا وواقعيًّا، مثل حديث جلالة السلطان المعظم في خطابه السامي بمناسبة العيد الوطني الرابع والعشرين المجيد في ولاية نزوى حين أكّد على التزام الدولة بأمن الوطن والمواطنين، وأن لا تنمية ولا تقدم فردي ولا وطني دون وجود الأمن، وأشار إشارة عميقة إلى ضرورة تجديد الفكر الديني وانه لمن المؤسف حقا ان هذا الجمود الذي أدى إلى ضعف الأمة الإسلامية، بخمود الحركة العقلية والنشاط الفكري فيها قد أفرز في السنوات الأخيرة نوعا من التطرف مرجعه عدم معرفة الشباب المسلم بحقائق دينه معرفة صحيحة وافية. وكان من شأن ذلك ان استغله البعض في ارتكاب أعمال العنف، وفي ترويج قضايا الخلاف التي لا تؤدي إثارتها الا إلى الفرقة والشقاق والضغينة، لذلك ولكيلا يتخلف المسلمون ويتقدم غيرهم، فإنهم مطالبون شرعا بتدارك هذا الوضع، ومواكبة العصر بفكر إسلامي متجدد ومتطور، قائم على اجتهاد عصري ملتزم بمبادئ الدين، قادر على أن يقدم الحل الصحيح المناسب لمشاكل العصر التي تؤرق المجتمعات الإسلامية، وان يظهر للعالم أجمع حقيقة الإسلام، وجوهر شريعته الخالدة الصالحة لكل زمان ومكان».
بعد تشريعي
وتحدث الحراصي أيضا عن البعد التشريعي في تقنين الموضوع فيقول إن ذلك له دورا في خلو السلطنة من ظاهرة الإرهاب، فعلى سبيل المثال نجد أن النظام الأساسي للدولة يجعل أحد مبادئه السياسيّة «إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والطمأنينة والمساواة للمواطنين»، وكلمة «الطمأنينة» لها دلالة كبيرة هنا، فالإرهاب ينطلق من الشعور بالقنوط واليأس ويسعى إلى الترهيب والرعب، والتزام الدولة العمانية في نظامها الأساسي بكفالة الطمأنينة إضافة إلى العدل والمساواة يقضي على أحد أهم أسباب ظهور الإرهاب، فالدولة تعمل من خلال برامجها التنموية المختلفة التي تنتشر في مختلف بقاع السلطنة على تحقيق هذا المبدأ وغيره من مبادئ النظام الأساسي، كما أنها بمؤسساتها المختلفة تحمي الإنسان والمجتمع من أيّة أفكار أو ممارسات تزعزع شعور الإنسان بالطمأنينة.
كما يرى الحراصي أن لمؤسسات السلطنة المختلفة دورا أساسيًّا في حماية السلطنة من هذه الظاهرة، ويمكن رؤية هذا في أداء المؤسسات المرتبطة بالوعي مثل مؤسسات التعليم والإعلام، فإن نظرنا مثلًا إلى المحتوى الإعلامي لإذاعة وتلفزيون سلطنة عُمان لوجدنا أنه محتوى يعزز هوية الإنسان العماني وانتماءه الوطني وشعوره بأثر المنجزات التنموية على حياته وعلى مجتمعه أيًا كان، كما أن هذا المحتوى من خلال البرامج الدينية والفكريّة يعزز الاتزان الفكري والسلوكي، والبعد عن التطرّف في كل أمر، ويركّز على ما يجمع الناس ويؤلف القلوب والعقول، ويجعل الحوار بينها حوارًا بناءً ينشد الخير والسلم والطمأنينة العامة.
وإضافة إلى المؤشرات الدولية التي تصنف عُمان سنويا دولة خالية من الإرهاب فإن نفس المؤشرات تضع عمان في المرتبة الأولى من حيث الانسجام الكبير بين سكانها على اختلاف مذاهبهم. ولا تذكر كتب التاريخ على الإطلاق أن عُمان شهدت في يوم من الأيام حروبا أو نزاعات على أساس مذهبي أبدا.
وهذا ما يؤكده أحمد بن عبدالله الفلاحي الذي يقول في سياق حديثه لهذا التحقيق:«عُمان القديمة بعد فترة نصف قرن تقريبا من ظهور الإسلام وتشكل المذاهب اعتنق سكانها المذهب الإباضي منذ أن طرد الحجاج بن يوسف الثقفي الإمام التابعي العُماني جابر بن زيد الأزدي من العراق بعد أن أخرجه من السجن قائلا له اذهب إلى بلاد قومك فليس لك مقام هنا، ومع الزمن تحولت بعض قبائل عمان من مذهبهم الإباضي إلى مذاهب أهل السنة بمحض اختيارهم ولم يعترض عليهم أحد ولم يتم قهرهم أو إجبارهم للعودة إلى مذهبهم طالما أنهم اقتنعوا بما انتقلوا إليه وظلوا مع قومهم في الفة ووئام مثل ما كانوا من قبل وفي أوقات تلت جاء لعمان أناس من أهل السنة والشيعة من العرب ومن العجم فاستوطنوا واندمجوا في أهلها على الحب والاحترام كل يؤدي شعائره وفقا للمذهب الذي ينتمي له دون تفرقة وتمييز يصلون خلف بعضهم البعض ويتجاورون في المنازل ويتزاوجون فيما بينهم ويسعون لكسب رزقهم متقاسمين العيش حلوه ومره ولم يحصل قط مطلقا أي صدام بينهم أو مغاضبة تقوم على المذهب الديني».
ويضيف الفلاحي: «منذ أقدم العصور وأهل عمان لم تبدر منهم بادرة اعتداء تجاه بعضهم البعض بسبب المذهب والعقيدة الدينية ولكن حروبهم الضالة تقوم على الجانب القبلي المشتركة فيه جميع القبائل بمذاهبها المختلفة هذا مع ذلك الفريق وذاك مع سواه دون فرق بين مذهب ومذهب وقد اورثت تلك الحروب بين القبائل الضغائن والأحقاد وأزهقت الأرواح، وأتلفت الأموال وقسمت البلاد إلى طائفتين متعاديتين وكان ذلك يتم حين تسقط الدولة أو تضعف ويعود الناس ليحتموا ويلوذوا بقبيلتهم وحين تسترد الدولة عافيتها وتقوى ممارسة هيمنتها فارضة سلطانها تنتهي فورا تلك التحزبات والعصبيات وتختفي الشحناء وينسجم الناس مع بعضهم بعضا ناسين ذلك الشقاق الذي كان يعصف بهم ويصبحون إخوة متحابين متكاتفين تحت مظلة دولتهم القوية يساعدونها ويناصرون توجهاتها ويجعلون أنفسهم جنودا مخلصين لها ملتحمين لحمايتها».
وما يقوله الفلاحي يؤكد رحالة بريطاني جاء عُمان عام 1693م وهو الرحالة جون أوفنجتَن الذي يورد كلامه الدكتور هلال الحجري في كتاب «عمان في عيون الرحالة البريطانيين»: «إن هؤلاء العرب «يعني العمانيين» على قدر كبير من دماثة الخلق، يظهرون لطفا وكرما كبيرين للغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يلحقون بهم أذى جسديا وهم، على تشبثهم الثابت بمبادئهم والتزامهم الراسخ بدينهم، لا يفرضون تلك المبادئ وذلك الدين على الآخرين. كما أنهم لا يغالون بالتمسك بها مغالاة تجردهم من إنسانيتهم أو من حسن معشرهم؛ فالمرء يقطع في بلادهم مئات الأميال دون أن يعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج». بل إن الحجري يورد في كتابه استشهادا يتجاوز الإنسجام المذهبي إلى احترام العمانيين للديانات الأخرى مثل اليهودية حيث يورد ما كتبه الرحالة روبرت بنينج الذي زار مسقط في عام 1850 «أعجب ما عجبت منه هو الاحترام الكبير الذي كان يكنه مسلمو هذه البلاد لذلك الهودي؛ إذ إني ما وجدت قط مسلما من قبل يبدي من الاحترام أدناه لأحد من جنس هذا اليهودي المنحط».
عمان.. خطاب التسامح
ويقول خميس بن راشد العدوي: إن السلطنة تتمتع في ظل قيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد، حفظه الله، بدولة حديثة؛ أثبت نصف قرن من عمرها بأنها راسخة البنيان بالاستقرار والرخاء، ذات أفق مستمر نحو الازدهار، ويعود فضل ذلك إلى عقيدتها السياسية التي آمنت بالتسامح المحلي والسلام الدولي، بيد أن هذا البناء المؤسسي الرصين لم يكن وليد زمنه، فالسلطنة ليست بلداً مقطوع الجذور، وإنما هو وريث حضارة تمتد إلى أكثر من خمسة آلاف عام، وذات كيان سياسي تطور وفق تجارب اجتماعية واقتصادية وثقافية قائمة، ولها شواهدها على أرض الواقع.
أنظمة حضارية
ويضيف العدوي «مرت السلطنة بخمسة أطوار كبرى منذ ما قبل الميلاد حتى وقتنا الراهن، وفي كل هذه الأطوار شهدت قيام ممالك ودول ونفوذ، كانت لها علاقات وروابط مع الدول والأمم المجاورة تقوم على الندية، كما قامت فيها أنظمة حضارية كنظام الفلج الذي ازدهرت بسواقيه الزراعة؛ فرفدت بالثمار الداخل وصدّرت للخارج، وفقه البحر وسننه المنظِّمة للأساطيل التي تمخر عباب البحار، والوقف وبيت المال الذي كان العمود الفقري للمجتمع العماني، والقضاء الذي قاعدته العدل، ودعامته الاستقلال عن سلطة الحكومة». وأشار العدوي في حديث إلى أن هذه الأنظمة كانت تحفظ المجتمع في أحلك ظروفه بالتوازن عن الانهيار، مما جعل التسامح بين مواطنيه بمختلف توجههم الفكري وتشكلهم القبلي وتوزعهم الجغرافي هو السائد بينهم على وجه العموم، وعلى طول تاريخهم المدوَّن لم تسجل حادثة صراع قامت على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي، موضحا أن الصراع وجِد بينهم، ولكنه كان بسبب الحكم، أو تنازع قبلي على الموارد، وما أن تقوم دولة قوية في عمان حتى تفرض الأمن والاستقرار، ويصدر العفو عن كل أطراف النزاع، ويُكتفى بإقامة محاكم لرجع الأموال المسلوبة من الشعب؛ فيما عرف فقهياً بـ«التغريق»، وهو حكم قضائي يصادر بموجب القانون الأموال من الظَلَمة فيردها إلى أصحابها المظلومين، وما لم يعرف صاحبه فإنه يرد إلى بيت المال؛ وهو خزنة الدولة العامة.
التسامح
ويتحدث العدوي عن تسامح العمانيين مع أصحاب الديانات الأخرى فيقول: «اتسم العمانيون بالتسامح تجاه أصحاب الأديان الأخرى؛ ولذلك نزل في عمان اليهود والنصارى والمجوس والهندوس، وعاشوا في كنفها بكل احترام، ولم يعتد أحد على أنفسهم أو أعراضهم، ولم تصادر الحكومات أموالهم، ولم يمنعوا من ممارسة شعائر دينهم، بل بالعكس سُمِح لهم بأن يبنوا دوراً لعبادتهم، وكان الفقهاء يخالطونهم ويجلسون في مجالسهم، ويأكلون من طعامهم، متجاوزين الرأي الفقهي القائل بالنجاسة المادية لغير المسلم»، ولذلك سجل التاريخ العماني كثيراً من الحوادث التي لجأ فيها غير العمانيين إلى عُمان، بعد أن اضطهدوا لأسباب دينية أو عرقية أو غيرها في بلدانهم، وعاشوا في عمان بكل معزة واحترام، وليس ببعيد عنا بعض الحالات التي عاصرناها، وبعضها قائم حتى اليوم، حيث لجأ إلى السلطنة بعض السياسيين الذين قاموا بالأمس بممارسات عدائية ضد السلطنة؛ فإذا بهم بعد سقوط دولهم وذهاب مراكزهم في بلدانهم وطردهم منها يلجأون هم وأسرهم إلى السلطنة، فتستضيفهم وتمنحهم حق اللجوء السياسي وفق القانون الدولي، يتمتعون بالمعاملة الإنسانية، ويعاملون بإكرام من قبل الحكومة والشعب.
ويؤكد العدوي أن التسامح والسلام ومحبة الإنسان أمور غير طارئة على عمان وشعبها، وإنما هي ممارسات حضارية نابعة من عمق أخلاقي عظيم، ويكفي شرفاً للعمانيين أنهم عندما بعث إليهم النبي محمد عليه الصلاة والسلام رسله لكي يدخلوا في الإسلام، وكانت لهم دولة مهابة الجانب، لم يؤذوا هؤلاء الرسل، وإنما أنزلوهم منزلة الإكرام والتقدير، ثم درسوا رسالته؛ فلما بان لهم فيها مصلحة الدنيا وصلاح الآخرة أسلموا طواعية من غير إكراه.
الأمن والسلام
من جهته قال الدكتور علي بن سعيد الريامي أستاذ مساعد بجامعة السلطان قابوس « في الوقت الذي تسود فيه حالة من عدم الاستقرار، والمنازعات والحروب في الكثير من مناطق العالم، تنعم السلطنة بنعمة الأمن والسلام، حيث ان الاشتغال بالتنمية يمثل الهم الأول والأولوية القصوى في مسيرة البناء الحضاري المتواصل عبر مختلف الحقب التاريخية، وقد أسهم الموقع الجغرافي، والمقومات الطبيعية والإمكانيات البشرية، والقيادة الحكيمة المتّزنة القادرة على التجديد والبعث في استمرارية ذلك الحضور الحضاري الباذخ للسلطنة، وكتابة صفحة مشرقة على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية».
وأضاف«يأتي حصول السلطنة على درجة صفر إرهاب في مؤشر التنافسية، اعترافاً دولياً، بالقيم الإنسانية المتحققة، والعيش المشترك القائم على التسامح، واحترام التعددية العرقية والدينية والمذهبية، وتعبيراً صادقاً عن حالة السلم الاجتماعي، ونبذ التعصب والتطرف، كل ذلك بفضل توجهات السياسة الداخلية والخارجية الحكيمة، المستمدة من إرث تاريخي عريق».
التاريخ العماني
وأوضح الريامي أن التاريخ العماني يحفل بالعديد من الشواهد المشرّفة التي من خلالها تتجلى روح التسامح والتعايش في أروع صورها من ذلك على سبيل المثال للحصر إشادة خليفة رسول الله أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) بفضل أهل عمان، وقال في خطبة وجهها للوفد العماني الذي صحب عمرو بن العاص من عمان «معاشر أهل عمان إنكم أسلمتم طوعاً، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولا جشمتموه ما جشمه غيركم من العرب، ولم ترموا بفرقة ولا تشتيت شمل، فجمع الله على الخير شملكم…».
وأضاف الريامي: انه في خضم الفتن والمحن التي عصفت بالدولة الإسلامية في أواخر العصر الراشدي ومطلع العصر الأموي نأى العمانيون قيادة وشعباً بأنفسهم عن الدخول في أتون الخلافات السياسية آنذاك، وهو ما نراه اليوم ماثلاً في السياسة العمانية الخارجية وهي تنأى بعمان عن الصراعات والخلافات الإقليمية القائمة في المنطقة، وهو ما أكسبها احترام شعوب العالم، حيث كان لاستقلالية القرار السياسي مذ ذاك وحتى اليوم، كلمة الفصل في سبيل بناء دولة مستقلة تقوم على مبادئ العدل والمساواة.
وأشار الريامي إلى أنه في حالات النزاع والانقسام التي مرت بها عمان لأسباب داخلية وخارجية لم تسجل الذاكرة التاريخية لأحداث تلك الفترة أنها كانت لأسباب دينية أو مذهبية أو عرقية، وإنما لأسباب شخصية متعلقة بالصراع على السلطة، وغذّتها التدخلات الخارجية وانخرط فيها مختلف فئات المجتمع بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الطائفية أو المذهبية، كان حدث ذلك إبّان النزاعات أواخر القرن 3هـ/‏‏‏9م، وظهر جلياً في أواخر عصر دولة اليعاربة فيما عرف بالحلف الغافري/‏‏‏الهناوي، غير أن العمانيين ما لبثوا ينبذون خلافاتهم ويستعيدون وحدتهم، ويوجهون مقومات بلادهم نحو البناء والإعمار والازدهار.
التعايش السلمي
وأكد الريامي أن هذه السجية الإنسانية «التعايش السلمي» لم تقتصر على الوطن الأم، بل حملوه معهم في أسفارهم وترحالهم ومهجرهم منذ القدم وحتى الحاضر، فمثلاً عندما استوطن العمانيون مدينة البصرة إّبان حركة الفتوحات الإسلامية أسهموا بنصيب وافر في إثراء الحركة العلمية فيها، كما أن شخصية عمانية مثل أبو عبيدة بن القاسم(2هـ/‏‏‏8م)، عندما استوطن مدينة قوانتشو الصينية حصل على لقب جنرال الأخلاقية الطيبة من الإمبراطور الصيني (سون سين زون)، وفي عهد دولة اليعاربة كان التسامح المذهبي سمةً مميزة لعهدهم، وفي القرن 19م عندما اتخذ السلطان سعيد بن سلطان زنجبار عاصمة ثانية لعمان في شرق أفريقيا، شهدت تعايشاً سلمياً مميزاً بين مختلف القبائل التي هاجرت من عمان مع السكان الأصليين، ومع العناصر الأخرى غير العربية التي استوطنت زنجبار والبر الأفريقي، وقد شارك الجميع في الازدهار الاقتصادي والثقافي والتآلف الاجتماعي آنذاك.
قوانين وتشريعات
ويواصل الريامي حديثه بالقول: تم تعزيز ذلك التوجه أيضاً من خلال سن القوانين والتشريعات التي تجرم كل ما من شأنه المساس بالأمن الشخصي والمجتمعي من ذلك مثلاً نص المادة (130) مكرر من قانون الجزاء العماني: «يعاقب بالسجن المؤقت مدة لا تزيد عن 10 سنوات كل من روج ما يثير النعرات الدينية أو المذهبية، أو حرّض عليها، أو أثار شعور الكراهية أو البغضاء بين سكان البلاد». مع التذكير أن القوانين والتشريعات والعقوبات لا تكفل وحدها مجتمع آمن مستقر ما لم يكن ذلك متزامناً مع قناعة داخلية، وممارسة ذاتية حقيقية، وسلطة سياسية تسهر على توفير الأمن والعيش الكريم للمواطن والمقيم. ويرى الريامي أن خلو السلطنة من الإرهاب كان نتيجة عوامل عديدة أبرزها كفالة حرية الدين والمعتقد واعتبار التعددية الثقافية مصدر غنى وإلهام، وتجريم التمييز العنصري بمختلف أشكاله، وتجريم التعدي على الحريات الشخصية المكفولة بحكم القانون، وإتاحة الحق للجميع المشاركة السياسية وتقلد الوظائف العامة والقيادية، وعقلنة الخطاب الديني بما يكفل تقبل الآخر بغض النظر عن الانتماء المذهبي أو الطائفي، وكفالة حرية الرأي دون إفراط أو تفريط، ودون المساس بحرية الآخرين أو إثارتهم ناهيك عن تبني نظام تربية وتعليم يقوم على غرس قيم المواطنة وإعلاء قيم التسامح والتعايش بين الجميع.