التحديات التي تواجه قطاع الإنشاءات والمقاولات

حيدر بن عبدالرضا اللواتي –
haiderdawood@hotmail.com –

بالرغم من أن قطاع المقاولات والإنشاءات بالسلطنة يحتل المرتبة الأولى في تشغيل القوى العاملة الوطنية والوافدة بالقطاع الخاص، إلا أن هذا القطاع يعاني اليوم من تحديات ومشاكل عديدة أهمها ضعف قدرته في الاستمرار والنمو نتيجة لتأخر المؤسسات الحكومية في سداد التزاماتها المالية للشركات القائمة في هذا القطاع.
هذا ما أشار إليه المهندس شهسوار البلوشي الرئيس التنفيذي لجمعية المقاولين العمانية مؤخرًا في حواره بمجلس الخنجي مع عدد من رجال الأعمال العمانيين وأصحاب المؤسسات وشركات المقاولات.
وتناول حديث المسؤول أيضا الوضع الحالي لقطاع المقاولات من واقع البيانات الإحصائية موضحًا التحديات التي تواجه هذا القطاع، وما يمكن أن يواجهه مستقبلا في حال استمرار الوضع المالي السيئ لهذه الشركات.
ويرى البلوشي أن قطاع المقاولات بدأ يواجه هذه التحديات في أعقاب تراجع أسعار النفط العالمية إلى أقل من النصف مقارنة بأسعار عام 2014، الأمر الذي أثّر بشكل كبير على القطاع وأعماله اليومية، بجانب ما يتركه من آثار سلبية على القيمة المضافة لقطاعات اقتصادية أخرى.
البيانات التي تقدّم بها الرئيس التنفيذي لجمعية المقاولين العمانية تشير إلى أن أعداد الشركات المسجلة في قطاع المقاولات تراجع خلال السنوات الأربع الماضية منذ (عام 2016 إلى شهر يوليو 2019)، من 60210 شركات إلى 58639 شركة خلال الفترة المذكورة وبواقع انخفاض قدره 1571 شركة وبنسبة 2.6%، موضحًا أن العدد المسجّل للشركات الكبيرة كان 429 شركة في عام 2016 وتراجع إلى 381 شركة في يوليو 2019 بنسبة انخفاض بلغت 11.2%.
والجدير ذكره أن هذه الشركات الكبيرة هي التي تشغّل العدد الكبير من القوى العاملة الوطنية بالرغم من العدد الصغير لها. كما أن البيانات تشير أيضا إلى تراجع أعداد الشركات المتوسطة من 2472 شركة إلى 2148 شركة وبنسبة انخفاض قدرها 13.1% خلال الفترة نفسها. كما تراجع عدد الشركات الصغيرة من 20885 شركة إلى 17001 شركة وبنسبة 18.6%، فيما ارتفع عدد الشركات الصغرى والتي ممكن القول عنها بأن معظمها تدار من قبل القوى العاملة الوافدة من 36423 شركة في عام 2016 إلى 39109 شركات في يوليو 2019 بنسبة زيادة قدرها 7.4%. وبالرغم من هذه التطورات السلبية التي شهدتها شركات المقاولات، إلا أن حركة القوى العاملة الوطنية سجلت تطورًا إيجابيا بحيث ارتفع عدد العمانيين العاملين في هذه الشركات من 55596 عاملا في 2016 إلى 57599 عاملا في يوليو 2019 بزيادة قدرها 2003 عمال وبنسبة 3.6%. وهذا يُعزى إلى اهتمام شركات المقاولات الكبيرة العاملة في هذا القطاع تجاه القوى العاملة الوطنية التي استوعبت الزيادة خلال السنوات الماضية بتوفير فرص العمل لـ1666 عاملا عمانيا، مقابل تشغيل 337 عاملا عمانيا في فئة الشركات الصغرى، أي أن معظم القوى العاملة الوطنية تعمل في الشركات الكبيرة بالرغم من أن عددها قليل جدا مقابل العدد الضخم لفئة الشركات الصغيرة والصغرى.
وهناك اليوم تراجع في نسبة القوى العاملة الوافدة في قطاع المقاولات وفق البيانات الرسمية نتيجة للظروف التي يمر بها القطاع، حيث بلغ العدد المسجل للقوى العاملة الوافدة في عام 2016 نحو 716132 عاملا وتراجع إلى 581317 عاملا في يوليو 2019 بانخفاض قدره 134815 عاملا وبنسبة 18.8%. وأكبر هذه التراجعات في القوى العاملة الوافدة سجلت في الشركات الكبيرة وذلك من 268185 عاملا عام 2016 إلى 213696 عاملا في يوليو 2019 بواقع 54589 عاملا وبنسبة انخفاض قدرها 27.7%، فيما تراجعت القوى العاملة الوافدة في الشركات المتوسطة بنسبة 16.5%، وفي الشركات الصغيرة بنسبة 17%، بينما سجلت الشركات الصغرى زيادة في عدد العاملين من 102802 عامل إلى 103456 عاملا بنسبة زيادة قدرها 0.5%.
إن إنتاجية قطاع الإنشاءات سجلت هي الأخرى تراجعا خلال السنوات الماضية حيث تبيّن أن قيمة الإنتاج الإجمالي بلغت في عام 2016 نحو 7.140 مليار ريال عماني تقريبا، إلا أنها تراجعت في يوليو عام 2017 إلى 5.548 مليار ريال عماني بانخفاض قدره 1.159 مليار ريال عماني وبنسبة 22.3%. وبالنسبة لقيمة مستلزمات الإنتاج فقد تراجعت بنسبة 23.7%، وفي تعويضات العاملين 13.6% وفي القيمة المضافة بنسبة 23.7%، الأمر الذي أثر سلبا على العديد من القطاعات الأخرى المرتبطة بالإنشاءات كالعقار والطيران ومحلات التجزئة والسياحة وغيرها.
وهناك العديد من التحديات التي تجابه قطاع المقاولات منها أن هذا القطاع يعاني اليوم من قلة المشروعات المطروحة نتيجة للظروف المالية للمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص، بالإضافة إلى نقص في التدفقات النقدية بسبب التأخير في عملية الدفع من قبل المؤسسات الحكومية. كما تعاني الشركات من قلة قدرتها في الحصول على التسهيلات المصرفية لتسوية أعمالها، بالإضافة إلى معاناتها في عملية «التعمين»، وعدم وجود مرونة كافية في اتخاذ القرارات المناسبة تجاه هذا القطاع.
ويتوقع المسؤولون أن يشهد قطاع المقاولات تراجعا في أعماله السنوية، حيث من المتوقع أن يتراجع عدد القوى العاملة الوافدة في الحركة التراكمية له في حال استمرار التحديات إلى 581317 عاملا في نهاية العام المقبل 2020، وبواقع تراجع 251300 عامل خلال السنوات الأربع الماضية، فيما سيزيد عدد القوى العاملة الوطنية ليصل إلى 57599 عاملا خلال العام المقبل، بينما ستتقلص نسبة الشركات القائمة في هذا القطاع بواقع 4.4% العام المقبل.
كما أن توقعات الإنتاجية لقطاع الإنشاءات حتى نهاية العام المقبل 2020 سوف تتراجع أيضا في حال استمرار هذه التحديات.
ويتوقع المقاولون بأن تتراجع القيمة الإجمالية لإنتاجية هذا القطاع من 5.547 مليار ريال عماني في عام 2019 إلى 4.358 مليار ريال عماني في نهاية عام 2020 بتراجع قدره 1.592 مليار ريال عماني وبنسبة 27.3%. وإزاء ذلك تقدم جمعية المقاولين العمانية عددًا من الحلول للتقليل من الآثار السلبية لهذا القطاع منها:
1) إيجاد نماذج استثمارية مبتكرة لتمويل المشروعات التنموية.
2) العمل مع الجهات المعنية لإيجاد وسيلة سريعة لدفع المتأخرات وإنهاء الحسابات النهائية للمشروعات.
3) العمل مع الجهات المعنية لإيجاد حلول مستدامة للتصميم ومنح وإدارة المشروعات الحكومية.
4) العمل مع البنوك والبنك المركزي العماني لتمكين الشركات في الحصول على التسهيلات البنكية.
5) تطبيق حزمة تسهيلات مبادرة الإنشاءات (سياسات التعمين وتوحيد المسميات المهنية وبرامج تصنيف الشركات العاملة في هذا القطاع).
6) تشكيل فريق من أصحاب القرار وممثلي القطاع لوضع الحلول واتخاذ القرارات.
وأخيرا نشير إلى أن مشكلة القوى العاملة الوطنية العاملة في قطاع المقاولات ربما ستشهد تطورات سلبية أخرى بسبب استغناء بعض شركات المقاولات عن هذه القوى العاملة لقلة الأعمال الموكولة لها من جهة، غير مشكلة الذين يتركون هذا القطاع تلقاء أنفسهم بسبب التأخر في صرف رواتبهم الشهرية من جهة أخرى، نتيجة عدم التدفق المالي لهذه الشركات، الأمر الذي يشكّل معضلة لها بدفع الرواتب في الوقت المناسب، وبالتالي يدخل هؤلاء الشباب في صراع مع البنوك ومع شركات التمويل نتيجة للالتزامات المالية التي قطعوها على أنفسهم، وبالتالي يتحولون إلى المحاكم والسجون.
ويتوقع المسؤولون عن هذا القطاع بأن تزداد المشكلة في المرحلة المقبلة، نتيجة لورود أسماء هؤلاء الأشخاص إلى البنك المركزي العماني وإدخالهم في القائمة السوداء بسبب عدم تمكنهم من مجابهة الالتزامات المالية عليهم.
وهذه القضايا سوف تتزايد في حال عدم حصول القوى العاملة الوطنية والأجنبية على الرواتب في الوقت المناسب، باعتبار أن معظم تلك القضايا والأمور مرتبطة بالإنفاق الحكومي.
ويرى مسؤولو القطاع ضرورة جلوس المعنيين في الحكومة مع أصحاب شركات المقاولات لحل الأزمة القائمة، حيث إن الأزمة الحالية تختلف عن الأزمات السابقة التي مرت بها البلاد في ضوء ارتفاع العجز والمديونية. فمستقبل هذا القطاع على المحك في ضوء الصعوبات والتحديات القائمة أمامه، ولها تأثيرات على المكاتب الهندسية وصناعة مواد البناء وغيرها من المؤسسات والمنتجات الأخرى التي تدخل في صميم عمل هذه الشركات.