استمرار الاحتجاجات في العراق لليوم الرابع وارتفاع حصيلة المواجهات مع انقطاع شبكة الإنترنت

الأمم المتحدة تدعو لتحقيق «شفاف» في مقتل المتظاهرين –
بغداد – عواصم (وكالات ) : حضّت الأمم المتحدة السلطات العراقية أمس على التحقيق سريعًا وبشفافية في مسألة استخدام قوات الأمن القوّة بحق المتظاهرين ما أسفر عن مقتل العشرات.
وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان مارتا هورتادو في تصريحات للصحفيين في جنيف «ندعو الحكومة العراقية للسماح للناس بممارسة حقهم بحرية التعبير والتجمّع السلمي».
وجاءت دعوتها بينما تواصلت الصدامات بين المتظاهرين وقوات الأمن في اليوم الرابع من الاحتجاجات الواسعة التي أسفرت عن مقتل 44 شخصًا، وفق حصيلة نشرتها وكالة فرانس برس.
وأفادت هورتادو أن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تأكّد بشكل مستقل من مقتل 12 شخصًا في بغداد، مضيفة أن «المئات أصيبوا بجروح وفق التقارير، بينهم عناصر من قوات الأمن».
وأضافت «تم اعتقال عشرات المتظاهرين رغم الإفراج لاحقًا عن معظمهم».
واندلعت التظاهرات احتجاجًا على الفساد والبطالة وغياب الخدمات في بغداد الثلاثاء الماضي قبل أن تمتد إلى مناطق الجنوب، في حين بدت المحافظات الشمالية والغربية هادئة نسبيًا.
وتعد الاحتجاجات غير مسبوقة نظرا لعفويتها الواضحة واستقلاليتها في بلد عادة ما تخرج التظاهرات فيه بدعوة من شخصيات سياسية أو دينية.
وقالت هورتادو «نشعر بالقلق من التقارير التي تشير إلى أن قوات الأمن استخدمت الذخيرة الحيّة والرصاص المطاطي في بعض المناطق، وأنها ألقت قنابل الغاز المسيل للدموع كذلك مباشرة على المحتجين»، مشددة على أن «استخدام القوة» في التعامل مع التظاهرات يجب أن يكون في الحالات «الاستثنائية» فقط.
وأفادت «ينبغي الامتثال لدى استخدام القوة للقواعد والمعايير الدولية لحقوق الإنسان» مؤكدة على وجوب عدم استخدام الأسلحة النارية «إلا كحلٍ أخير للحماية من أي تهديد وشيك بالقتل أو الإصابة البالغة».
وتابعت «ينبغي التحقيق بشكل فوري ومستقل وشفاف في جميع الحوادث التي تسببت سلوكيات قوات الأمن فيها بوفيات وإصابات».
وشدد مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أن مطالب المتظاهرين باحترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية «مشروعة»، وقالت هورتادو «يجب الاستماع لشكاوى الناس».
وأعربت الأمم المتحدة كذلك عن قلقها البالغ بشأن اعتقال ثلاثة صحفيين على الأقل، أفرج عن اثنين منهم لاحقًا، محذّرة من أن ذلك يحمل خطر «ردع صحفيين آخرين من نقل الأحداث المرتبطة بالوضع».
ونوهت هورتادو إلى أن انقطاع خدمة الإنترنت عن أجزاء واسعة من البلاد يشكّل مصدر قلق، مشددة على أن عمليات «قطع الإنترنت على نطاق واسع تتناقض على الأرجح مع حرية التعبير».

فيما تصاعدت المواجهة بين المتظاهرين الذين باتوا يطالبون «بإسقاط الحكومة» وقوات الأمن العراقية التي أطلقت الرصاص الحي على المحتجين في اليوم الرابع من تحركات سقط فيها 44 قتيلا حتى الآن.
وبينما كانت شبكة الإنترنت مقطوعة في الجزء الأكبر من البلاد صباح أمس، كان عشرات المتظاهرين بعضهم ملثمون يتدفقون إلى وسط بغداد في بداية يوم يشكل اختبارا للسلطات.
وفي شارع وسط بغداد سمع إطلاق نار كثيف على بعد مئات الأمتار من ساحة التحرير التي انطلق منها التحرك، قال سيد (32 عاما) الذي يفضل الخيار الثاني «سنواصل.. إما أن نموت أو نغير النظام».
وكان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي دافع ليل الخميس الجمعة عن أداء حكومته وإدارتها للأزمة، محذرا من أن هذه الأزمة يمكن أن «تدمر الدولة برمتها».
وقال عبد المهدي إنّ ما يجري الآن هو «تدمير الدولة كلّ الدولة»، مشيرا إلى أن «التصعيد في التظاهر بات يؤدّي إلى إصابات وخسائر في الأرواح».
كما حث رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي المشرعين على دعمه لإجراء تغييرات وزارية ودعا إلى الهدوء بعد ثلاثة أيام من الاضطرابات الدامية التي تهز البلاد.
وقال في كلمة بثها التلفزيون الرسمي «نطالب مجلس النواب والقوى السياسة الالتزام الكامل بمنح رئيس مجلس الوزراء صلاحية استكمال تشكيلته الوزارية وإجراء تعديلات وزارية بعيدا عن المحاصصة السياسية».
وأضاف عبد المهدي أنه لا يوجد «حل سحري» لمشكلات الحكم واستغلال السلطة المزمنة في العراق لكنه تعهد بمحاولة إقرار قانون يمنح الأسر الفقيرة راتبا أساسيا.
وقال في هذا الإطار «لدينا مشروع سنقدمه إلى مجلس النواب خلال الفترة القصيرة لمنح راتب لكل عائلة لا تمتلك دخلا كافيا بحيث يوفر حدا أدنى للدخل يضمن لكل عائلة عراقية العيش بكرامة». وجاءت تصريحاته بينما يطالب المحتجون بسقوط الحكومة.
وقال عبد المهدي للمتظاهرين «صوتكم مسموع قبل أن تتظاهروا ومطالبكم بمحاربة الفساد والإصلاح الشامل هي مطالب محقة».
لكنه طالب بإعادة «الحياة إلى طبيعتها في مختلف المحافظات واحترام سلطة القانون»
وأفادت مصادر الشرطة بأن الحكومة فرضت في وقت سابق حظر التجول في ثلاث مدن بجنوب العراق في حين فتحت قوات مكافحة الإرهاب النار على محتجين حاولوا اقتحام مطار بغداد وانتشرت في مدينة الناصرية في الجنوب بعدما «فقدت» الشرطة «السيطرة» بعد تبادل لإطلاق النار بين محتجين وقوات الأمن.
وإذا ما جرت الإطاحة بالحكومة الحالية، فقد يمثل فراغ السلطة في العراق تحديا للمنطقة بأسرها مع الوضع في الاعتبار وضع بغداد كحليف للولايات المتحدة وإيران اللتين تخوضان مواجهة سياسية.
وصرح سيد أحد المتظاهرين «أشارك في التظاهرات منذ الثلاثاء الماضي، سمعت خطاب عبد المهدي أمس هي الوعود نفسها التي نسمعها منذ اكثر من 15 عاما وعوده لن تغير شيئا، لن ننسحب من الطرقات»، مؤكدا «نحن باقون إما نموت او نسقط النظام».
ودعا رئيس الوزراء إلى «إعادة الحياة إلى طبيعتها في كلّ المحافظات»، معلنًا في الوقت نفسه عن تقديم مشروع إلى مجلس الوزراء يقرّ بموجبه «راتبًا شهريًا» للعائلات التي لا تمتلك دخلاً.
لكن الاحتجاجات تواصلت أمس الجمعة لليوم الرابع على التوالي وأطلقت قوات الأمن العراقية النار على عشرات المتظاهرين في وسط بغداد بحسب صحفيي وكالة فرانس برس.
وكان المحتجون يرفعون عدة مطالب منها رحيل المسؤولين «الفاسدين» ووظائف للشباب.
وفي حدث غير مسبوق في العراق ولدت الحركة عبر شبكات التواصل الاجتماعي تلبية لدعوات لم يتبنها أي حزب سياسي أو زعيم ديني.
وإذ يبدو الحراك عفويّاً، قرّر الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وضع ثقله في ميزان الاحتجاجات، داعيا أنصاره الذين سبق أن شلّوا مفاصل البلاد عام 2016 باحتجاجات في العاصمة، إلى تنظيم «اعتصامات سلميّة» و«إضراب عام»، ما أثار مخاوف من تضاعف التعبئة في الشارع.
ويبدو أنّ الحكومة التي اتّهمت «معتدين» و«مندسّين» بالتسبّب «عمدا بسقوط ضحايا بين المتظاهرين»، قد اتّخذت خيار الحزم.
ودعت منظمة العفو الدولية بغداد في بيان الحكومة العراقية إلى أن تصدر «أمرا إلى قوات الأمن على الفور بالتوقّف عن استخدام القوّة، بما في ذلك القوة المفرطة المميتة»، وإعادة الاتصالات.
وفي هذا الإطار، أكد عبد المهدي في خطابه أنّ القوّات الأمنيّة «تتقيَّد بالمعايير الدوليّة» وأنّ «هناك محاولات لركوب وتسييس التظاهرات».
وقالت الشرطة ومصادر طبية في العراق لرويترز امس إن عدد قتلى الأيام الأربعة الماضية من الاضطرابات المناهضة للحكومة ارتفع إلى 44 قتيلا.
وأضافت المصادر أن أكبر عدد من القتلى وقع في مدينة الناصرية بجنوب البلاد حيث لقي 18 حتفهم بينما قتل 16 في العاصمة بغداد.
وبدأت الاحتجاجات التي أصيب فيها مئات بسبب الباحثين عن العمل وسوء الخدمات لكنها تحولت إلى دعوات لتغيير الحكومة وأصبحت تمثل واحدا من أكبر التحديات الأمنية منذ سنوات.
من جهتها أكدت المرجعية الدينية العليا في العراق في مدينة كربلاء أمس الجمعة دعمها لمطالب المتظاهرين، داعية الحكومة العراقية إلى «تدارك الأمور قبل فوات الأوان».
وفي خطبة الجمعة، قال أحمد الصافي ممثل علي السيستاني أعلى مرجعية دينية في العراق، إن «هناك اعتداءات مرفوضة ومدانة على المتظاهرين السلميين وعلى القوات الأمنية»، مؤكدا أنه «على الحكومة أن تغير نهجها في التعامل مع مشاكل البلد» و«تدارك الأمور قبل فوات الأوان».
وأضاف الصافي أن «على الحكومة النهوض بواجباتها وأن تقوم بما في وسعها لتحسين الخدمات العامة وتوفير فرص العمل للباحثين عن العمل والابتعاد عن المحسوبيات في الوظائف العامة واستكمال ملفات المتهمين بالتلاعب بالأموال العامة وسوقهم إلى العدالة».
ونصحت وزارة الخارجية الزوار الإيرانيين «الراغبين بالسفر إلى العراق بتأجيل سفرهم إلى أن تتحسن الظروف في البلاد».
وأعلن التلفزيون الحكومي الإيراني أن أحد المراكز الحدودية الثلاثة التي يستخدمها الزوار لدخول العراق أغلق «بناءً على طلب السلطات العراقية».
من جانبه طلب مقتدى الصدر من أنصاره بالبرلمان عدم المشاركة في أي أنشطة حتى تقدم الحكومة برنامجا يخدم العراقيين
كما حثت وزارة الخارجية القطرية المواطنين امس على عدم السفر إلى العراق وناشدت الموجودين هناك بالفعل بضرورة توخي الحذر في ظل حالة التوتر الراهنة.
وقالت الوزارة في بيانها «إدارة الشؤون القنصلية بوزارة الخارجية تدعو المواطنين القطريين إلى التريث وعدم السفر إلى العراق في الوقت الراهن، وإلى مغادرة المواطنين القطريين للعراق فورا نظرا للتطورات التي يشهدها، كما دعت المواطنين القطريين الزائرين للعراق لاتخاذ الحيطة والابتعاد عن أماكن التجمعات».