بوستروم.. والطريق إلى مستقبل الإنسانية

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

بعيدا وقريبا مرة واحدة عن عالمنا، حيث السياسة لا تفترق عن الاقتصاد والاجتماع، وحيث تغيرات العالم المعاصر تسابق الزمن، والاختراعات الجديدة تعدل وتبدل من خصائص الحياة على كوكب الأرض، إذ تقرب البعيد وتباعد بيننا وبين القريب، وأفضل مثال وربما يكون الأسوأ، هو ما قامت به وسائل الاتصال الحديثة، وكذا وسائط التواصل الاجتماعي، تلك التي قربت المسافات الجغرافية، لكنها باعدت بين البشر إنسانيا، فأضحى كل منا عالما بذاته في الخلفية الرقمية لاختراعات القرن العشرين، ما ضاع معه دفء العائلة وسكينة الضيعة أو القرية الصغير، وبات التساؤل إلى أين يمضي عالمنا المعاصر وأي مستقبل ينتظره؟

أحد أهم العقول المفكرة حول عالمنا المعاصر الذي تناول تلك الإشكاليات، هو الفيلسوف السويدي، «نيكلاس بوستروم» المدير المؤسس «لمعهد مستقبل الإنسانية» في جامعة أكسفورد البريطانية.
اشتهر بوستروم بأبحاثه في المخاطر الوجودية للتقنية، والمبدأ الإنساني وعواقبه على نظرتنا للعالم ولدورنا فيه، والذكاء الفائق وما يمكن أن يفضي إليه من مشكلات غير مرتقبة أو مراحل حضارية جديدة.
في كتابه «ما فوق الإنسانية.. دليل موجز إلى المستقبل»، الصادر عن دار سطور في بغداد ومن ترجمة ياسر عبد الواحد راشد نجد أنفسنا وكأننا متفرجون في عالم لم نعد نفهمه، فالتحولات التقنية لم تعد تنتظر منا اللحاق بها أو محاولة إدراك نتائجها في حياتنا، بل هي تحدث فحسب، ولهذا فإن شعورنا اتجاه عواقبها المحتومة لن يتجاوز المفاجأة والانبهار الفوري، ثم الصدمة والقلق في وقت يكون التخطيط والانتفاع فيه أولى بكثير، كما يقول المترجم.
يضعنا بوستروم أمام حقيقة أن ما يعجز الكثيرون عن إدراكه اليوم هو أن التقنية لن تكتفي بتغيير محيطنا أو التأثير في تصرفاتنا فحسب، كما يشهد بذلك عصر الهواتف الذكية الذي صاحبته ظواهر التشظي والانعزال عن المجتمع من جهة، والانجراف وراء أهواء وموضات جديدة من جهة أخرى، بل سيحين الوقت عاجلا أم آجلا لأن تتصرف فينا جسدا وعقلا، مما سيفتح الباب أمام تغيرات ونتائج لا تخطر على أذهان كثيرين.
خمس ركائز أو منحنيات يمكن أن تغير شكل الإنسانية في القرن الحادي والعشرين يتوقف معها بوستروم في عمله، ينبغي علينا أن نفتح أذهاننا جيدا جدا لمعرفة أبعادها وآفاقها والى أين تمضي بنا:
أولا: يبقى مجال التقنية الحيوية، الهندسة الوراثية، الخلايا الجذعية والاستنساخ، تطبيقات كفيلة بتغيير وجه العلم والعالم مرة واحدة، فالتقنية الحيوية هي تطبيق التقنيات والأساليب القائمة على العلوم البيولوجية، ويشمل ذلك شتى المشاريع المتنوعة كالتخمير، تصنيع الأنسولين البشري، الانترفيرون، هرمون النمو البشري، التشخيص الطبي، استنساخ الخلايا، التعديل الوراثي للمحاصيل، التحويل البيولوجي للنفايات العضوية، واستخدام البكتريا المعدلة وراثيا في تنظيف تسريبات النفط، وأكثر من ذلك بكثير.
والشاهد أن الفوائد الطبية المحتملة لذلك اكثر من أن تحصى، فالباحثون يعملون على كل الأمراض الشائعة بدرجات متفاوتة من النجاح، والتقدم لا يحدث في تطوير الأدوية والتشخيص فحسب، بل وفي خلق أدوات ومنهجيات بحث أفضل، مما يسرع بدوره في التقدم.
وعند النظر إلى التطورات المتوقعة على المدى البعيد، يجب علينا حساب تأثير التحسينات في عملية البحث. فقد انتهى من مشروع الجينوم البشري قبل الأوان المحدد، غالبا لأن التقديرات الأولية استهانت بمدى تحسن تقنية الأجهزة خلال فترة المشروع، وفي الوقت نفسه يحتاج المرء لعدم الركون إلى تهويل كل تحسن جديد، وعلاوة على ذلك وحتى في الحالات التي يحقق فيها الوعد المبكر فسوف يستغرق الأمر عادة عشر سنوات ليتحول من مجرد فكرة إلى تسويف تجاري ناجح.
يلفت بوستروم إلى أن الجميع يقر بالنفع الذي سيناله المرضى واسرهم بفضل شفاء أمراض، محددة، ويؤكد من يسميهم بالـ«فوق – انسانيين»، على أننا، من اجل إطالة أمد حياتنا الصحي بشكل كبير، سنحتاج أيضا إلى تطوير طرق لإبطاء الشيخوخة أو استبدال الخلايا الجذعية والأنسجة الهرمة.
من هنا يمكن النظر إلى التقنية الحيوية كحالة خاصة من القدرات العامة التي ستوفرها تقنية النانو في نهاية المطاف.
ثانيا: يأتي الحديث عن تقنية النانو تكنولوجي، وهي تقنية تصنيع مرتقبة ستجعل من الممكن بناء تراكيب معقدة ثلاثية الأبعاد وفق مواصفات ذرية باستخدام تفاعلات كيميائية موجهة عبر آلات غير بيولوجية. في التصنيع الجزئي، ستذهب كل ذرة إلى مكان مختار، للترابط مع ذرات أخرى بطريقة دقيقة محددة. وتتعهد تقنية النانو بإعطائنا تحكما كاملا في بنية المادة.إن تقنية النانو الناضجة ستحول التصنيع إلى مشكلة برمجية فقط. فلبناء شيء ما، كل ما يحتاجه الأمر تصميم مفصل للكائن الذي ترغب في صنعه، وسلسلة التعليمات اللازمة لبنائه. والمواد الخام النادرة أو باهظة الثمن عموما غير ضرورية، حيث توجد الذرات المطلوبة لبناء معظم أنواع أجهزة النانو بوفرة في الطبيعية فالتراب على سبيل المثال مليء بذرات مفيدة.ستجعل تقنية النانو الجزيئية من الممكن إنشاء أنظمة حوسبة مضغوطة تؤدي ما لا يقل عن ملايين العمليات في الثانية الواحدة، قطع غيار ماكينات من أي حجم مصنوعة من الماس لا تشوبه شائبة تقريبا، آلات إصلاح للخلايا يمكنها دخول الخلايا وإصلاح معظم أنواع الضرر، وفي حين يبدو من الثابت عموما أن تقنية النانو الجزئية ممكنة من حيث المبدأ، فإنه من الصعب تحديد المدة التي سيستغرق تطويرها، ولأن تداعيات تقنية النانو هائلة، فلا بد من التفكير الجاد في هذا الموضوع فإذا أسيء استخدام تلك التقنية، فقد تكون العواقب مدمرة.
ثالثا: أما الركيزة الثالثة التي يرى بوستروم أنها ستوجد عالما جديدا، تلك الموصولة بعالم الذكاء الفائق أو العقل الفائق الذكاء، الذي يطلق عليه أحيانا الذكاء الخارق، وهو الذي يملك القدرة على التفوق بشكل جذري على افضل العقول البشرية في كل مجالات الحياة، بما في ذلك الإبداع العلمي، الحكمة العامة، والمهارات الاجتماعية.
يتوقع كثير من الفوق – إنسانيين، لكن ليس جميعهم، أن ينشأ هذا الذكاء الفائق خلال النصف الأول من هذا القرن، ويتطلب الذكاء الفائق شيئين: الأجهزة والبرمجيات.
ومن الواضح أن وصول الذكاء الفائق سيؤدي إلى توجيه ضربة قاصمة لوجهات النظر بشرية المحور للعالم. ومع ذلك، فإن تداعياتها العملية ستمثل تأثيرات اهم من آثارها الفلسفية. فقد يكون خلق الذكاء الفائق آخر اختراع سيحتاج إليه البشر إطلاقا، حيث يمكن للأجهزة الذكية الفائقة أن تهتم بمزيد من التطور العلمي والتقني. وستفعل ذلك بنحو اشد كفاءة من البشر. ولن تظل الإنسانية البيولوجية حينها أذكى أشكال الحياة على الساحة.
على أن آفاق الذكاء الفائق تثير العديد من القضايا والمخاوف الكبيرة التي يجب أن نفكر فيها بعمق قبل تطورها الفعلي. والسؤال الأهم هو: ما الذي يمكننا فعله لتعظيم فرص الاستفادة من الوصول للذكاء الفائق بدلا من إلحاقه الأذى بنا؟
رابعا: الواقع الافتراضي، وهو بيئة محاكية تدركها حواس الإنسان على أنها حقيقية، ويمكن صياغة العوالم الافتراضية على أساس الواقع المادي كما هو الحال في مثال مشاهد كرة القدم المتخيلة، سيقال انك ستكون حاضرا عن بعد في هذا الحدث، كما يمكن أن تكون البيئات الافتراضية مصطنعة بالكامل أيضا، أما الاحتمال الآخر، الذي يعرف بالواقع المعزز، فيعني أن يكون لديك إدراك لمحيطك المباشر مكتس جزئيا بعناصر محاكية، على سبيل المثال فمن خلال ارتداء نظارات خاصة يمكنك جعل علامات الأسماء تظهر على رؤوس الضيوف في حفل عشاء، أو يمكنك اختيار إزاحة الإعلانات المزعجة من العرض الخاص بك.
لقد كانت الوقائع الافتراضية البدائية موجودة منذ بعض الوقت، فقد شملت التطبيقات المبكرة وحدات تدريبية للطيارين والعسكريين، وبنحو متزايد يستخدم الواقع الافتراضي حاليا في ألعاب الحاسوب. جزئيا لأن الواقع الافتراضي متطلب جدا حاسوبيا، لا تزال المحاكاة بدائية جدا، ومع تزايد الطاقة الحسابية وتحسن أجهزة الاستشعار والمستقبلات والشاشات، يمكن أن يبدأ الواقع الافتراضي في تقريب الواقع الفعلي من حيث الأمانة والتفاعلية.
على المدى الطويل يمكن أن يفتح الواقع الافتراضي إمكانيات لا حدود لها للإبداع البشري، حيث يمكننا بناء عوالم تجريبية اصطناعية، يمكن فيها تعطيل قوانين الفيزياء، وتبدو حقيقية كواقع ملموس للمشاركين، ويمكن للأشخاص زيارة هذه العوالم من أجل العمل، أو الترفيه، أو الاختلاط مع الأصدقاء الذين قد يعيشون في الجانب الآخر من العالم.
خامسا: التحنيط بالتجميد، وهذا البعد قد يغير فعلا من شكل الإنسانية التي نعرفها، وهو إجراء طبي تجريبي يسعى إلى إنقاذ الأرواح عن طريق وضع الأشخاص الذين لا يمكن علاجهم بالعمليات الطبية الحالية ويعتبرون أمواتا من الناحية القانونية، في الخزن تحت حرارة واطئة، على أمل أن يتمكن التقدم التقني من إحيائهم.
لكي يعمل التحنيط بالتجميد اليوم، ليس من الضروري أن نتمكن من إعادة أحياء المرضى المحنطين بالتجميد، ولا يمكننا ذلك، كل ما نحتاجه هو أن نتمكن من الحفاظ على المرضى في حالة سليمة بما فيه الكفاية، بحيث إن بعض التقنيات الممكنة، التي يتم تطويرها في المستقبل، ستتمكن في يوم من الأيام من إصلاح تلف التجميد، وعكس السبب الأصلي لتوقف الحياة. لا يمكن التعرف على اكثر من نصف الإجراء الكامل للتجميد اليوم، ولا يمكن تنفيذ النصف الآخر إلا في المستقبل البعيد كما يبدو.
التسجيل للتحنيط بالتجميد، التي تتم عادة من خلال جعل شركة تحنيط بالتجميد أحد المستفيدين من التأمين على حياتك، ويمكن أن تبدو مثل بوليصة تأمين معقولة.
إذا لم تنجح، فستكون ميتا على أي حال، وإذا نجحت فقد تنقذ حياتك. من المرجح أن تكون حياتك المحفوظة طويلة وصحية للغاية، بالنظر إلى مدى تقدم الطب القادر على إحيائك مرة جديدة.
إلى أين تمضي البشرية في ضوء قراءة بوستروم؟ سؤال في حاجة إلى تفكير عميق للإجابة عنه.