الحداثة عربياً.. سياقات التَّمَثُّل والتمثـيل

محمد جميل أحمد –
تنبع إشكالية الشرخ في علاقة العرب بالحداثة الغربية من العجز عن الانطلاق من تبرير حيثية مختلفة وموضوعية للذات العربية والإسلامية، عبر محاولة التواصل مع ظاهرة الحداثة. فالتقليد، الذي هو أبرز ملامح تلك العلاقة، ظل باستمرار يعيد إنتاج المأزق في مراحله المختلفة.
وفي تلك المراحل المتعددة للتقليد، الذي بطبيعته النسقية لن يكون قادرا على الانتباه للفوارق الحضارية، كانت النتائج ذاتها تتكرر، بحيث أصبح سؤال شكيب ارسلان القديم: (لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب) لا يزال يطرح حتى اليوم كما هو؟!
كان هناك وهم يرى: أننا لكي نلحق بالغرب علينا أن ننطلق من تقليد لحظته الحضارية الراهنة، فقط، دون أي قدرة على رؤية البنى التحتية المركبة والصيرورة التاريخية لتحولات الحداثة في أوربا، وقراءة الحلقات المختلفة لتاريخ الحداثة، كحلقة الإصلاح الديني مثلا، ومن ثم فحص هوية الاختلاف بين السياقات في تلك المراحل، أيضا، جرت تمثيلات عربية متوهمة كمحاولة القطيعة مع الدين، دون تحقيق وتحرير تلك القطيعة مع الإسلام معرفيا بل كانت قطيعة مبنية على الشعارات والتقليد العاطفي والأيديولوجيا، استنادا فقط إلى محاولة ظاهرية لتقليد قطيعة مركبة وذات سياق مختلف أحدثتها أوروبا مع المسيحية الأوروبية، دون أن تكون لتلك القطيعة العربية المتوهمة رؤية واضحة لمركزية الإصلاح الديني في أوروبا كحلقة من الحلقات التاريخية التي أفضت إلى الحداثة.
هناك أيضا الإقحام القسري للحداثة في المنطقة العربية (حملة نابليون، والحركة الاستعمارية) الأمر الذي طبع العلاقة بالتوتر المستمر ولم يسمح لها بالتفاعل بعيدا عن منطق الإكراه والقوة. بعبارة أخرى، أصبحت الحداثة الغربية في الذهنية العربية لا تخلو من محفزات الكراهية والاختلاف والإذلال والإعجاب أيضا!
صحيح، قد جرت محاولات في الكتابة العربية (وكانت بدايات هذه الكتابات متصلة بالمدرسة الإصلاحية العربية) للتفريق بين الغرب الاستعماري، وبين السياق المعرفي للحداثة. وكان يمكن لتأويل المدرسة الإصلاحية أن يملك وجاهة معتبرة، لولا القطيعة التي حدثت معه مع بروز بدايات تيار الإسلام السياسي الذي وحَّد خطاباً دوغمائياً لفهم الغرب، ولا ينظر إليه إلا عبر المظلومية من ناحية، وعبر استيهامات تبحث عن استعادة للإسلام قد تكون بذاتها سبباً للنهضة!
للأسف، ورث خطابُ الصحوة الإسلامية خطابَ النهضة الإصلاحي، وكان ذلك بذاته تحولاً خطيراً في بنية الذهنية التي كان يعبر عنها الخطاب الصحوي.
ففيما كان الخطاب الإصلاحي للنهضة يؤمن بوجهين للغرب؛ وجه استعماري ووجه حضاري، بحيث ينبغي الفصل بين الوجهين بما يسمح للاستفادة من الغرب في النظم السياسية والتربوية والإصلاحية وتنظيم الحياة الحديثة؛ كان الخطاب الصحوي يؤمن بعلاقة صراعية حيال غرب استعماري واحد. ويرى في تصوراته الأيديولوجية والاستيهامية للإسلام بديلاً واقعياً للحياة بعيداً عن الحداثة. لذا كان على الخطاب الصحوي بما أنه خطاب مؤدلج أن يشتق مفاهيمه الخاصة به من المفاهيم العلمية العامة للإسلام، عبر تحريفها وتفجيرها.
وهكذا أصبح ذلك الخطاب الصحوي اليوم أهم الإشكاليات المرجعية.
بطبيعة الحال، عزز ذلك الاتجاه الصحوي؛ ارتباط مظاهر الحداثة في لحظاتها الأولى من خلال سياق عنف استعماري ما شحن الذاكرة العربية بتناقض حيال التعاطي مع الحداثة بصورة عامة.
وحتى اليوم، لا تزال المشروعات الكبرى للحداثة تعاني من مآزق خطيرة في هذه المنطقة، كالدولة الحديثة، والعلمانية، وحقوق الإنسان والديمقراطية.
إلى ذلك، ظلت جدوى وحيثيات بعض تلك المشروعات الحداثية غير متحققة وعلى غير مثال واحد بين أوربا والعرب، كجدوى الدولة الوطنية التي صاحبتها منذ بزوغها في أوروبا بعد اتفاقية وستفاليا (بعد حرب الثلاثين عاما بين إمبراطوريات أوربا الدينية 1648) ظاهرتا: تصفية تلك الإمبراطوريات الدينية بتحويل أوروبا إلى دول قومية، وعزل الدين عن إدارة السلطة في الفضاء العام، هكذا، ما بدا لنا كحداثة؛ كانت آليات إنتاجه آليات تخلف ـ كما يقول الجابري، وكل من يتأمل في آليات إنتاج الخطاب الفكري الحداثي (إلا في حدود استثناءات قليلة) في الحياة العربية، سيدرك أنها بالفعل آليات متخلفة؛ فهي نسقية من ناحية، أي دائرية مغلقة، ولأن نسقيتها تلك متأتيةٌ من الأيديولوجيا فهي من ناحية ثانية يكذبها الواقع إذ لا يمكن لأي خطاب نسقي أو أيديولوجي أن يسجل اختراقا في الواقع.
ثمة غياب إذاً، لشفرة هوية حداثة خاصة بهذه المنطقة، هذه الهوية بطبيعة الحال لا تتحقق بمعزل عن التفاعل والإفادة من المعرفة الكونية العظمى للحداثة الغربية. لكن على هذه الشيفرة أن تجترح سياقها الخاص، وهذا هو التحدي الذي تطرحه العلاقة المركبة مع الحداثة.
والحال أن افتقاد العرب لتك الشيفرة المتصلة بسياقهم الخاص الذي يتعين عليهم اكتشافه لإدراك هويتهم الحداثية، جعل علاقتهم بالحداثة الغربية علاقة نسقية. فقط؛ جبر فارق السياق في قراءة البنية النظرية للحداثة هو الذي سيسهم في اكتشاف معالم تلك الشيفرة الضرورية لإحداث اختراق حقيقي والخروج عن تلك العلاقة النسقية المعطوبة للعرب، على مدى مائتي سنة، مع الحداثة الغربية!