الخصوصية العمانية .. الوطن الحامي يناديك

رشا عبدالوهاب –

عندما يكون الوطن حاميًا وحارسًا، يقود شعبه إلى بر الأمان والسلامة، فإن حاضر ومستقبل هذا الشعب يشع بالنور وببوصلة الأمل، وبالتالي يستحق هذا الوطن بذل كل ما هو ثمين ونفيس في سبيله بروح وطنية خالصة، وقلب ملؤه التفاؤل بغد أفضل. هكذا هي التجربة العمانية، حيث يمد الوطن يده إلى العمانيين من أجل العبور إلى مستقبل أكثر إشراقًا، يدًا بيد مع السلطنة عبر تجربة سياسية وديمقراطية مميزة وفريدة من نوعها في المنطقة برمتها. عمان «واحة» الأمن في الشرق الأوسط، مع ما يعج به من اضطرابات على حدودها، تحديدًا في اليمن، كما تحولت السلطنة إلى وسيط دولي هادئ ورصين وصوت للحكمة في القضايا الكبرى والأزمات التي تشعل المنطقة. والخصوصية العمانية استراتيجية تنتهجها عمان منذ السبعينات، تعتمد على التوازن بين هوية المجتمع العماني وأصالته وتقاليده، والانفتاح على تجارب الآخرين، وهو ما جعل التطلع إلى مستقبل أفضل للوطن والتنمية واقعًا محسوسًا وملموسًا. مسيرة نصف قرن من تجربة سلطنة عمان في الانتقال التدريجي من مجتمع قبلي إلى دولة مؤسسات عصرية حديثة.
وتستعد السلطنة لاستحقاق برلماني مهم، ألا وهو انتخابات مجلس الشورى للفترة التاسعة خلال أكتوبر الجاري، المجلس الذي يحمل شعار «وأمرهم شورى بينهم»، وبالتأكيد، فإن صوت كل عماني وعمانية «أمانة». وهذا ما حدث بالفعل على أرض الواقع، فهناك وعي لدى الناخب العماني بأهمية هذه الاستحقاق الوطني حيث أقبل المواطنون على التسجل الانتخابي خلال الشهور الماضية في سائر ولايات السلطنة، وهو ما يعتبر مؤشرًا على اهتمام العمانيين بهذه الاستحقاق لانتخاب أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة بين عامي 2019 و2023، وكذلك الإقبال على التسجيل الإلكتروني لتسهيل إجراءات التسجيل في الداخل والخارج. ووصل إجمالي عدد الناخبين في القوائم الأولية 713 ألفًا و335 ناخبًا وناخبةً، من بينهم 375 ألفًا و801 ناخب و337 ألفًا و535 ناخبةً. بينما بلغ عدد المرشحين 717 مرشحًا بينهم 42 امرأةً يسعون لنيل ثقة الناخبين قبل يوم التصويت في 27 أكتوبر الجاري، وذلك لانتخاب 86 عضوًا لتمثيل 61 ولاية. ويلعب ذكاء ووعي الناخبين دورًا مهمًا في حسن اختيار من يقوم بأداء واجبه كما يجب، وتغليب الكفاءة والجدارة للمرشح، الذي يجب أن يعرف حدود دوره واختصاصاته لإيصال صوت ناخبه إلى المجلس. وارتفعت نسبة المرشحات من 20 سيدة إلى 42، وهو ما يعنى أن المرأة العمانية تسعى إلى توسيع دورها المجتمعي والسياسي، لخدمة وطنها، وإيصال صوت المرأة وقضاياها إلى أعلى المستويات. زيادة المشاركة وتسجيل الناخبين لأسمائهم يعكس وعيهم بأهمية مجلس الشورى، الذي تتمثل رسالته في المساهمة في صنع القرار الوطني القائم على مشاركة المجتمع وتكاملية مؤسسات الدولة. وتبارى المرشحون في الانتخابات في استخدام أحدث الطريق في الدعاية الانتخابية عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لشرح برامجهم الانتخابية، وذلك إلى جانب اللقاءات التفاعلية بين المرشحين والناخبين، للتعريف بنفسه وأهدافه وقدراته على تحقيق مطالبهم. وقد أصدر المجلس، الذي تم انتخابه في 2015، مجموعة من القوانين ومشروعات القوانين المهمة، منها قانون حماية الاقتصاد الوطني من آثار الممارسات الضارة، ومشروع قانون العمل، ومشروع قانون الضمان الاجتماعي بالإضافة إلى قوانين الاستثمار الأجنبي والتخصيص والإفلاس والشراكة بين القطاعين العام والخاص. وأكد وزير الداخلية العماني معالي السيد حمود بن فيصل البوسعيدي أن الممارسة الشورية شهدت خلال العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم تطورًا كبيرًا اتسم بالتدرج وفقًا لمتطلبات ومقتضيات كل مرحلة من مراحل التنمية التي مرت بها عمان. ويرتبط الوعي السياسي لدى المواطنين بإدراك دورهم المجتمعي، وقدرتهم على المشاركة في تحقيق تطلعاتهم وآمالهم وأهدافهم للسير على درب ناجح للتنمية. وقامت الحكومة العمانية بتنفيذ العديد من مشروعات التنمية لتحديث الاقتصاد، وتحسين مستوى المعيشة، وجعل من السلطنة لاعبا ناشطا في السوق العالمي. فقد أصبحت عمان عضوًا في منظمة التجارة العالمية عام 2000، وواصلت تطوير ممارساتها التجارية حتى وصلت إلى المعايير الدولية. وتوقع البنك الدولي أن يكون هناك ارتفاع مفاجئ في النمو بنسبة 6 في المائة في عام 2020 حيث تخطط الحكومة لزيادة الاستثمار في حقل خزان للغاز بشكل كبير. كما أن المجتمع العماني مجتمع شاب مثقف حيث حققت السلطنة تحسنا في ارتفاع معدلات التعليم وانخفاض معدلات الأمية؛ حيث بلغت نسبة المتعلمين بين العمانيين 93.75% للفئة العمرية (15 سنة فما فوق)، وتتركز النسبة الأعلى منها في الفئة العمرية من (15 إلى 24) بنسبة 99.16%. ويعد هذا مؤشرًا على التوسع الكمي والنوعي للتعليم على مستوى السلطنة، وفي المقابل انخفضت نسبة الأمية بين أفراد المجتمع إلى 6.25% في 2017. كما أعلنت السلطنة التزامها بأن تصبح خالية من الأمية في عام 2024. ومع استمرار سياسات التعمين، وارتفاع مستوى المعيشة والتعليم والثقافة، يصبح الوعي المجتمعي والسياسي أكبر لدى العمانيين، وهو ما يمكنهم من استيعاب حقوقهم وواجباتهم السياسية، وهو ما سيظهر جليا في الاستحقاق الانتخابي لمجلس الشورى.
ويلعب «مجلس عمان» بشقيه مجلس الشورى ومجلس الدولة دورًا ملموسًا للإسهام في دفع قاطرة التنمية الشاملة. وفي إطار رغبة جلالة السلطان قابوس بن سعيد في توسيع قاعدة الاختيار بحيث تشمل تمثيل مختلف ولايات السلطنة، وبما يحقق المشاركة الفعلية للمواطنين تم إنشاء مجلس الشورى العماني في 12 نوفمبر 1991 ليحل محل المجلس الاستشاري للدولة الذي استمر من عام 1981 حتى عام 1991.
ومجلس الشورى هو مجلس منتخب من قبل الشعب، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويمثل أحد جناحي مجلس عمان الذي يضطلع بصلاحيات تشريعية ورقابية وفقا لما بيَنه النظام الأساسي للدولة بما يخدم الصالح العام للوطن والمواطنين، ويدعم تطوير مسيرة الشورى في البلاد ويعزز مشاركة المجتمع في صنع القرار ويساهم في تحقيق التنمية الشاملة ويتكون من أعضاء يمثلون جميع ولايات السلطنة، ينتخبون بالاقتراع السري المباشر ويتحدد عدد أعضائه بحيث يمثل كل ولاية عضو واحد، إذا كان عدد سكانها لا يتجاوز ثلاثين ألف نسمة عند فتح باب الترشح، وعضوان متى تجاوز عدد سكان الولاية هذا الحد في ذات التاريخ، وتكون فترة المجلس أربع سنوات ميلادية، وينتخب المجلس من بين أعضائه رئيسا له ونائبين للرئيس لمثل فترته. ومُنح مجلس عمان بجناحيه الدولة والشورى صلاحيات تشريعية ورقابية وذلك بموجب المرسوم السلطاني السامي رقم 2011/‏‏‏99، وضمنت أحكام هذه الصلاحيات التشريعية والرقابية في الباب الخامس من النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني السامي رقم (1996/‏‏‏101)، ليتمتع هذا المجلس في سبيل تحقيق أهدافه بمجموعة من الصلاحيات، هي: إحالة مشروعات القوانين التي تعدها الحكومة إلى المجلس لإقرارها أو تعديلها وإصدارها بإجراءات مشروعات القوانين ذاتها، ولمجلس عمان اقتراح مشروعات قوانين وإحالتها إلى الحكومة لدراستها ثم إعادتها إلى المجلس. هذا إلى جانب دراسة مشروعات خطط التنمية والميزانية السنوية للدولة من مجلس الوزراء إلى مجلس الشورى لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال شهر على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه، ثم إحالتها إلى مجلس الدولة لمناقشتها وإبداء توصياته بشأنها خلال خمسة عشر يوما على الأكثر من تاريخ الإحالة إليه، وعلى رئيس مجلس الدولة إعادتها إلى مجلس الوزراء مشفوعة بتوصيات المجلسين، وعلى مجلس الوزراء إخطار المجلسين بما لم يتم الأخذ به من توصياتهما في هذا الشأن مع ذكر الأسباب. ودراسة مشروعات الاتفاقيات الاقتصادية والاجتماعية التي تعتزم الحكومة إبرامها أو الانضمام إليها إلى مجلس الشورى لإبداء مرئياته وعرض ما يتوصل إليه بشأنها على مجلس الوزراء لاتخاذ ما يراه مناسبا. ودراسة التقرير السنوي لجهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة. ولمجلس الشورى بناء على طلب موقع من خمسة عشر عضوًا على الأقل من أعضاء مجلس الشورى استجواب أي من وزراء الخدمات في الأمور المتعلقة بتجاوز صلاحياتهم بالمخالفة للقانون، ومناقشة ذلك من قبل المجلس ورفع نتيجة ما يتوصل إليه في هذا الشأن إلى جلالة السلطان. ولمجلس الشورى دراسة التقارير السنوية المحالة من وزراء الخدمات المتعلقة بمراحل تنفيذ المشاريع الخاصة بوزاراتهم. وللمجلس دعوة أي منهم لتقديم بيان عن بعض الأمور الداخلة في اختصاصات وزارته ومناقشته فيها.