«التاسعة» على أعتاب مرحلة تنموية أكثر أهمية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تحل الفترة التاسعة (2019 -2023م) لمجلس الشورى وسط مرحلة تشريعية بالغة الأهمية لتراكم مكتسبات التنمية في مختلف المجالات، وفي فترة تنموية حرجة، نظرا لأهمية الملفات التنموية التي لا تزال الخطة الخمسية التاسعة تحتضنها، والتي تودع هي الأخرى عامها الأخير (2020م) وسوف تدفع بها إلى الخطة الخمسية العاشرة القادمة (2021 – 2025م)

لانتخاب (86) عضوا من بين (717) مرشحا ومرشحة منهم (675) مرشحا، و(42) مرشحة، تعلن وزارة الداخلية أن يوم (27) أكتوبر القادم هو يوم انتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، وهو اليوم الوطني؛ بامتياز؛ والذي ينتظره الجميع بفارغ الصبر، وكيف لا يحظى بهذا الاهتمام المجتمعي والرسمي الكبيرين، وهو يؤسس لمرحلة جديدة لمسيرة الشورى في السلطنة، وهي المسيرة التي تعبُر باكتساب الفترة الـ (9) القادمة عقدها الثالث، وسط تحقق مكتسب رقابي وتشريعي غير منكورين، مشكلة بذلك تناغما نوعيا مع بقية السلطات في الدولة العمانية، ومعززة بذلك مسيرة التنمية الشاملة التي تنجز هي الأخرى عقدها الخامس في ذات الفترة، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وقد أكدت التقارير الصحفية المتعلقة بالانتخابات والتي نشرت خلال الفترة الماضية، أنه تم قيد (713335) ناخبا وناخبة لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، بينهم (375801) ناخب، و(337534) ناخبة موزعون على مختلف الولايات (جريدة عمان: في 16/‏‏9/‏‏2019م، العدد (13985).
تحل الفترة التاسعة (2019 -2023م) لمجلس الشورى وسط مرحلة تشريعية بالغة الأهمية لتراكم مكتسبات التنمية في مختلف المجالات، وفي فترة تنموية حرجة، نظرا لأهمية الملفات التنموية التي لا تزال الخطة الخمسية التاسعة تحتضنها والتي تودع هي الأخرى عامها الأخير (2020م) وسوف تدفع بها إلى الخطة الخمسية العاشرة القادمة (2021 – 2025م) والتي ستحل بثقلها التنموي المهم مع مطلع العام (2021م) حيث يحل دور الانعقاد السنوي الثاني للفترة التاسعة، وهذا المحدد التنموي الرفيع هو لوحده كفيل باستشعار أهمية هذه الفترة، وهذا الاستشعار؛ يفترض؛ أن يكون حاضرا لدى الطرفين المترشح والناخب على حد سواء، للارتهان لما هو أسما، وهو الوطن بكل مقوماته التنموية، وبكل معززاته البشرية، التي تفرض أجندتها الحاضرة على سياقات التنمية المختلفة، ولا محيد عن ذلك إطلاقا، ولذلك عندما يقيم أداء السلطة التنفيذية، وهي السلطة الأكثر اشتغالا في مشروعات التنمية المختلفة، فإنه يستحضر في ذلك اشتغال السلطة التشريعية، لأنها الموكول إليها تصويب مسارات التنمية، وهذا التصويب ليس يسيرا القبض به، وتطويعه تصويبا لهذه المسارات إلا بوجود أعضاء تشريعيين على قدر كبير من المعرفة والخبرة، فهي مسارات معقدة، وعميقة، وتحتاج إلى كثير من المعرفة، ومن الصبر والحكمة، ومن الوعي الكامل والشامل لمجموعة الظروف المحيطة، على المستويين المحلي والدولي؛ على حد سواء، حيث لم يعد هناك عزلة عن المجتمع الدولي، وما يدور فيه من إرهاصات، ومن تصدعات، ومن إرباكات، وخاصة لدى صانعي البرامج التنموية، ومحددي وجهاتها المختلفة، ولذلك؛ ووفق هذا الفهم؛ لا أتفق إطلاقا مع من رفع شعار «مفهوم الدفاع عن مطالب الشعب في مجلس الشورى» كما أقرأ بين الفينة والأخرى في بعض البرامج الانتخابية التي تبناها البعض من المتقدمين على الترشح، أو كما يصرح بها البعض الآخر «شفويا» فالحقوق مصانة بحكم القانون، ولا تحتاج إلى محامين للمطالبة بها، ومفهوم تصويب مسارات التنمية، هي البحث في التشريع بما تطلبه المرحلة التنموية في السلطنة، ومجموعة التعقيدات الطارئة بحكم تفاعلات الناس مع بعضهم البعض، وبحكم مجموعة الظروف الدولية الطارئة، والتي تحتاج دائما إلى وجود تشريع يستوعب مختلف هذه التطورات المجتمعية والدولية على حد سواء.
ومع ذلك أقرأ أيضا في هذه البرامج الانتخابية التي تتوزع اليوم عبر وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من التفاؤل، والكثير من الحكمة، والكثير من بعد النظر لدى البعض من هؤلاء المترشحين، وحقيقة يحق للبعض منهم أن ترفع لهم الـ«عمامة» كما يقال، نظرا لعمق الرؤية التي يتحدثون من خلالها، وبالتالي فلا يجوز إطلاقا أن ينزل هؤلاء السابقون في عضوية مجلس الشورى، وهؤلاء المترشحون للعضوية القادمة وفق الفهم الذي تحمله تغريدة أحدهم، التي يقول فيها صاحبها: «ممثلو مجلس الشورى، يمثلون «الوسط المُتوهّم، فهم ليسوا مختلفين إلا من جهة مكان سكناهم. لا يمثلون تيارات فكرية مختلفة، ولا يملكون رؤى متناقضة، بل إن المجلس في دوراته الأخيرة كان ألا يُمثّل إلا بالرجال» فغريب هذا القول، وماذا كسبت الأوساط في التجارب البرلمانية الأخرى التي تزخم حتى التخمة بـ «تيارات فكرية مختلفة» إلا الدمار، أو أقلها التشظي، والارتباك، والدخول في متون صراعات، لا أكثر ولا أقل، فهؤلاء جميعهم هم موضع تقدير واحترام، وإلا ما اعتمدت أسماؤهم؛ من الأصل؛ لكي يكونوا في قائمة المتنافسين على عضوية المجلس للفترة التاسعة.
وهنا أتكئ أكثر على «إحصائية نشرتها وزارة الداخلية عبر موقعها الإلكتروني، والتي بينت فيها المؤهلات العليمة للمترشحين لانتخابات أعضاء مجلس الشورى لهذه الفترة، وقد بينت هذه الإحصائية التصنيف التالي: (32) من حملة شهادة الدكتوراه (29 ذكورا؛ 3 إناث) و(91) من حملة شهادة الماجستير (82 ذكورا؛ 9 إناث) و(249) من حملة شهادة البكالوريوس (238 ذكورا؛ 11 من الإناث) و(74) من حملة شهادة الدبلوم العالي (69 ذكورا؛ 5 إناث) و(321) من حملة شهادة التعليم العام (306 ذكور؛ 15 من الإناث) فهذه المؤشرات الإحصائية بالغة الدلالة، لتقييم أعضاء الفترة، ولجس نبض مستوى الوعي السياسي « (جريدة عمان في 15/‏‏7/‏‏2019، العدد (13922) الذي يتحل به أبناء المجتمع العماني، وهذا يلجم أفواه الذين يحبون أن يروجوا لشائعات عدم الإقبال على الترشح لعضوية المجلس، أو الذين لا يزالون يبخسون مجموعة الجهود التي يبذلها أعضاء المجلس طوال فترة العضوية التي تمتد أربع سنوات عبر (4) أدوار انعقاد سنوية، أما مسألة خلط الأوراق بالعزف على وتر شراء الأصوات، وأن المترشح لن يحصل على أصوات إلا بهذه الوسيلة، فهذه تبقى حالة الضعيف، وأصبح واضحا من هو المستحق للترشح، فأفراد المجتمع أيضا على قدر كبير من الوعي والإدراك لهذه الحقيقة، وهي وإن كانت غير مخفية، فهذه حالة عالمية، وموجودة في كل التجارب البرلمانية، ومن يقرأ عنها يجد العجب العجاب في هذا الجانب، خاصة في الدولة التي بها أحزاب، وتكتلات سياسية كبيرة ومعقدة، ومع ذلك فهناك «إجراءات قانونية من قبل الادعاء العام تتخذ في حالة ضبط أية مخالفات، وكذلك عقوبات تطال الناخبين والمترشحين والعاملين باللجان في حالة المخالفة» بالإضافة إلى «عقوبات لكل من أعطى أو التزم أو تعهد أن يعطي ناخبا فائدة لنفسه أو لغيره مقابل صوته» هذا ما أكد عليه فضيلة الدكتور خليفة بن محمد الحضرمي نائب رئيس المحكمة العليا رئيس اللجنة العليا لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، لأن المتاجرة في الأصوات فعل مجرم يعاقب عليه المشرع بالحبس والغرامة» (جريدة عمان في 28/‏‏4/‏‏2019م، العدد (13844).
يمكن القول ختاما، وهو ما يهم الطرفين الناخب والمنتخب، أن هناك جدلية قائمة؛ وهذه صورة نمطية موجودة في كل التجارب البرلمانية؛ بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وكلاهما محق فيما يذهب إليه، فالسلطة التشريعية تستمد قوتها من الناخب الذي اختارها، وأوصلها إلى تحت قبة البرلمان، والسلطة التنفيذية تستمد قوتها من مجموعة المعلومات والإمكانيات المادية والفنية التي تمتلكها، وبقدر الضغط الذي يدفع به أفراد المجتمع على عضو السلطة التشريعية، فإنه يواجه بمجموعة من الحقائق غير المتاحة للعامة، وهي حقائق تظل موضع تقدير، وبالتالي إن قيّم الناخب تقصير السلطة التشريعية، فإن ذلك ليس شرطا يوسم به هذا العضو في هذه السلطة، فهو يعاني أيضا من قلة المعلومات المتاحة أمام السلطة التنفيذية، ولذلك أوصت ندوة «دور المجالس التشريعية في تحقيق التنمية» التي عقدت مؤخرا في السلطنة بـ «إلزام الجهات المعنية بمبدأ الشفافية والإفصاح وتقديم المعلومات الدقيقة» (جريدة عمان في 18/‏‏9/‏‏2019م، العدد (13987). وخلاصة هذا كله، أن السلطتين التشريعية والتنفيذية يعملان على خير البلاد ونفعها، وعلى أبناء المجتمع أن يكونوا قضاة لأنفسهم، ومع أنفسهم، وبلا شك أن الجميع أمام مسؤولية وطنية كبرى، والجميع يرتهن على بناء وطن بكل مقوماته الحضارية والتنموية، والجميع يعي أن مسؤولية بناء الوطن هي مسؤوليته، وبالتالي فمتى وقع الاختيار على فلان من الناس؛ من المترشحين؛ فهذا الاختيار لا يجب أن يخرج عن هذه المحددات كلها الذاهبة إلى بناء الوطن، حاضرا ومستقبلا، و«هؤلاء الأعضاء (86) القادمون والذين يمثلون الـ (61) ولاية هم يدركون أيضا مجموع المهام والمسؤوليات الملقاة على عاتقهم، ويظلون الأكثر صدقا، وحرصا، ونقاء وصفاء، وهم يتعاملون مع مجموعة التشريعات التي تتداخل في جميع مجريات الحياة العمانية». وأشير أيضا إلى أن الفترة التاسعة القادمة ستشهد زيادة بـ «عضو واحد» حيث كانت الفترة الثامنة بـ (85) عضوا.