بلد خيالي يعيد تأجيج نيران مخاوف إقليمية حقيقية

محمد الدهشان – ترجمة : أحمد شافعي –

وصل حديثا إلى البلدة: بلد عربي جديد. حسن، إنه ليس في البلدة بالضبط. فالحق أنه يخلو حتى الآن من أي بلدة أو إقليم محدد في هذا السياق. غير أن له ملكا (غير معروف في ما يبدو)، ورئيسة وزراء، ومجموعة كاملة من المراسيم الشرفية، وحفنة من الحسابات في مواقع التواصل الاجتماعي، بل و«رؤية 2030». فلترِّحبوا إذن بمملكة الجبل الأصفر أو Kingdom of the Yellow Mountain.
تم الإعلان عن المملكة هذا الشهر فقط، ولكنها تؤجج بالفعل جمرات المشاعر وتثير حمى من الكتابات، وليست غرابة القصة وحدها ـ أي قصة ظهور بلد جديد وافتتاحه في أرض مشاع بين مصر والسودان، وهو ما يمثل ولا شك سببا أكثر من كاف لإثارة انتباه مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي ـ بل لأنها تمس في ظاهر الأمر عصبا شديد الحساسية.
أعلنت المملكة المفترضة الداعي إلى وجودها محددة إياه في تخفيف معاناة اللاجئين في العالم. فهي تعرض المواطنة على من لا وطن لهم في شتى أرجاء العالم، وتلك قضية ذات قيمة، ولكنها أثارت الجدل. فتساءلت بعض التغريدات -هزلا أو جدا- عن طريقة الانضمام للبلد الجديد. وذهب بعض التغريدات الغاضبة إلى أن الأرض جزء من «صفقة القرن» المزعوم المنسوبة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي صفقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين تهدف إلى استيعاب الفلسطينيين بعيدا عن وطنهم. غير أن البعض يزعم أنها وسيلة لـ«جمع السنّة العرب ممن فقدوا أوطانهم في سوريا والعراق». وتمضي التكهنات والنظريات إلى أقصى ما يصل إليه الخيال.
تطالب مملكة الجبل الأصفر الجديدة -وعدد سكانها صفر- بأرض جرداء مشاع هي أرض «بير الطويل»، ومساحتها 800 كم مربع على الحدود المصرية السودانية لتكون أرضا لها. وبير الطويل -بموجب مصادفات الرسم الاستعماري للخرائط وسخافات المزاعم المتنافسة على الأرض- تمثل قانونيًا أرضًا مباحة terra nullius: أي أنها أرض لا يطالب بها بلد شرعي، وتقع خارج خريطة كل بلد وخارج حدود البلاد المعترف بها. والأماكن الأخرى الوحيدة في العالم التي تعرف كأرض مباحة هي جيوب على طول الحدود الكرواتية الصربية. كما أن هناك أيضًا قليلًا من البلاد التي أعلن عن قيامها ساسة مبدعون ومغامرون.
رمال بير الطويلة غير غريبة على مزاعم المغامرين. ففي ديسمبر من عام 2014، زعم هاو لاسلكي روسي يدعى دميتري جيخاريف Dmitry Zhikharev ملكيته لها مطلقا على مملكته فيها اسم «مملكة الأرض الوسطى».
كما أن جيريميا هيتُن ـ وهو مزارع أمريكي ذو ميول مشيحانية (إذ حمل أول شعاراته لبلده المزعوم رسما لقديس ينحر تنينا فضلا عن نقوش بالإنجليزية والجورجية) وبراعة تجارية ـ قد سافر إلى بير الطويل وغرس علما هناك في يونيو 2014 بحسب ما يزعم.
أعلن نفسه «ملك شمال السودان» وأطلق موقعا على الإنترنت يبيع المواطنة والفروسية في بلده الخيالي فضلا عن عملة افتراضية بل وحقوق تسمية الشوارع. والظاهر أنه باع أيضا حقوق القصة لديزني. وبالمثل حدث في نوفمبر 2017 أن ذهب مبرمج هندي يدعة سواياش ديكسيت Suyash Dixit إلى بير الطويل ليغرس علمه المصنوع منزليا في الأرض الجرداء ويغرق في اهتمام وسائل الإعلام الهندية.
تبادل الثلاثة اتهام بعضهم بعضا بالكذب بشأن القيام بتلك الرحلة، مشيرين عن حق إلى أن السلطات المصرية لا يمكن أن تسمح لأجانب عشوائيين أن يعبثوا بمحاذاة حدودهم. غير أنه بدا لأحدهم من اللائق أن يغرد في غضب عن أحدث هذه المزاعم فنشر رسالة لم تخل من خطأ إملائي وصف فيها الملك الصوري للجبل الأصفر بـ«الشخص المختل عقليا».
ربما تقوم مملكة الجبل الأصفر على أرض واقعة تحت كثير من النزاع، لكنها في ما يبدو أول بلد عربي فنتازي، وهو بلد منهمك في عمل جاد لتحقيق حضور على الإنترنت يتجاوز مجرد صورة ملتقطة ذاتيا بجوار علم. فهذا المشروع في واقع الأمر يبدو أكثر احترافية وأفضل تخطيطا، وملكه الصوري لا يبدو شخصا أخرق قد يسوق سيارة عابرا الصحراء متهربا من حرس الحدود. فنادرة نصيف ـ رئيسة الوزراء المعلنة والشخصية العامة الوحيدة حتى الآن ـ تعرِّف نفسها في مواقع التواصل بأنها رئيس شركة تعليم تهدف إلى إقامة المدارس، ومالكة شريكة تأمين اسمية ووكالة عقارية، ومالكة شريكة لمدرسة ثانوية في لبنان. تتضمن درجاتها العلمية شهادة جامعية من جامعة بغداد ودكتوراة فخرية من جامعة على الإنترنت. ويبدو أن مقر شركاتها يقع في ميشيجن.
لمملكة نصيف أيضا حساب في يوتيوب، والعديد من حسابات تويتر التي تعيد نشر تغريدات بعضها بعضا. وموقع المملكة الإلكتروني يمتلئ ببطء بالمعلومات عن البلد. وثمة موقع إلكتروني واحد على الأقل يمكن بالصدفة تحديد مستضيف سعودي له، وذلك خيار مستبعد لأي شخص غير مقيم في السعودية.
بحسب فيديو مبثوث من خلال حساب يوتيوب، فإن وراء هذا المشروع «عددًا من العرب الذين استشعروا المسؤولية تجاه الأمة العربية وكذلك تجاه حقوق الإنسان والمبادئ الإسلامية، وتجاه حل الأزمات التي شردت الآلاف وأنكرت عليهم أبسط حقوق الإنسان». (ولا يبدو أن اللاجئين الفلسطينيين هم الهدف من هذا السعي. كما يشدد الفيديو على دعم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لسنة 1948 الذي أكد على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة).
لم يصدر رد فعل عن الحكومتين المصرية أو السودانية ـ وهو ما يتماشى مع استخفافهما بما سبق من مساعي غرس الأعلام ـ لكن لا تبدو بوادر على قرب نهاية القصة. بل إنها اكتسبت قريبا في واقع الأمر أهم منابرها. وهناك بعض المعلقين ـ ممن يجهلون على الأرجح تاريخ المطالبات بتلك الأرض ذات الوضع الجغرافي الغريب ـ وقد أعربوا سرا عن مخاوفهم من أن تكون المملكة مسعى أكثر لؤما مما يبدو، ويهدف إلى تقويض السيادتين المصرية السودانية ـ أو على أقل تقدير لإثارة البلدين من خلال نزاع قانوني ما طويل الأمد.
أراد جيريميا هيتن أن يستهل مملكته بإعلان ابنته أميرة، وانتهى موصوفا بالكولنيالي. ولكن ذلك لم يمنع ديزني من الرغبة في عمل فيلم عن القصة.
لكن بير الطويل ليست تلك الأرض المباحة حقا فهي مقابلة لصراع أكبر كثيرا بين مصر والسودان على مثلث حلايب وشلاتين المجاور، وهو منطقة تبلغ مساحتها عشرة أمثال بير الطويل، وسوف يكون حل وضع منطقة بير الطويل نتيجة لحل مشكلة حلايب. وحلايب منطقة يسكنها قرابة 28 ألفا من المنتمين في المقام الرئيسي إلى قبائل البشارية والعبابدة، ويقع المثلث على أرض غنية بالثروات المعدنية منها النفط والنحاس والمجنسيوم والذهب، بمحاذاة طرق شرق إفريقيا التجارية، وفي مقابل السعودية، مطلة على البحر الأحمر، بما يجعل قيمتها الجيوسياسية أعلى كثيرا، وبما جعل المثلث وسكانه ـ لسوء الحظ ـ موضع تنافس بين مصر والسودان منذ عام 1956.
لو أن خيرا من أي نوع يرجى أن ينجم عن مملكة الجبل الأصفر والاهتياج الذي أثارته، فلعله يتمثل في لفت الأنظار مرة أخرى إلى نزاع حلايب، والدفع المرجو إلى حل دائم للصراع يحقق الأصلح للسكان المحليين. ولقد حددت المملكة، على أي حال، لنفسها موعدا نهائيا للبدء في استقبال المواطنين هو عام 2020، مع مجموعة من خطوات إقامة الدولة تتخذ حتى ذلك الموعد.
ويبدو هذا بعيد الاحتمال. ففي أفضل الحالات يمكن للزعامات المفترضة الجديدة أن تبيع القصة أيضا لديزني. وفي أسوئها، سوف تخسر حرب تويتر ضد الطامحين الآخرين في التاج فتتلاشى قليلا قليلا من المشهد.

■ كاتب المقال هو مؤسس شركة OXCON الاستشارية التي يتركز نشاطها على الدول الهشة في مراحل ما بعد الصراعات. وهو كذلك زميل غير مقيم لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في واشنطن، ومؤسس شريك لـ لشركة Afrilanthropy الاستشارية الخيرية.

■ ■ عن موقع مجلة: فورين بوليسي في 25 سبتمبر 2019