الذكاء الاصطناعي والروبوتات والمدينة الفاضلة

تاكاميتسو ساوا – جابان تايمز – ترجمة قاسم مكي –

تتقدم الابتكارات التقنية في حقل الذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة مما دعا الكثيرين إلى القول بأن كل وسائل الإنتاج لن تكون في حاجة إلى البشر لتشغيلها وأن معظم الأعمال الكتابية سيتولى القيام بها الذكاء الاصطناعي.
أدى ذلك إلى ظهور نظرية متطرفة ترى أن أجهزة الذكاء الإصطناعي أو الروبوتات ستحل محل البشر في مهن عديدة وسترفع معدل البطالة إلى ما يقرب من 50%. قد يكون في ذلك شيء من المبالغة لكن من المؤكد، كما يبدو، أن معدل البطالة التقنية (فقدان الوظائف بسبب التقدم التقني) سيصل إلي ما بين 10 % إلى 20%.
هذا يعني أنه في حال لم نتخذ بعض الخطوات ستقود الثورة الصناعية الرابعة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الكبيرة الجنس البشري إلى مدينة فاسدة (دستوبيا) وليس فاضلة (يوتوبيا ).
السؤال هو : ماهي الإجراءات التي يمكن اتخاذها كي تمضي بنا هذه الثورة إلى المدينة الفاضلة؟
يتم توزيع الناتج المحلي الإجمالي، وهو إجمالي قيمة الدخل المكتسب في بلد ما خلال فترة زمنية معينة، بين رأس المال والعمل. في الوقت الحاضر تصل النسبة المخصصة للعمل إلى 60% من هذا الناتج. وإذا تحررت المصانع من العمل البشري وتولى الذكاء الاصطناعي معظم العمل الكتابي الروتيني من الراجح أن تتقلص إلى 20% .
وفي حين أن متوسط معدل الضريبة على تعويضات (استحقاقات) العاملين والتي تشكل الشطر الأكبر من «حصة العمل» تبلغ حوالى 5% إلا أن المعدلات الضريبية المفروضة على حصة رأس المال من الناتج الإجمالي تزيد عن 20%.
لذلك سينتج عن الانخفاض الحاد في حصة العمل من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاع حاد في الإيرادات الضريبية الحكومية. وسيتم بالقوة الجبرية تحويل ما يزيد قليلا عن 20% من المكاسب الناشئة عن استخدامات الذكاء الاصطناعي والروبوتات ( اللذين يشكلان جوهر رأس المال) إلى الحكومة وهي الطرف الوحيد الذي يملك سلطة فرض وتحصيل الضرائب.
بكلمات أخرى، سيؤدي التحسين في إنتاجية العمل الذي يحققه الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والبيانات الكبيرة إلى مضاعفة القيمة المضافة المخصصة لرأس المال وستستقطع الضرائب ما يزيد قليلا عن 20% من ذلك المبلغ. كيف ينبغي على الحكومة استخدام هذه الزيادة في الإيرادات الضريبية ؟ يجب تخصيصها لتقديم المزيد من الخدمات العامة وأيضا تعزيز البحث الأكاديمي والتعليم ورعاية الفنانين. إنها أشياء تعتبر كلها بلا قيمة في اقتصاد السوق. من بين الأمثلة المحددة لهذه الخدمات العامة العلاج الطبي والتعليم ورعاية كبار السن مجانا والحفاظ على البيئة الطبيعية وخفض انبعاثات غاز الاحتباس الحراري. على الحكومة أيضا إعداد برنامج منح دراسية يدعم الشباب الطامحين إلى أن يكونوا باحثين في الفلسفة والتاريخ وعلم الآثار وعلم الجمال والأدب والرياضيات البحتة (هذه كلها تعتبر دراسات أكاديمية غير مفيدة) وإنشاء ما يمكن أن يسمى «معهد الدراسات الفكرية» لإيجاد فرص وظيفية للعلماء المتخصصين في هذه العلوم الأكاديمية. كما عليها أيضا تقديم العون للشباب الراغبين في امتهان أو العمل في مجال الفنون.
فعندما يتحرر البشر من العمل لإنتاج السلع والخدمات وحين تتاح لهم الفرصة للانغماس في أنشطة فكرية تعتبر بلا قيمة أو مضيعة للجهد في «اقتصاد السوق» سيعني ذلك أننا وصلنا إلى المدينة الفاضلة المثلى رغم أن المستوى المعيشي للناس في عالمها قد يكون متواضعا. وحين يتحرر الناس من نير الفقر والعمل والبطالة والإنتاج فإنهم سنتقلون باهتماماتهم بعيدا عن علم الاقتصاد ونحو مجالات مثل الفلسفة والتاريخ والأدب والفنون والعلوم الطبيعية.
لقد أنتجت اليونان القديمة فلاسفة مرموقين من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وأيضا علماء رياضيات عمالقة كإقليدس وأرخميدس. وبفضل الأنشطة الإنتاجية للرقيق الذين كانوا يشكلون ثلث السكان في «دولة المدينة» الإغريقية القديمة توافرت لهؤلاء الرجال وغيرهم من الحكماء إمكانية شغل أنفسهم بهذه العلوم غير المفيدة من منظور اقتصاد السوق. وعلى نحو مماثل، أتاح الرق لأولئك الذين عاشوا في «يوتوبيا» الكاتب توماس مور الانخراط في أنشطة فكرية بالعمل ست ساعات فقط في اليوم.
أما في اليابان فكان «نظام مالك الأرض والفلاح المستأجر» هو الذي دعم هؤلاء الناس. وكثيرا ما يظهر هؤلاء في الروايات التي كتبها ناتسومي سوسيكي (رائد الرواية اليابانية الحديثة1867 -1916) مثل المدرس في رواية كوكورو (القلب). لقد كانوا أعضاء طبقة مميزة ينفقون أيامهم في القراءة والتأمل ويعتمدون ماليا على آبائهم الذين هم بدروهم أصحاب أطيان طفيليون يجمعون الريع من الفلاحين المستأجرين ولا حاجة لهم أو رغبة في العمل. من جانبنا علينا أن نشعر بالامتنان لتولي الذكاء الاصطناعي الدور الذي كان يلعبه الأرقاء الأغاريق القدامي.
في الفترة من القرن العشرين إلى الحادي والعشرين وجدت الجامعات مبرر وجودها في تدريب أناس أكفاء يمكن أن يساهموا في التنمية الاقتصادية. فالشركات تستأجر وتدفع أجورا لمن في مقدورهم المساعدة في إنتاج السلع والخدمات.
وكانت اليابان قد ركزت اليابان منذ منتصف الخمسينات على نمو الناتج المحلي الإجمالي ووضعت على رأس أولويات سياستها التعليمية تحسين شعب العلوم الطبيعية والهندسة بالجامعات وتوسيعها لتدريب الشباب الذين سيتولون قيادة الابتكار التقني الذي كان يعتقد بأنه القوة المحركة للنمو الاقتصادي.
الشيء المهم بالنسبة لنا، في سياق تصور احتمال قضاء الذكاء الاصطناعي على الحاجة إلى العمل البشري في الإنتاج، هو أن نجعل مهنة البحث والتعليم في العلوم «غير المفيدة» خيارا للشباب الموهوبين وأن نمنح المتميزين منهم فرصة تكريس أنفسهم للقراءة والتأمل والمناظرة في معاهد البحث الممولة بواسطة الحكومة. من شأن مثل هذه التحولات الاجتماعية التي جاء بها الذكاء الاصطناعي، وهو الابتكار التقني الذي لا مثيل له في التاريخ البشري تمهيد السبيل لنهضة ثانية.
* الكاتب نائب مدير المعهد الدولي للدراسات المتقدمة بكيزوجازوا في مقاطعة كيوتو اليابانية.