أوروبا والوساطة بين إيران والولايات المتحدة

أيلي جيرانمايا – المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية –
ترجمة قاسم مكي –

تصاعدت التوترات بين إيران والولايات المتحدة إلى مستوى جديد وخطر. فالهجمات الأخيرة على المنشآت النفطية في الشرق الأوسط والتي اتهمت بها الولايات المتحدة إيران أثرت بشدة على الإمدادات العالمية ودفعت الرئيس دونالد ترامب إلى التفكير في اللجوء للاحتياطي النفطي الإستراتيجي لبلاده والتهديد مرة أخرى باتخاذ إجراء عسكري ضد إيران.
لكن أحداث الأشهر الأخيرة هذه تشير فقط إلى أي حد يمكن أن تسوء الأشياء. لذلك على القادة الأوروبيين في الجمعية العامة للأمم المتحدة اتخاذ موقف مشترك لتهدئة هذه التوترات وتحذير كلا الطرفين بأنهما،عما قريب، قد لا يكون في مقدورهما كسر دائرة التصعيد.
لدى ترامب الآن خياران عريضان أحدهما تكثيف حملة «ذروة الضغط» الأمريكية والتي أعدها في معظمها مستشار الأمن القومي السابق جون بولتون. لم تحقق هذه السياسة لا هدف ترامب المقرر بالتوصل إلى اتفاق نووي جديد أو إضعاف «يد» إيران في المنطقة. بل بدلا عن ذلك وفي ظرف ثلاثة أشهر واجه ترامب مرتين معضلة الاختيار بين توجيه ضربة عسكرية لإيران أو الامتناع عنها وذلك ردا على هجمات في الخليج. كما حذرت إيران من أنها إذا استهدفت ستشن «حربا شاملة» من المرجح أن تغرق المنطقة برمتها في الصراع.
بدلا عن ذلك، يمكن لترامب توظيف آخر جولة تصعيدية لاستكشاف الانفتاح الدبلوماسي مع إيران الذي أوجده الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. منذ مايو الماضي، قامت إيران والولايات المتحدة بعدة محاولات كبرى لتعظيم رافعة (تحسين موقف) كل منهما تجاه الآخر من خلال التصعيد. فالبيت الأبيض استخدم العقوبات لضرب اقتصاد إيران بقسوة ولإثبات أن هذه الإجراءات الأحادية يمكنها أن تقلص بشدة تجارتها الدولية. في الأثناء، حاولت طهران الحصول على «رافعة» للمساومة وذلك بتقليص حجم التزامها بالاتفاق النووي واستعراض قدراتها العسكرية لكي تقتنع كل البلدان بأنها ستدفع ثمن مقابل حملة «ذروة الضغط» الأمريكية ضدها.
على الدول الأوروبية السعي لإقناع كلا الطرفين بأن الوقت قد حان لتوظيف «الرافعة» التي حصلا عليها في المفاوضات بدلا عن استثارة كل منهما الآخر. وفي حين تدرك إيران والولايات المتحدة أن عليهما في نهاية المطاف التوصل إلى اتفاق إلا أنهما ليستا على استعداد للمبادرة بتقديم التنازل المطلوب للشروع في المحادثات. فكلتاهما تعتقدان أن الوقت في صالحهما. لقد عاصر قادة جمهورية إيران الإسلامية عدة رؤساء أمريكيين. وهم على ثقة من أنهم سيشهدون أيضا (وهم في الحكم) انقضاء فترة ترامب. وفي الأثناء تراهن الولايات المتحدة على أنها يمكنها الاستمرار في فرض العقوبات على إيران والتعامل مع ردود أفعالها إلى حين اتخاذ القادة الإيرانيين أول خطوة نحو المفاوضات.
هذا المسعى الدبلوماسي ليس سهلا. فمنذ مايو 2018 حين دخل بولتون إلى البيت الأبيض أدت قسوة العقوبات الأمريكية على إيران إلى تقييد فرص ترامب في إجراء مفاوضات مباشرة مع طهران. وفي مواجهة معركة إعادة انتخابه قد يجد أن حريته في الحركة مقيدة من جانب المانحين المتشددين من أمثال شيلدون أديلسون. لهذا السبب قد تتوافر له مساحة سياسية أكبر لتقديم تنازلات إذا فاز بفترة رئاسية ثانية.
كما أن إيران محاصرة بدورها. فبالنظر إلى محاولة الولايات المتحدة خنق اقتصاد إيران والقضاء على حصتها في سوق النفط يعتقد القادة الإيرانيون أنهم مجبرون على الرد. هذا السلوك التصعيدي يمكن أن يكلف إيران دعم أوروبا السياسي وصبرها على الاتفاق النووي. لكن بدون المرونة الأمريكية في جانب العقوبات تواجه إيران حزمة من الخيارات السيئة وسيتوجب عليها اختيار البديل الذي ينعش اقتصادها دون أن يستلزم ذلك استسلاما كاملا لمطالب الولايات المتحدة. وبالنظر إلى السياسة الداخلية الأمريكية، يرى بعض القادة الإيرانيين أن من الأفضل الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية في عام 2020 بدلا عن تقديم تنازلات لرئيس قد يترك الرئاسة قريبا.
لكن إيران والولايات المتحدة منخرطتان في تصعيد حاد. وإذا لم يشرع الجانبان في خفض التوترات ربما يهدران أية «رافعة» اكتسباها. مع ذهاب بولتون وتدهور الأمن الإقليمي هنالك الآن حاجة ملحة لتغيير المقاربة.
ربما أن ماكرون هو الذي اقترح طرقا لفتح الباب للمحادثات لكن اتخاذ القرار بالتحرك في يد طهران وواشنطن. في الصيف، دفع ماكرون بمبادرة لتقديم خط ائتمان (تسهيلات ائتمانية) بمبلغ 15 بليون دولار في مقابل التقيد الكامل بالاتفاق النووي والدخول في مفاوضات أوسع نطاقا. لكن أحداث الفترة الأخيرة يمكن أن تعرقل أو تؤجل هذه العملية.
لقد عبر ترامب عن اهتمامه بهذه الخطة بعد قمة مجموعة السبعة. ويمكن لخط الائتمان هذا أن يكون فاعلا فقط إذا قدمت الولايات المتحدة لأوروبا عدة إعفاءات عن العقوبات. وحتى وقت قريب بدا أن الأطراف المعنية ليست بعيدة عن التوصل إلى هذه الإجراءات (هنالك إشاعات بأن ترامب سعى إلى عقد اجتماع رفيع المستوى مع إيران في مقابل تقديم مثل هذه الإعفاءات).
ويبدو أن الرئيس الإيراني حسن روحاني، بعد أسابيع من التحرك جيئة وذهابا بين طهران وواشنطن، متلهف لإتمام مثل هذا الاتفاق والعودة إلى الالتزام الكامل بالاتفاق النووي طالما ظل الخط الائتماني قائما. من المستبعد جدا أن توافق إيران على اجتماع بين رئيسي الدولتين. لكن هنالك مؤشرات بأنها ستكون منفتحة لعقد اجتماع على مستوى أدنى مع الولايات المتحدة في «إطار متعدد الأطراف» يقدمه الأوروبيون. يمكن لترامب بتأييده لهذه الخطوات الأولية تمهيد الطريق لاختراق أكبر مع إيران.
تشكل جهود الوساطة الفرنسية حاليا المسار الوحيد لتجنب المزيد من التصعيد. وإذا انهارت المبادرة الفرنسية في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد لا يكون هنالك زعيم أوروبي مستعد للتوسط بين طهران وواشنطن. ويمكن أن تكون لذلك تداعيات كارثية للشرق الأوسط وما وراءه. فإيران لديها طرق عديدة للإضرار بالمصالح الأمريكية بما في ذلك عرقلة أي انسحاب أمريكي من الجارة أفغانستان. وعلى الرغم من مزاعم الإدارة الأمريكية بأنها أضعفت طهران بهجومها على الاتفاق النووي «توسونامي» العقوبات إلا أن إيران تشعر الآن بالجرأة الكافية للرد.
تفكر الولايات المتحدة وإسرائيل في توجيه ضربات مباشرة علنية أو مستترة لإيران. وبدأت إسرائيل سلفا في مهاجمة أصول إيرانية في سوريا وسواها. كما جاء في الأخبار أيضا أن الولايات المتحدة نفذت هجمات إلكترونية على إيران (والتي من المرجح أن تتزايد). تراكميا، تقود هذه الأعمال إلى المزيد من التصعيد ومن المؤكد أن هذا التصعيد سيزداد بقدر مؤثر إذا نفذت ضربات عسكرية مباشرة.
في هذه الأجواء على القادة الأوروبيين استخدام منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة للتأكيد على أنه كلما طال بقاء إيران والولايات المتحدة على المسار الحالي كلما زاد احتمال «تعثرهما وسقوطهما» في صراع عسكري لا يريده أي منهما.
على الدبلوماسيين الأوروبيين التركيز في المقام الأول على التواصل الشخصي مع ترامب للتأكيد على أنه يمكنه هو وحده فقط تحويل المسار الحالي للأحداث بإيجاد متنفس للدبلوماسية. وعلى الحكومات الأوروبية تحذيره بأن الولايات المتحدة إذا صعدت «حملة» ذروة ضغطها على إيران ستتزايد تكلفة ذلك ليس فقط للولايات المتحدة وأوروبا ولكن له هو شخصيا أيضا.
ففي فترة ما قبل الانتخابات الأمريكية من المرجح أن يواجه ترامب دورات متلاحقة من التصعيد مع إيران ومن التقلبات في أسعار النفط وربما الانزلاق في حرب شرق أوسطية أخرى.