مقام النبي الكريم يقبل الزيادة في العلم والثواب وغايات كماله لا حد لها ولا انتهاء

معنى الصلاة على النبي وصفتها وفضلها وحكمها للشيخ نور الدين السالمي –

أوردنا في عدد سابق الجزء الأول من موضوع: «إنشاء الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم» حسبما جاء ذلك في كتاب: «معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال» للشيخ العلامة المحقق نور الدين عبدالله بن حميد السالمي عبر مؤلفه «معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال» مبينا أن هناك تسع مسائل، ونورد هنا الجزء الثاني والأخير من المسائل التسع التي ذكرها الشيخ العلامة المحقق نور الدين عبدالله بن حميد السالمي في إنشاء الصلاة على رسولنا الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) امتثالا لقوله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وفي هذا الجزء نعرض ما تبقى منها:

المسألة السادسة
في انتفاعه صلى الله بالصلاة عليه

المختار صلى الله عليه وسلم منتفع بصلاتنا عليه؛ لأن صلاتنا عليه إنما هي طلبنا من الله تعالى رحمة له مقرونة بتعظيم، وهو (صلى الله عليه وسلم) وان بلغ في الكمال والشرف مقاما لا يناله غيره من المخلوقين فان الكمال الإنساني قابل للزيادة، وطلب زيادة الخير له زيادة كمال له، وان كان مثلنا لا يشفع لمثله، لكن أمرنا أن نطلب له ذلك فطلبنا له ذلك إنما هو امتثال لهذا الأمر، وتقرب إلى الله بالصلاة عليه، وقد جعل الله تعالى ببركة رسوله (صلى الله عليه وسلم) في الصلاة عليه ثوابًا للمصلي بامتثال وزيادة درجة لرسوله (صلى الله عليه وسلم) فزيادة الدرجات له حاصلة على عدد صلاة المصلين عليه، فليس هذا بشفاعة له منا.
وقال: ولعل السر في ذلك ما أشار إليه بعضهم من انه (صلى الله عليه وسلم) هو الدال على هذه الخيرات، وبسببه كانت لنا هذه البركات، فكلما نلنا بسببه خيرًا وبركة كان له مثل ذلك كما يروى في حديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، ويدل على ذلك قوله تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)، وروى مسلم أنه (صلى الله عليه وسلم) كان يقول في دعائه: «واجعل الحياة زيادة لي في كل خير»، قال ابن حجر الهيثمي: فعلم أن كلا من الآية الشريفة والحديث الصحيح دال على أن مقامه صلى الله عليه وسلم وكماله يقبل الزيادة في العلم والثواب وسائر المراتب والدرجات، وعلى أن غايات كماله لا حد لها ولا انتهاء، بل هو دائم الترقي في تلك المقامات العلية والدرجات السنية بما لا يطلع عليه ويعلم كنهه إلا الله تعالى، وعلى أن كماله صلى الله عليه وسلم مع جلالته لاحتياجه إلى مزيد ترق واستمداد من فيض فضل الله وجوده وكرمه الذاتي الذي لا غاية له ولا انتهاء، وعلى أن طلب الزيادة لا يشعر بأن ثم نقصا إذ لا شك أن علمه (صلى الله عليه وسلم) اكمل العلوم، ومع ذلك فقد أمره الله بطلب زيادته، فلنكن نحن مأمورين بطلب زيادة ذلك له (صلى الله عليه وسلم) انتهى المراد منه. والله أعلم.

المسألة السابعة

في حكم الصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

أورد الشيخ قوله: الصحيح أن الصلاة عليهم جائزة لما روى أبو هرير «صلوا على أنبياء الله»، وعن ابن عباس: «إذا صليتم عليَّ فصلوا على أنبياء الله فإنهم بعثوا كما بعثت». وروى عكرمة عنه اختصاص الصلاة (صلى الله عليه وسلم) وبه قال عمر بن عبدالعزيز ومالك.

المسألة الثامنة
في حكم الصلاة على غير الأنبياء من المؤمنين

اعلم أن الصلاة على غير الأنبياء إما أن تكون على طريق التبعية للأنبياء كما في قولك: «اللهم صلِ على محمد وآله وسائر المؤمنين». وإما أن تكون على طريق الاستقلال كما في قولك: «اللهم صل على فلان المؤمن»، فان كانت على طريق التبعية فهي جائزة، وأما على طريق الاستقلال:
فقيل: جائز، ويدل له قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ)، وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل على آل ابي اوفى» ومنعه الجمهور، فلا يقال: «أبو بكر صلى الله عليه وسلم»، وان كان المعنى صحيحا، كما لا يقال: «قال محمد عز وجلّ» وان كان صلى الله عليه وسلم عزيزا جليلا.
قال القطب: وعبارة البعض أن الصلاة على غير الأنبياء باستقلال مكروهة على قول الأكثرين كراهة تنزيها، وخلاف الأولى عند بعض، وحرام عند بعض، والله أعلم.

المسألة التاسعة
«في بيان التلاوة والرأي»

اعلم أن المصنف أيّد دوام الصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بشيئين: أحدهما: مدة دوام تلاوة والشرع. وثانيهما: مدة دوام هداية العقل إلى الرأي الجلي، وفي ذلك من المناسبة للمقام، ورعاية الحال، وبراعة الاستهلال، ما لا يخفى على من كان له أدنى إلمام بالبلاغة، فإنه أسند التلاوة إلى الشرع، وأضاف هداية العقل إلى الرأي، ثم جعل ذلك كله تأييدا لإنشاء الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
فأما التلاوة: فهي قراءة القرآن متتابع كالدراسة والأوراد المواظبة. وأما الرأي فهو اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، وعليه (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)، أي: يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم. وقال بعضهم: الرأي هو إجالة الخاطر في المقدمات التي رجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، ويقال لكل قضية فرضها فارض رأي أيضًا. وقال القطب: والرأي: ما اعتقدته وذهبت إليه مخترعا له، ومعناه المرئي: مأخوذ من رأي يرى فهو راء، وزيد مرئي رؤية ورأيا.
وأوضح الشيخ السالمي قائلا: وأقول: ولا بدّ للرأي أن يكون مستندًا على أصل يرجع إليه، وأصله في باب الشرع إنما هو الكتاب والسنة والإجماع، في رأي إلا إذا استند على شيء من هذه الأصول الثلاثة، وان كان استناده ظنيا، إذ ما عدا الثلاثة ليس بشرع، وليس لأحد من البشر أن يأتي بشرع من قبل نفسه، فأما إذا استند الرأي على شيء من هذه الأصول فهو ثابت صحيح عندنا، خلافا لمن منع مطلقا.
ويدل على صحته قول تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ)، إذ لا معنى لرد ذلك الشيء المتنازع فيه إلا قياسه على ما رد عليه، وقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، ففي ذكر الرد والاستنباط إشارة إلى ثبوت القياس والرأي نتيجة القياس، وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن قُبلة الصائم فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو تمضمضت بالماء ثم مججته.. الحديث». قال الفخر: يعني: إن المضمضة مقدمة الأكل، كما أن القبلة مقدمة الجماع، فكما أن المضمضة لم تنقض الصوم فكذا القبلة، ولما سألته الخثعمية عن الحج عن أبيها فقال عليه الصلاة والسلام: «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته عنه هل يجزئ؟ فقالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: فدين الله أحق بالقضاء». وفي الأثر عن عمر رضي الله عنه انه قال: «اعرف الأشياء والنظائر وقس الأمور برأيك». والله أعلم.