إضاءة :بـشـارة النـبـيـيـن

سالم الحسيني –

كم نحن في حاجة لأن نعيش في عالم تسوده المحبة والألفة والسلام، عالم يسلك أتباعه سبل الهداية والرشاد، عالم لا يعرف أهله إلا الحب والإيثار، عالم يعيش في بحبوحة من العيش لا حد لها ولا انتهاء، قد يقول قائل: إنه عالم الأحلام .. والحقيقة أنه ليس بعالم المستحيل، انه الوعد الحق الذي جاء به النبي الكريم من لدن العزيز الحكيم، كما جاء به الأنبياء من قبل.. وهنا الحق سبحانه وتعالى يؤكد لنا ذلك، فإذا ما تحقق الشرط تحقق الوعد.. (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) فجعل سبحانه التقوى والالتزام بالمنهج الإلهي شرطًا لتحقيق ذلك الوعد، ووعد بالمزيد. وجاءت هذه الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام لتزف هذه البشرى، ولتخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الإيمان ولتسلك بهم إلى طريق الهدى، إلى حيث السعادة الأبدية، جاءت لتبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم من الله فضلًا كبيرًا، وتنذر المعرضين الذين ناصبوا العداء لهذا النور، وحاولوا جاهدين إطفاءه بكل ما أوتوا من قوة، وآثروا الانغماس في الملذات والشهوات، ولذلك جاء التحذير الشديد من مغبة ذلك وتجاهل الأمر الرباني، وقد ساق القرآن الكريم الكثير من المشاهد التي للتذكير بذلك اليوم الموعود وأهواله.. حيث تنخلع القلوب وترتعد الفرائص وتتلاشى معه الشجاعة وتتماهى حياله ما كان يعهده المرء من أخيه في هذه الدنيا من المروءة والنجدة والإيثار لعل تلك القلوب القاسية ترتدع عن غيها، انه اليوم الذي (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ)، انه اليوم الذي يجب على الإنسان اللبيب أن يحسب له ألف حساب.. فيحاسب نفسه في هذه الحياة على الكثير واليسير وعلى النقير والقطمير، فلا ملاذ يومئذ ولا مهرب من الله إلا إليه.
لقد ساق القرآن الكريم تلك المشاهد العظيمة لينذر الإنسان من مغبة عدم الاكتراث بذلك اليوم الموعود لعله يتذكر أو يخشى، ولا شك أن حياة الإنسان لا تستقيم إلا بإيمانه بالحساب والعقاب، وبضرورة الوفاء بالعهد الذي قطعه مع خالقه بالإيمان به وتعاهده على إقامة الصلاة وبذل ما أتاه الله من خير في سبيله وحفظ الأمانة وعدم انتهاك الأعراض وسفك الدماء والتصديق بذلك اليوم الموعود، وما عدا ذلك فهي أماني وأحلام ما أنزل الله به من سلطان.. (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)، وما عدا ذلك هو من أقوال المبطلين وفتاوى المطبلين الذين لن يغنوا عنا من الله شيئا. فطوبى لأولئك الفائزين في ذلك اليوم العظيم يوم (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ).. فالعاقل الفطن يحسب لذلك اليوم ويعد له الزاد والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.. وما هذه الدار بدار قرار وإنما دار امتحان واختبار فطوبى لمن فاز في ذلك اليوم بجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين.