«أبو البنات».. لقب بعيد عن الخجل والتهمة

تعبر عن واقع المجتمع والمستوى الثقافي  –
كتبت- رحاب الهندي –

في زمن الجاهلية كانوا يدفنون الفتاة فور ولادتها، وجاء الإسلام ليخلص الناس من شوائب حياتهم ويكرم المرأة، وتغيرت الحياة وانقلبت العقول لتتسيد البنات المشهد وتكرم من قبل الغالبية، لكن لا ننكر أن المجتمعات قاطبة ترحب بمجيء الذكر أكثر من الأنثى، بحجة الحفاظ على اسم العائلة، وغالبا يفضل الجميع ولادة البكر ذكرا، ويتناسى الجميع في لحظة ما أن الله هو الرازق، وهو الذي يقرر ما سوف يعطي الإنسان، فهناك من يرزقهم الله ذكورا، وهناك من يرزقهم الله إناثا، والبعض يرزقه الله إناثا وذكورا.
وفي مجتمعاتنا العربية يطلق على من ذريته إناث «أبو البنات» وكان البعض يزعجه هذا اللقب ظنا منه أن في داخل هذا اللقب معنى للشفقة، لأن حسب ظنهم أن تربية البنت أصعب والخوف عليها أكثر. ما حقيقة هذا المعنى وهل مازال مستمرا ليومنا هذا؟
نورة الوهيبية أجابت بقولها: «يمكن هذا كان أول»، نعم قد تحزن العائلة لإنجاب فتاة، لكن الآن كل شيء قد تغير، المؤمن الحق يفهم أن هذه نعمة ومحبة من الله. رزقني الله بثماني بنات وولدين، والحمد لله أجد من الجميع محبة وحنانا، والبنات زوجتهن فأصبح أزواجهم أولادي أيضا، وزوجات الولدين بنات لي، أليست هذه نعمة من نعم الله؟
اليوم يا ابنتي البنت مثل الولد، تتعلم وتعمل وتتعب، فما الفرق؟ وحين كانت بعض صديقاتي يسموني بأم البنات كنت أفرح كثيرا، هذه مشيئة الله فقط وعلينا ان نطيع الله والحمد لله.
نسرين البلوشية معلمة أجابت: أنهيت دراستي الجامعية في إحدى البلدان العربية، وأكاد أجزم أني رأيت كثيرا من العادات المتقاربة بيننا وبينهم، كان البعض يظهر أكثر سعادة فعلا أذا بكر بصبي، لكن لا يغضب أو يحزن أذا بكر بفتاة، الأمور تغيرت والمجتمعات أصبحت أكثر وعيا والفتاة أكثر دلالا من قبل، وأتيح لها كل الفرص لتقف لجانب الرجل أبا أو أخا أو زوجا.
يحضرني هنا أمثال عربية تساند وجود الفتاة ومنها حسب ما أذكر: «يلي مالو بنات.. ما حدا بيعرف إيمتى مات»، و«أبو البنات شايل على اكتافو حسنات»، و«يلي حظها قوي بتجيب البنت قبل الصبي»، وأيضا «البنت هدية.. والصبي بلية»
قلت لنسرين: هناك مثل يقول «يا مخلف البنات شايل الهم للممات»، ضحكت وأجابت: صحيح لأن نظرة المجتمع تخاف على البنت أكثر، والأب يحمل همها في حاله المرض أو الفشل في حياتها أكثر من أي شخص، وأذكر أن لي صديقة ليس لها أخوان بل كلهن بنات ،كان والدها يؤمن بما قسمه الله له، إلا أن أمنياته بالولد لم تتحقق، فيقول: «هذا نصيبي من الحياة، وبناتي أجمل ثروة في حياتي، وكانت ثروتي أفضل لو أنها تنوعت بين الصبايا والشباب، لكن لا اعتراض على مشيئة الله».
والجميع كان ينادونه أبو البنات فيبتسم، وحين تخرجن بناته تدريجيا من الجامعة وتزوجن كان يزهو بهن، وكانت زوجته اللطيفة تضمني مع بناتها قائلة: أنت ابنتي الثامنة، وأنا سعيدة جدا بوجودي مع سبع بنات في بيت واحد، فكل بنت لها شخصية مميزة، واستطعن تحقيق الكثير في العلم والمعرفة والعمل، وأعرف أنك ستنجحين وتعودين لبلادك مرفوعه الرأس».

تاج رأسي
عبد العزيز الحسني، مهندس، ولديه أربع بنات وولد، ولكنه كان يلقب حتى وقت قصير بـ«أبو البنات» إلا أنه الآن لا يعتبر هذا اللقب وصمة عار، حيث يقول: «لماذا نعتبر لقب أبو البنات (سبة)؟! شخصيا أعتبره تاجا على رأسي، فقد ظللت 15 عاماً بعد زواجي ألقب بأبي البنات، تحديداً بعد العام الثاني أي مع قدوم ابنتي الثانية، وقد رزقني الله بأربعة بنات، عاهدتُ الله على تربيتهن أحسن التربية، فرزقت بولد بعد 15 عاماً من زواجي».
ويضيف: «لكنني ويعلم الله أن بناتي أحب إليّ من الولد، وأنهن قد تصدرن مراكز مرموقة في المجتمع، فالكبرى مدير دعاية وإعلان، والثانية محاسبة، والصغريين ما زالتا تدرسان بالجامعة، ورغم أنني عُيّرتُ كثيراً من المقربين لي بأنني «أبو البنات» إلا أنني لم أقصر في حقهن ولم أشعرهن بشوقي إلى الولد قبل وبعد مجيئه».

ليست تهمة
الدكتورة عبير الزدجالية، تؤكد أن المجتمع مازال أسير العادات القديمة، التي كانت ترفض المرأة كليا، صحيح أن الحياة تغيرت وتطورت لكن ثمة جذورا من الماضي ما زالت ممتدة الى واقعنا، والواقع التاريخي يحدثنا عن كثب عن كل هذه التفاصيل.
وترى الدكتورة عبير أن تهمة أبو البنات هي تهمة ليست سيئة بالمفهوم الاجتماعي والأخلاقي، لكنها تعبر في الوقت نفسه عن واقع المجتمع والمستوى الثقافي الذي ينبت في هذا الجو الخاطئ.
مضيفة : «لا يمكن تقبل هذه التهمة إذا ما حاولنا تفسيرها على حقيقتها، حقيقة ولادتها، أي حقيقة التخلف الذي يحاصر مجتمعنا حتى اليوم أحيانا وعند البعض، وتحية لكل أبو بنات أحسن في تربيتهن.