مكتبات تاريخية سرية اكتشفت بالصدفة

مكتبة الكهف

على أطراف صحراء جوبي في الصين، يسمى جزء من شبكة من معابد الكهوف في دونهوانج، كهوف الألف بوذا، التي ظلت متوارية عن الأنظار لنحو ألف سنة، حتى اكتشف وانج يوانلو، راهب من الطائفة الطاوية وأحد الرعاة غير الرسميين للكهوف، الباب السري المؤدي إلى غرفة ملأى بالمخطوطات التي يعود تاريخها من القرن الرابع إلى القرن الحادي عشر بعد الميلاد.
وفي حين لم يبد المسؤولون بالإقليم اهتمامًا كبيرًا بالوثائق بعد أن أخبرهم وانج بأمرها، فقد تناقل الناس أخبار الكهف، وتمكن أوريل ستاين، المستكشف المجري المولد، من إقناع وانج ببيع نحو 10 آلاف مخطوطة.
ومن ثم تقاطرت وفود من فرنسا وروسيا واليابان، وخلا الكهف من جل نصوصه القديمة. وذكرت مجلة «نيويوركر»، أنه: «بحلول عام 1910، عندما أمرت الحكومة الصينية بتحويل المستندات المتبقية إلى بكين، لم يكن قد تبقى من المخطوطات الأصلية إلا نحو خمسها فقط».
ورغم ذلك، يمكننا رؤية الكثير من المخطوطات الأصلية الآن، إذ أطلقت مبادرة لتحويل مجموعة الوثائق الورقية إلى مدخلات رقمية سنة 1994. وتقود مشروع دونهوانج الدولي المكتبة البريطانية وشركاؤها حول العالم.
وتقول مجلة نيويوركر: «سيتمكن الباحثون في سجل المحفوظات، من دون أن يبرحوا مكانهم، من فحص أول خريطة نجمية مكتملة في العالم، وقراءة صلوات كتبها تاجر باللغة العبرية في طريقة من بابل إلى الصين، وفحص لوحة لقديس مسيحي متنكر في شكل بوديساتفا، وقراءة نصوص عقد بيع جارية في مقابل تسديد دين على تاجر حرير، أو صفحة من كتاب للتنبؤات مكتوب بالأبجدية التركية القديمة الشبيهة بالرونية».
ولا أحد يعلم لماذا ظل هذا الكهف طي الكتمان، ويرى ستاين أنه كان بمثابة طريقة لحفظ المخطوطات التي لم تعد تستخدم، وفي الوقت نفسه لا يمكن التخلص منها لشدة أهميتها، لتصبح نوعًا من «المخلفات المقدسة». في حين يرى بول بيليو، الخبير الفرنسي بعلم الصينيات، أن هذا الكهف وضعت فيه المخطوطات سنة 1035 حين غزت إمبراطورية شيشيا (شيا الغربية) مدينة دونهوانج.
ولكن أيًا كانت الأسباب، فإن محتويات هذا الكهف غيرت التاريخ منذ أن اكتُشفت قبل قرن من الزمن. إذ تضم وثائق دونهوانج كتاب مجموعة الحكم الماسية (سوترا الماسية)، أحد الكتب المقدسة الرئيسية في الديانة البوذية. وبحسب المكتبة البريطانية، تعود النسخة الموجودة في الكهف إلى سنة 868، وهي «أقدم كتاب مطبوع كامل ومؤرخ في العالم».

محفوظات الفاتيكان السرية
وعلى عكس مكتبة الكهف، فإن موقع محفوظات الفاتيكان السرية كان معلومًا منذ إنشائه سنة 1612، ومع ذلك فإنه لم يسلم من نظريات المؤامرة. وتتضمن محفوظات الفاتيكان السرية مراسلات البابوات التي تعود إلى ما يزيد عن 1000 سنة، وقد أُثيرت شائعات حول مجموعة المحفوظات، وقيل أنها تضم جماجم لفضائيين، ووثائق تثبت وجود نسل للمسيح، وآلة زمن تسمى «كرونوفايزور» صنعها راهب بندكتي ليذهب في رحلة عبر الزمان ويصور صَلب المسيح.
وفي محاولتها لدرء الأكاذيب، فتحت الفاتيكان أبوابها أمام الناس في السنوات الأخيرة، كما عرضت بعض الوثائق من المحفوظات في معرض خاص أقيم في متاحف كابيتوليان بروما. وقد سمح البابا ليو الثالث عشر للمرة الأولى لزمرة من الدارسين، المنتقين بعناية، بزياة المحفوظات سنة 1881، والآن، يمكن للباحثين أن يطلعوا على الكثير من المستندات، شريطة ألا يتصفحوها.
إلا أنه ما زالت بعض المناطق من المحفوظات محظورة، فلا يسمح للباحثين بالاطلاع على أي ورقة كتبها البابا منذ 1939، منذ أن تقلد البابا بيوس الثاني عشر، منصب البابوية إبان الحرب العالمية الثانية، كما أن الجزء ذا الصلة بالشئون الشخصية للكاردينالات من المحفوظات من سنة 1922 إلى يومنا هذا غير متاح للناس.
ويقوم على حماية المحفوظات السرية، التي وضعت في مخزن خرساني تحت الأرض، في جزء من جناح خلف كنيسة القديس بطرس، حراس سويسريون وضباط من القوات الشرطية الخاصة بمدينة الفاتيكان.

مخطوطات «جنيزة»
تُركت مجموعة من المخطوطات، بعد أن طواها النسيان لقرون طويلة، في الفسطاط بمصر القديمة، حتى أدرك يهودي روماني أهميتها. وعلى الرغم من أن يعقوب سافير قد وصف المخطوطات المدفونة في كتاب له سنة 1874، إلا إن هذه المجموعة القيّمة من الوثائق المهمة لم تخرج إلى العلن إلا سنة 1896، حين عرضت التوأمتان الاسكتلنديتان أجنس لويس ومارجريت جيبسون بعض من هذه المخطوطات على زميل لهن في جامعة كامبردج، هو البروفيسور سليمان شختر.
في أحد جدران معبد بن عذرا، عثر على نحو 280 ألف قصاصة من مخطوطات يهودية، سميت فيما بعد بـ«الجنيزة». ووفقًا للشريعة اليهودية، لا يجوز إلقاء أي ورقة كتب عليها اسم الله، ولهذا تختزن الأوراق التي لم يعد لها استخدام، ولكنها تتضمن لفظ الجلالة، في مكان ما من المعبد أو المدفن، إلى حين دفنها.
وعرفت مجموعة الوثائق والمخطوطات باسم «جنيزة»، وهي كلمة عبرية تعني في الأصل «يخبئ» والتي باتت تعرف باسم «المحفوظات» أو الأرشيف. فعلى مدار 1000 سنة، كان المجتمع اليهودي في الفسطاط يودع نصوصه في مخزن مقدس. وهذه الوثائق والمخطوطات «الجنيزة»، تركت دون أن تُمسّ في القاهرة.
وقد أشاد بين أوثوايت، رئيس أبحاث الجنيزة بجامعة كامبريدج، لمجلة نيويوركر، بمدى أهمية الجنيزة للدارسين. وقال: «لا نبالغ إن قلنا إن هذه الوثائق غيرت كل ما نعرفه من معلومات عن اليهود والشرق الأوسط والبحر المتوسط في العصور الوسطى». إذ تكشف الوثائق عن أن التجار اليهود كانوا يتعاونون مع المسيحيين والمسلمين، وكان اليهود يُعاملون بتسامح أكثر مما كنا نظن في السابق، كما كانت معاداة السامية أقل شيوعًا مما كنا نعتقد.

ثنايا أغلفة مجلدات من العصور الوسطى
اكتشف المؤرخ إريك كواكيل «مكتبات مخبأة» في ثنايا أغلفة مجلدات من العصور الوسطى، في عام 2013، وصف إيريك كواكيل، مؤرخ كتب العصور الوسطى الهولندي، الاكتشاف الذي توصل إليه طلابه في جامعة ليدن بأنه «اكتشاف جدير بالاهتمام». وقال كواكيل، في إحدى المدونات، تحت عنوان أسطح محفوظات مخبأة من العصور الوسطى: «بينما كان الطلاب يبحثون في بقايا أغلفة الكتب في المكتبة كالمعتاد، عثروا على 132 ملاحظة وخطاب وإيصال من محكمة غير معلومة في منطقة نهر الراين، كتبت على قصاصات صغيرة من الورق، وخبئت داخل جلدة كتاب طبع سنة 1577». لم تكن هذه القصاصات بمثابة «نفايات مقدسة» لا يمكن التخلص منها، بل كانت أمثلة على النفايات التي أعاد مجلّدو الكتب تدويرها. وكتب كاواكيل: «كان مفهوم إعادة تدوير المواد المكتوبة شائعًا في ورش تجليد الكتب في بداية العصر الحديث (وكذلك في العصور الوسطى)».
وأضاف كواكيل: «في عام 1577، عندما كان عامل التجليد بصدد وضع جلدة للكتاب المطبوع، جمع 132 قصاصة من الورق المعد لإعادة التدوير، وشكّلها، على الأرجح وهي مبللة، ليدخلها بين ألواح الورق المقوى».
وهذا يعني أن الأوراق التي لم تكتب لتقرأها الأجيال القادمة، يمكننا أن نقرأها اليوم. ويقول كواكيل: «هذه القصاصات جديرة بالاهتمام؛ لأنه من النادر أن تجد أوراق صغيرة مكتوبة باقية من العصور الوسطى، فلا يوجد إلا أماكن قليلة يمكن أن تستقر فيها هذه الأوراق لقرون»
وتضم هذه المجموعة من القصاصات إيصالات وطلبات للخدم وقوائم التسوق، التي يعدّها المؤرخون مجموعات نادرة. يكتب كواكيل: «هذه الرسائل تقربنا من المجتمع الحقيقي في العصور الوسطى. إننا نسمع أصوات الناس من العصور الوسطى، التي لا نسمعها في المعتاد، لتحكي لنا عمّا كان يحدث على أرض الواقع».
وقد تكون المجموعة أكبر مما نظن، فقد طور كواكيل طريقة للرؤية من خلال أغلفة المجلدات الرقيقة، باستخدام الأشعة السينية المعدة لاختراق سطح اللوحات والكشف عن المراحل المبكرة لتكوينها. وفي أكتوبر 2015، بدأ يفحص الكتب المطبوعة الأقدم في مكتبة جامعة ليدن. (بي بي سي)