التجربة الانتخابية التونسية نموذج مميز

عوض بن سعيد باقوير/ صحفي ومحلل سياسي –

انتهت مؤخرا الانتخابات الرئاسية التونسية في دورتها الأولى بمنافسة 26 شخصية سياسية تونسية للظفر بمقعد الرئاسة القادمة وبعد حملات سياسية خاصة من قبل الكتل والأحزاب الكبيرة في تونس كحزب نداء تونس وحركة النهضة وغيرها من الحركات المستقلة جاءت المفاجأة بحصول قيس سعيّد على المركز الأول وبنسبة 18 ونصف في المائة من أصوات الناخبين وهو شخصية غير معروفة، كما جاء في المركز الثاني شخصية أخرى غير معروفة وهو رجل الأعمال نبيل القروي.

وغادر السباق عدد من الشخصيات السياسية المعروفة كرئيس الوزراء الشاهد والمرزوقي الرئيس التونسي الأسبق ومورو نائب رئيس البرلمان وغيرهم مما أعطى مؤشرا بأن الشعب التونسي قد كسر التقليدية في الاختيار ومن هنا يذهب قيس سعيد و نبيل القروي إلى جولة حاسمة في الانتخابات نهاية الشهر الحالي لإعلان الرئيس الجديد لتونس لمدة خمس سنوات قادمة.
وقد جاءت الانتخابات التونسية شفافة وذات مصداقية عالية وكانت نسبة التصويت تقترب من 45 في المائة وهي نسبة جيدة كما أن هناك المراقبين الدوليين ومنظمات المجتمع المدني والإعلام الموضوعي الذي كان مؤشرا موضوعيا على رسوخ الآليات الديموقراطية في تونس كما أن الجميع رحب بنتائج تلك الانتخابات بل وانضم بعض الشخصيات إلى المرشح قيس سعيد وعدد آخر إلى المرشح الرئاسي القروي ومن هنا تعد تلك الانتخابات التونسية نموذجا حقيقيا على صعيد الدول النامية والعالم.
وبصرف النظر عن الفائز في الانتخابات الحاسمة في الدورة الثانية والأخيرة فإن تونس البلد العربي الشقيق قد اجتازت التحديات وأظهرت عمقا وطنيا أراده التونسيون لتلك التظاهرة الديمقراطية وفي ظل وعي مجتمعي من كل الفئات الاجتماعية وعلى ضوء ذلك تستحق التجربة الانتخابية التونسية الإشادة والتأمل قياسا بانتخابات أخرى في أجزاء عديدة من العالم وكان من المهم أن تجتاز تونس هذا التحدي وهذا الاستحقاق الوطني الذي ينتظره ملايين التونسيين.
نحو المستقبل
تغيرت الأوضاع التونسية كثيرا منذ عام 2011 وهناك حراك سياسي ومجتمعي جعل تونس تتحرك بشكل أسرع، صحيح هناك تحديات اقتصادية في المقام الأول والحرب في ليبيا ذات الجوار الحدودي معها ومع ذلك فإن هناك تفاؤلا يسود الأوساط التونسية بأن المرحلة القادمة سوف تشهد نقلة نوعية من خلال القيادة الجديدة والتي تتمحور على استقلالية القرار الوطني وانتهاج سياسة خارجية متزنة والتركيز على مصالح المواطنين خاصة قضايا التوظيف للشباب التونسيين واستغلال الموارد وتوظيفها بالشكل الصحيح خاصة في مجالات السياحة والفوسفات والزراعة وتطوير آليات الاقتصاد الوطني.
كما أن الانتخابات التشريعية القادمة سوف تضيف مشهدا إيجابيا لاكتمال المنظومة التشريعية بعد أن تكون المنظومة التنفيذية قد اكتملت من خلال اختيار رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة كما أن تونس أصبحت نموذجا منذ 2011 التي نجحت تجربتها إلى حد كبير مقارنة بالدول العربية التي شهدت ثورات ما سمي بالربيع العربي وهذا شيء يحسب إيجابا للتجربة التونسية.
وبصرف النظر عن آليات المستقبل فإن كلا المرشحين للرئاسة يدركون حجم التحديات الحقيقية خاصة في المجال الاقتصادي وفي مجال استثمار الموارد البشرية والطبيعية ومعالجة قضايا اجتماعية والتركيز على المجتمعات خارج العاصمة خاصة تنمية الريف التونسي والذي توجد به موارد حيوية.
إن الآليات التي شهدتها الانتخابات الرئاسية التونسية كانت مؤشرا على استيعاب التجربة الديمقراطية والتي يتطلع إليها كل تونسي وتونسية، كما أن منظمات المجتمع المدني تتسم بالفاعلية خاصة المنظمات الحقوقية والصحفية ومكافحة الفساد والشفافية وهي أمور مكملة للمشهد التونسي في المرحلة القادمة في ظل أهمية التكامل بين المؤسسة التشريعية والتنفيذية والقضائية لتأتي منظمات المجتمع المدني لتعزز تلك الوحدة الوطنية في مجال تطوير العمل الوطني.

الترقب الشعبي

وسوف تشهد تونس قريبا أجواء الانتخابات الحاسمة بين مرشحي الرئاسة قيس سعيد ونبيل القروي لتحديد الشخصية التي سوف تدخل قصر قرطاج في العاصمة التونسية وسوف تكون المعركة الانتخابية ليست سهلة في ظل تقارب نسب الأصوات التي حصل عليها المرشحان في الجولة الأولى.
الشعب التونسي سوف يقول كلمته في انتخابات الجولة الثانية الحاسمة ومن خلالها سوف يتكرر الحس الوطني والذي رفض انتخاب شخصيات ينتمون لأحزاب معروفة في تونس وكتل كان لها صولات وجولات في الانتخابات التونسية على مدى عقود، ومن هنا فإن نتائج الانتخابات الرئاسية في جولتها الأولى أعطت مؤشرا على نهج جديد خاصة من قبل الشباب حول ضرورة التغيير والتجديد واختيار الشخصيات المستقلة التي لا تتأثر بأي تيارات أو أحزاب ولكن تنظر إلى المصلحة الوطنية وهذا شيء مهم للتونسيين في هذه المرحلة الحاسمة.
ويترقب الشارع التونسي مسار تلك الانتخابات وكيف سوف تكون نتائجها ومدى الإقبال الشعبي وهل تسجل نسبة التصويت ارتفاعا كما هو متوقع لتتعدى نسبة 45 في المائة على اعتبار أن النتيجة سوف تحسم اسم الرئيس القادم لتونس وسوف تكون الآليات الانتخابية هي نفسها من قبل الهيئة المكلفة بالإشراف على الانتخابات التونسية.
ولا شك أن فئة الشباب لعبت الدور الأكبر سواء فيما يخص الإقبال على الانتخابات أو فيما يخص إدارة الحملات الانتخابية خاصة للمرشح المستقل قيس سعيّد والذي يحظى بالفرصة الأكبر حسب استطلاعات الرأي العام ومن خلال برنامجه الوطني، كما أن المرشح الآخر رجل الأعمال نبيل القروي يركز على القضايا الاقتصادية وهو أمر طبيعي لشخصية لها علاقة مباشرة بالأعمال التجارية ونظرة شمولية للاقتصاد وهو عصب الحياة للمجتمعات والدول ومن هنا فإن الجولة الأخيرة سوف تشهد حراكا شعبيا على صعيد ترجيح فوز أحد المرشحين بناء على قناعات وبرامج والنظر بموضوعية للظروف التونسية والتي تحتاج إلى قيادة جديدة تستطيع اختراق كل المشكلات وإيجاد الحلول الموضوعية وان تكون هناك مكاشفة وشفافية في العمل الوطني، كما أن الشعب التونسي لديه من الثقافة والعلم والوعي ما يستطيع أن يقرر مصير تلك الانتخابات الحاسمة وفق قناعاته ومتابعته لتحركات المرشحين وعلى ضوء ذلك سوف يقول التونسيون كلمتهم لتشهد تونس قريبا رئيسا جديدا غير معروف من الناحية الحزبية والسياسية قياسا بالشخصيات الأخرى.

تحديات حقيقية

الكل يتفق في تونس على المستويين الرسمي والشعبي ومن خلال الندوات والمناظرات بأن هناك تحديات حقيقية تواجه تونس ليس فقط على الصعيد الاقتصادي ولكن على صعيد التحديات الخارجية فهناك على حدود تونس الطويلة مع ليبيا هناك حرب أهلية مندلعة ولا يعرف أحد مسارها في المستقبل وهناك مسألة الإرهاب حيث مسار العمليات الإرهابية من خلال اختراق الحدود المشتركة خاصة من قبل تنظيم داعش والمجموعات التي تنشط في الدول الإفريقية خاصة جنوب الصحراء.
كما أن هناك العلاقات الخارجية والتي تتسم بالتعقيد في ظل المحاور العربية وفي ظل التدخلات الخارجية في الشأن التونسي كل هذه التحديات تفرض على الرئيس الجديد لتونس مقاربات سياسية تحمي تونس من كل تلك التحديات خاصة موضوع الإرهاب والتي عانت منه تونس خلال السنوات الماضية علاوة على خطورة ما يجري على طول الحدود مع ليبيا.
والحديث عن سياسة خارجية موضوعية ومتزنة هو كلام منطقي للابتعاد عن سياسة المحاور المضرة ويبدو لي أن تونس مقبلة على سياسة خارجية مستقلة تضع في اعتبارها المصالح العليا لتونس والأمة العربية خاصة القضية الفلسطينية والتي تحاك لها المشاريع الغامضة تمهيدا لتصفيتها ومع ذلك فإن الشعب الفلسطيني سوف يكون هو الصخرة والتي سوف تتكسر عليها تلك المشاريع التي تنوي إدارة الرئيس الأمريكي الإعلان عنها قريبا ومن هنا فإن تونس لها مواقف مشرفة من القضية الفلسطينية واحتضنت منظمة التحرير الفلسطينية لسنوات عديدة بعد خروجها من بيروت، كما أن تونس احتضنت الجامعة العربية بعد انتقالها من مصر بعد معاهدة كامب ديفيد ومن هنا فإن تونس وتجربتها الانتخابية تستحق التأمل وبانتظار الاستحقاق الأخيرة للانتخابات الرئاسية بكل مشاهدها المثيرة والتي سوف تسفر بالتأكيد عن رئيس جديد للشقيقة تونس مع الأمنيات لهذا البلد العربي الأصيل بأن تتحقق له أهدافه الوطنية التي تخدم شعبه في هذه المرحلة المهمة.