من منطق الحقائق التاريخية إلى منطق الفرص السياسية

صلاح أبو نار –

على الجانب الفلسطيني لا تبدو الصورة أفضل. انقسام سياسي عميق تحول إلى انقسام جغرافي، وجمود في كافة المؤسسات الفلسطينية ، وتراجع في شرعية القيادات الفلسطينية مصحوبة بأزمات خلافة وتجديد قيادي ، وشلل كامل في مسار اوسلو الذي رهنت السلطة الوطنية مصيرا لقضية بمصيره، قاد إلى تحلل في الإجماع الفلسطيني حول حل الدولتين، دون أن يصاحبه صعود إجماع بديل.
في العاشر من سبتمبر أعلن نتانياهو فيما دعاه بيان إلى الأمة، أنه إذا ما أعيد انتخابه وتلقى ما دعاه « تفويضا واضحا من الأمة»، سيعلن على الفور ضم مستوطنات الضفة الغربية ووادي الأردن وجنوب البحر الميت، ووضعها تحت السيادة الإسرائيلية.
ولكن ما الجديد في هذا القرار؟ أليست الضفة الغربية محتلة بالفعل منذ 1967؟ ألا يوجد بها بالفعل مستوطنات يسكنها 400,000 مستوطن ؟ ألا يوجد في وادي الأردن حوالي 11,000 مستوطن؟ وهل توقفت إسرائيل في أي فترة ودونما ضغوط خارجية عن بناء المستوطنات أو إبطاء انتشارها؟ كلا والجديد هنا هو نقل عملية الاستيطان إلى مستوى جديد. هذا المستوى يمكن تحليله في أكثر من بعد. بعد أول هو التأطير القانوني للاحتلال والاستيطان. ينظر العالم كله إلى الضفة الغربية وغزة والجولان باعتبارها أراضي محتلة، وتشير كافة قرارات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية بهذه الصفة، ويتعامل معها القانون الدولي عبر هذا المفهوم، ولم تحاول إسرائيل في كافة تعاملاتها القانونية في السياق الدولي تحدي هذا التوصيف القانوني. الأمر الذي يعني أن القرار الأخير يسعى لإخراج الاحتلال الإسرائيلي من ولاية أحكام القانون الدولي، عبر عملية ضم قانوني وتطبيق للسيادة القانونية الإسرائيلية عليها. وفي مسعاها هذا تستند أساسا إلى الأمر الواقع ، لكنها أيضا تسعى لإيجاد تأطير نظري لموقفها. وهنا لم تكتف بأساطيرها التوراتية، أي الحقوق التاريخية وأرض إسرائيل، بل تطرح أيضا نوعا من الـتأطير الفقهي. هذا الـتأطير الفقهي عبر عنه نتانياهو باختصار بعد قرار ضم الجولان، بقوله:« انهم يقولون لا يمكنك ضم أراض محتلة، وأقول بل يمكننا ذلك لأن احتلالنا كان دفاعا عن النفس» وهل من شأن هذا أن يغير موقف القانون الدولي والمنظمات الدولية من تلك القضية؟ الإجابة قطعا بالنفي. وفقط من شأنه أن يمكن إسرائيل من التملص من ضغوط الشرعية الدولية وآليات عمل المنظمات الدولية، ومحاصرة الرأي العام الدولي لها عبر آليات سياسية تقوم على التراكم السياسي البطيء، وعبر خلق ترس قانوني دفاعي صالح للتوظيف السياسي في مواقف محددة وفي سياق تحالفات خاصة، رغم ضعفه الفقهي الواضح والمجمع عليه.
ماذا بشأن البعد الثاني؟ يسعى البعد الثاني إلى إخراج المناطق المضمومة من أي عملية تفاوض سياسي قادمة، وضمنيا إطلاق يد إسرائيل السياسية داخلها. وهو ما يعني أنه في أي تفاوض في المستقبل مع أي طرف، سوف تقوم إسرائيل بإخراج تلك المناطق من نطاق العملية التفاوضية باعتبارها خاضعة للسيادة الإسرائيلية. غير أن ما هو أخطر من ذلك أن السيادة تأتي معها بمفهوم المواطنة، الذي لن يتسع لكي يشمل فلسطينيي تلك المناطق المضمومة، الأمر الذي يعني امتلاكها للحق القانوني في ترحيل هؤلاء الفلسطينيين. وترتيبا على ذلك سوف تقتصر أي مفاوضات قادمة مع الفلسطينيين على المناطق الأخرى، وهي مناطق غير خاضعة للسيادة الإسرائيلية لكنها ستظل خاضعة لمزيج من الاحتلال المباشر والحصار الجغرافي والتفتيت الإقليمي وتقييد السيادة السياسية الفلسطينية. وهكذا يمكن أن نستخدم نفس التوصيف الذي استخدمه ترامب بعد قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، عندما صرح أن هذا القرار يعني: «إخراج القدس من مائدة أي مفاوضات قادمة».
غير أن التحليل السابق يمنحنا العلة الجوهرية للقرار فقط، وليس تفسير توقيت اتخاذ القرار. في أعقاب إعلانه كان من السهل ملاحظة حالة الإجماع داخل المعارضة الإسرائيلية، حول علاقة توقيته بالانتخابات الإسرائيلية. والواقع أن نتانياهو نفسه في خطابه عن القرار أعفانا من مهمة الاجتهاد في التحليل. استهدف نتانياهو من التوقيت تعبئة أقصى اليمين الديني. وهكذا نجد في خطابه اللفظي عبارات مثل: «هذه الخطوة سوف اتخذها فورا بعد الانتخابات، إذا تلقيت منكم تفويضا واضحا يا مواطني إسرائيل.» وسنجد الرسالة نفسها في خطابه غير اللفظي. سيقف ملقيا بيانه وخلفه خرائط ملونة، ثم يلتفت إليها وبيده مؤشر مستخدما لغة مباشرة: «الخريطة التي أمامكم تحدد حدودنا الشرقية»، ومرسلا رسالة ضمنية سافرة: «القرار جاهز للتنفيذ ولا ينقصه سوى إعادة انتخابي». وعندما يقرر عقد آخر اجتماع لمجلس وزرائه لن يعقده في القدس، بل في مستعمرة ميفوعيت يريكوغير القانونية في وادي الأردن، وفي الاجتماع يعلن المجلس اعترافه بالمستوطنة.
وفي أعقاب الإعلان عن القرار سخر بني جانتس زعيم تحالف ازرق وابيض من الإعلان، كاشفا الحسابات الانتخابية من خلف توقيته، فقال إن موقف التحالف من ضم وادي الأردن كان دوما واضحا حاسما، على عكس موقف نتانياهو الذي دون في عام 2014 خطة للتخلي عن الوادي، وها هو يتخلى عن خطته ويتبنى موقفنا.
ولن يفيدنا كثيرا الانخراط في متابعة هذا النوع من الجدال، إذ سيتحول في النهاية إلى فضح ما تطوع نتانياهو نفسه بفضحه. ومن الأفضل ترك مسألة التوقيت والانتخابات، ومواصلة تحليل ما دعوناه العلة الجوهرية لاتخاذ القرار. سنجد تلك العلة في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يستمد عناصره التكوينية من ثلاثة مصادر: مصدر سياسي تشكل من رحم طبيعة المشروع الاستيطاني الإسرائيلي والصراعات المترتبة عليه، ويتمثل في تخفيض مصادر التهديد السياسي العربي وفرض الشرعية الإسرائيلية وتصفية الشرعية الفلسطينية والدفع صوب علاقات طبيعية مع دول المنطقة.
ومصدر عسكري تشكل من رحم رؤية المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لجغرافية إسرائيل وأمنها القومي في سياقهما الإقليمي ، ويتمثل في فرض ما يعتبرونه حدودا آمنة عسكريا. ومصدر ديني تشكل من رحم المصادر التوراتية للمشروع الإسرائيلي بتلاوينها الدينية والصهيونية، ويتمثل في امتلاك ما يطلق عليه «أرض إسرائيل» وفقا لمفهوم توراتي مفترض لهذه الأرض.
ولقد كانت تلك المصادر موجودة على الدوام منذ 1948، ولكن عبر توازنات داخلية متفاوتة ومتغيرة بينها. ومنذ حرب يونيو 1976 كانت تعبر عن نفسها عبر سياسات الأمر الواقع وفرض الإرادة السياسية وإعادة تشكيل المجال السياسي والجغرافي للصراع. والخلاصة كان الضم الإسرائيلي للأراضي المحتلة حادثا ، والسيادة الإسرائيلية مفروضة، ولكن دون تحد مباشر للقانون الدولي والشرعية الدولية والحقوق العربية المترتبة عليها. وهنا يتعين طرح ملاحظة هامة. لم يكن غياب هذا التحدي المباشر مجرد التزام صوري بلا عائد سياسي، فلقد شكل كابح منع إسرائيل من التمادي في سياساتها الاستيطانية، وساهم في تشكيل السياقات الدولية للدفاع عن الحقوق العربية، ومنع مؤيدي إسرائيل الأشداء من التمادي في دعمها، ومثال ذلك الموقف من قضية القدس.
والواقع أن إسرائيل لم تمتنع عن هذا التحدي احتراما لحق أو شرعية، بل ببساطة لوجود نسق من الكوابح السياسية الدولية والإقليمية منعها من ذلك. والذي حدث أن هذا النسق دخل في صيرورة تآكل وانهيار، شكلت سياقاتها الفاعلة المناخ الذي ساعد نتانياهو على اتخاذ قراره. وسوف نجد في خطاب نتانياهو إشارة صريحة إلى ذلك، عبر استخدامه لمفهوم الفرصة التاريخية، عندما قال: «نحن لم تتح لنا فرصة مثل هذه الفرصة منذ عام 1967، وقد لا نحصل عليها مرة أخرى على مدى نصف القرن القادم».
ما السياقات التي صنعت هذه الفرصة السياسية؟ هناك سياق تحولات السياسة الخارجية الأمريكية في ظل ترامب. التحلل من الاتفاقيات الدولية والإجماع الدولي الداعم لها، وتفكيك التحالفات القديمة على نحو سريع عنيف ودونما بدائل، والعداء للأمم المتحدة بل القانون الدولي نفسه، وتصعيد سباق التسلح النووي، والتقارب الحميم مع الأنظمة التسلطية، وإدارة السياسة الخارجية بمنطق التكلفة الاقتصادية، وتسييد النزعة القومية، والقرارات السريعة في المسائل الحساسة بما يرافقها من سهولة في التصعيد والتهدئة، وتوظيف السياسة الخارجية في خدمة السياسة الانتخابية.
وفي المقابل تبدو التحولات العربية الجارية انتكاسية الوجهة. أزمة في دول الحزام الشمالي انتهت بانهيار ثلاثة منها، ودخولها في حروب أهلية حملت معها تفككا اجتماعيا عميقا، وسحبت من رصيد قدرتها على دعم القضية الفلسطينية. بينما شهدت دول أخرى أزمات من نمط آخر، حيث توسعت في أدوار إقليمية غير مؤهلة لإدارتها، تنزع لخلق النفوذ أكثر من حل الأزمات وبالتالي ساهمت في تأجيجها ، بينما تتراجع قدراتها الاقتصادية وتعاني مشاكل في الخلافة السياسية خلقت انقسامات ودفعت بقيادات جديدة مغامرة. وتحلل في النظام الإقليمي، أفقدته تماسكه العضوي القديم، وجعله مفتوحا أمام أدوار تداخلية لدول الجوار الجغرافي، أعادت ترتيب أولوياته الصراعية، ودمجته في شبكة تحالفات خارجية، وأزاحت بالقضية الفلسطينية عن موقعها المركزي. وانكفاء على الذات في الشارع العربي ، وقلص دوره كقوة كابحة للسياسات العربية، وجعله فريسة للتلاعب بفعل موجات التدفق الاتصالي المركزي الكثيفة.
وعلى الجانب الفلسطيني لا تبدو الصورة افضل. انقسام سياسي عميق تحول إلى انقسام جغرافي، وجمود في كافة المؤسسات الفلسطينية ، وتراجع في شرعية القيادات الفلسطينية مصحوبة بأزمات خلافة وتجديد قيادي ، وشلل كامل في مسار اوسلو الذي رهنت السلطة الوطنية مصيرا لقضية بمصيره، قاد إلى تحلل في الإجماع الفلسطيني حول حل الدولتين، دون أن يصاحبه صعود إجماع بديل.
ووجد التحالف اليميني الإسرائيلي الحاكم في كل السياقات السابقة فرصته السياسية، وتمكن عبر توظيفه للتحولات الأمريكية من إطلاق موجة تحولات عاصفة. بدأت بقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس ، وتلاها قرار واشنطن حظر وجود مكتب منظمة التحرير في واشنطن، ليتلوه الانسحاب الأمريكي من الاونروا، ثم الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان . وها هو قرار الضفة الغربية الذي كشف نتانياهو أنه جزء من صفقة القرن الشهيرة.