دور الحــكــومــة فــي ظــل التخصـيــص

سالم بن سيف العبدلي –
كاتب ومحلل اقتصادي –

صدر المرسوم السلطاني رقم 5/‏‏ 2019 بتاريخ 27 شوال 1440 هجرية الموافق 1 من يوليو 2019 م وهو ضمن القوانين الاقتصادية التي صدرت مؤخرا، وهي قوانين مترابطة ومكملة لبعضها البعض وقد خصصنا لها مساحة في هذه الزاوية نظرا لأهميتها وتناولناها بالشرح والتفصيل والتعليق وكما ذكرنا فإن هذه القوانين تأتي في إطار استكمال منظومة دولة النظام والمؤسسات ولتوفير بيئة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي.
قانون التخصيص الجديد الذي حل محل القانون القديم الصادر في عام 2004 م حيث يمنح مزايا عديدة من خلال إنشاء هيئة خاصة للتخصيص والشراكة والتي سوف تقوم بإصدار اللائحة التنفيذية للقانون والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكامه، ولقد عرف القانون برنامج التخصيص بـأنه: «الخطة التي تعدها الهيئة طبقا لأحكام هذا القانون والتي توضح السياسات والأغراض الخاصة بمشاريع التخصيص وطرق تنفيذها والمدد الزمنية المتعلقة بها» ويقصد بالمشروع العام حسب القانون «المرافق والمنشآت الحكومية» أما مشروع التخصيص فهو: «المشروع العام أو الشركات المملوكة للحكومة كليا أو جزئيا، التي يقرر مجلس الوزراء نقل ملكيتها أو إدارتها- بحسب الأحوال- لشخص خاص».
يتساءل البعض عن دور الحكومة في ظل قانون التخصيص الجديد الذي من خلاله يمكن أن تتخلى عن إدارة بعض القطاعات الخدمية والإنتاجية المهمة التي ظلت لسنوات عديدة تديرها بعيدا عن القطاع الخاص، نقول لقد أثبتت التجارب السابقة في العديد من الدول أن الحكومات لا يحالفها النجاح في التجارة (البيع والشراء) حيث يقتصر دورها عادة في تقديم الخدمات الأساسية والأولية والإشراف والمراقبة.
في السلطنة هناك بعض الحالات لمشاريع كانت تديرها الحكومة نذكر منها مزارع الشمس العمانية وشركة الأسماك العمانية والهيئة العامة لتسويق المنتجات الزراعية التي كانت تحقق خسائر متلاحقة- إلا أنه للأسف عندما تم إلغاؤها لم يحل محلها البديل وظل هناك فراغ في تسويق المنتجات الزراعية العمانية خاصة أنه بدأت مؤخرا تظهر بعض الشركات الخاصة في التسويق وأخذ الواقع يفرض نفسه- وشركة عمانتل التي كانت تحتكر خدمة الاتصالات لسنوات عديدة وحولت بعد ذلك إلى شركة مساهمة عامة.
أما على المستوى الدولي فإن هناك العديد من الأنظمة انهارت بسبب أنها كانت تقوم بكل شيء من تجارة وبيع وشراء وصناعة وتقديم الخدمات وهذا ما كان يعرف بالنظام الاشتراكي والذي ذاب مع الزمن كذوبان الجليد وهيمن عليه النظام الرأسمالي وظهرت العولمة والنظام الاقتصادي الحر وإن كان هذا النظام عليه العديد من التحفظات إلا أنه قد يكون الأفضل عن النظام الاشتراكي الشمولي، وقد قامت العديد من الحكومات ببيع وتخصيص العديد من القطاعات الخدمية والاستهلاكية كقطاعات الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والقطاع المصرفي وذلك من أجل تحسينها وتطويرها حتى إن الدول التي كانت يوما من الأيام داعمة ومروجة للاشتراكية أصبحت الآن تتهافت وتجري وراء العولمة والاتجاه نحو السوق.
إن تحويل تبعية بعض القطاعات من الحكومة إلى القطاع الخاص لا يعني أن الحكومة تفقد كاملة سيطرتها بالعكس فإن دورها سوف يتمثل في التنظيم والإشراف والرقابة والمتابعة وهي أدوار كبيرة ومهمة للغاية فالحكومة يجب أن تتدخل إذا شعرت بأن هناك مثلا مغالاة في الأسعار أو قيام القطاع الخاص باحتكار سلعة ما أو إذا ما قامت شركة معينة باستغلال المواطن المستهلك للسلعة أو إنتاج سلعة غير مطابقة للمواصفات أو غش للمستهلك أو غيرها من الممارسات الضارة والمشوهة للتجارة.
القانون الجديد راعى موضوع تسوية أوضاع الموظفين في حالة تأثرهم من تخصيص المشروع العام أو التحويل إلى شركات وقد خصص فصل كامل تحت عنوان تسوية أوضاع الموظفين حيث إن المواد من السادسة عشرة وحتى الحادية والعشرين كلها تركز على معالجة أوضاع الموظفين الذين يعملون في المؤسسة التي تقر الحكومة تخصيصها.
وقد ذكرنا في المقال السابق أن قانون الاستثمار الأجنبي يتيح للقطاع الخاص الأجنبي الفرصة للاستثمار في مشاريع استراتيجية مهمة للغاية وقلنا بأن العديد من الدول مثل الهند وألمانيا وبعض دول الاتحاد الأوربي وأمريكا حتى المطارات والطرق الرئيسية يديرها القطاع الخاص وهذا يخفف من الأعباء المالية على الدولة ويعود عليها بالنفع والفائدة إضافة إلى ضمان تحسين الخدمة والصيانة ويبقى دور الحكومة إشرافي ورقابي وهذا ما أكدت عليه نفس هذا المادة والتي تنص على: «ولا تخل هذه الموافقة بما للجهات المختصة من حق الإشراف والمتابعة للتأكد من التزام المشروع الاستثماري بالقوانين المعمول بها في السلطنة».
وأخيرا يمكن القول بأن هناك جملة من الأهداف ترمي إليها الحكومة من جراء تخصيصها لبعض القطاعات خاصة بعد صدور هذا القانون لعل من أهمها تنويع مصادر الدخل القومي وإفساح المجال للقطاع الخاص للمساهمة في تطوير الاقتصاد الوطني وتحريك قوى السوق والمنافسة وزيادة كفاءة تشغيل الموارد وتخفيف العبء المالي والإداري عن موازنة الدولة مما يمكنها من القيام بالاستثمارات الاستراتيجية المطلوبة في مجال الخدمات الأساسية التي لا يستطيع القطاع الخاص القيام بها إضافة إلى تطوير سوق رأس المال وزيادة فرص تشغيل المواطنين في القطاعات المختلفة وتشجيع الاستثمار الأجنبي وجذب الخبرات الفنية والإدارية والتكنولوجيا الحديثة مع تأكيدنا على أهمية قيامها بالدور المطلوب الرقابة والإشراف والمتابعة.