د.كهلان الخروصي: صدق الإيمان يدفع إلى الإحسان والعمل الصالح والمعروف للناس جميعا الإسلام يدعو إلى المسارعة في الخير وعدم تحقير القليل طالما فيه منفعة للمجتمع والوطن

الإيمان باليوم الآخر أصل الصلاح والتكذيب به أصل الكفر والمعاصي –
بعض السجايا والأخلاق لابد لها من إصلاح عام فلا يكفي أن تكون المعالجة للفرد فقط –

كتب : سالم الحسيني –

أوضح فضيلة الشيخ د. كهلان بن نبهان الخروصي مساعد المفتي العام للسلطنة أن سورة «الماعون» مع يسر ألفاظها وقلة آياتها ووضوح معانيها ترسم منهجا لإصلاح المجتمعات والأوطان غاية في الدقة والأهمية حيث تشتمل على أربعة عناصر مهمة.. مؤكدا أن أصل الصلاح هو التصديق باليوم الآخر، والتكذيب به هو أصل الكفر والمعاصي والفساد، فالذي لا يؤمن بذلك اليوم هو الذي لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا، وبالتالي لا يردعه عن الفساد ولا يمنعه من الغي والضلال واتباع الشهوات وعن الظلم والاستبداد والاعتداء على الآخرين وأكل أموال الناس بالباطل. مبينا أن هذه السورة تقرر أن الإصلاح إنما يبدأ من الإيمان بالله واليوم الآخر.
وأكد فضيلته أن بعض السجايا والأخلاق لابد لها من إصلاح عام، فلا يكفي أن تكون المعالجة للفرد فقط وإنما ينبغي أن تكون المعالجة للمجتمع بأسره، مبينا أن هذه السورة اختتمت بالتأكيد على عدم تحقير القليل، فلا ينبغي للمرء أن يحقّر من المعروف شيئا ولو كان شق تمرة طالما أن فيه خدمة ومنفعة للأسر أو المجتمع أو الوطن، فديننا الإسلامي يدعو إلى الإكثار من الخير والمسارعة في الخيرات بكل أنواعها.. جاء ذلك في محاضرة فضيلته نظمها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم الأسبوع الماضي بجزيرة مصيرة والتي جاءت تحت عنوان: «لطائف قرآنية مع سورة الماعون».

استهل فضيلته هذه المحاضرة بمقدمة أوضح من خلالها أن كتاب الله هو خير ما يجمعنا وان نجد فيه حلاوة الوحي المعجز الذي يأخذ بالألباب ويفتح الصدور لمعاني ودلالات فيها من الجمال والروعة والحلاوة ما لا مزيد عليه، فالحق سبحانه وتعالى يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، مبينا أن القرآن الكريم هو أوثق عرى هذا الحبل الذي دعانا الله تبارك وتعالى الى الاعتصام به، ولذلك خاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بقوله: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) يأمره بالاستمساك به، مضيفا فضيلته القول: دعونا نثبت هذه الحقائق في أنفسنا.. متسائلا: هل نجد نحن في كتاب الله عز وجل انه يهدي للتي هي أقوم؟! أم أننا نؤمن بذلك إيمانا نظريا، لكننا في واقع حياتنا وأوطاننا تستبد بنا الأهواء والشهوات فتمزقنا كل ممزق، ونهجر هذا النور الذي أكرمنا الله عز وجل به فنقع فيما نقع فيه من الأخطاء والمخالفات والضعف والذلة والهوان، وهل وجدنا أننا يمكن أن نلجأ الى الاعتصام بحبل الله المتين حينما تواجهنا أزمات أو فتن أو شيء مما يمكن أن يفرق كلمتنا وأن يشتت جمعنا؟ وهل جربنا ذلك فعلا؟! مؤكدا انه من خلال هذه المحاضرة سوف يثبت أن المعاني التي يمكن أن نأخذها من كتاب الله عز وجلّ لا حد لها ولا أمد.
وأضاف قائلا: سأقف مع سورة (الماعون) وسأقتصر في الأخذ منها على ما يتعلق بما نحتاج إليه من أمر صلاح مجتمعنا ووطننا.. حيث قال إن استفتاح هذه السورة بكلمة: (أَرَأَيْتَ) هو أسلوب تشويقي وهو في الوقت نفسه استفسار بمعنى: هل بلغك نبأ الذي يكذب بالدين؟ مع أن الذين كانوا يكذبون بالدين هم معلومون لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكن عندما تأتي الصيغة بصيغة الاستفهام فهذا يدفع النفوس لأن تتشوق لمعرفة من هؤلاء؟ وما هي صفاتهم؟. أما كلمة الدين في قوله سبحانه (الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) فالمقصود هنا هو الجزاء والبعث والحساب. و(الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) أي يدفع ويقهر بغلظة وعنف وإذلال كقوله تعالى في سورة الطور: (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)، أي يدفعون بإذلال وقهر وعنف، و(وَلَا يَحُضُّ) الحض هنا الحث بإلحاح وتأكيد، و(طَعَامِ الْمِسْكِينِ) المعنى واضح معروف ولكن هنا لمسة بلاغية بمعنى أن ذلك الذي يكذب بيوم الدين بمجرد الحض أو الحث على طعام المسكين لم يفعل فهو ليس ممن لا يطعم فقط بل انه لا يحث على ذلك، ودلالة الكلمة (طعام المسكين) أن هذا الطعام هو حق واجب لهذا المسكين في مال الغني، أما قوله سبحانه: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ) الويل: هو العذاب والهلكة وهو من أشد صيغ الوعيد في القرآن الكريم.. و(الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) واضحة المعنى، وقوله سبحانه: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) وهم الذي يقصدون أن يراهم الآخرون وأن يتحدثوا بحسن ما يفعلون وهي المراءاة أي يطلبون رؤية الناس لهم والرياء معلوم وهو نوع من أنواع النفاق، وقوله سبحانه: (وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) قيل انه المال اليسير وقيل هو الزكاة وقيل انه أقل ما ينتفع به من متاع البيت وآنيته كالملح والنار والماء والآنية اليسيرة التي لا تظن بها النفوس في العادة، والمعنى انه حتى هذا المقدار اليسير يمتنعون عنه.
وأكد أن هذه السورة مع يسر ألفاظها وقلة آياتها ووضوح معانيها ترسم منهجا لإصلاح المجتمعات والأوطان غاية في الدقة والأهمية فهي تحقق منهجا إصلاحيا للمجتمع والوطن على أحسن ما يكون وهي تشتمل على أربعة عناصر.. الأول: الصلة بالله تعالى والصلة بالعباد، والثاني: الفرد والمجتمع، والثالث: الظاهر والباطن، والرابع: القليل والكثير. فبالنسبة للعنصر الأول نجد أن أول هذه السورة: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ) يؤكد أن أصل الصلاح هو التصديق باليوم الآخر، والتكذيب به أصل الكفر والمعاصي والفساد والانحراف والغي والضلال، فمن لا يؤمن بالآخرة لا يرجو ثوابا ولا يخشى عقابا لا يمنعه من الغي والضلال واتباع الشهوات شيء، ولا يمنعه من الظلم والاستبداد والاعتداء على الآخرين وأكل أموال الناس بالباطل وأكل أموال اليتامى والمساكين شيء، ولذلك هنا تبدأ هذه السورة لتقرر أن الإصلاح إنما يبدأ من الإيمان بالله واليوم الآخر، ولذلك ذكرت أن العنصر الأول الذي تشتمل عليه هذه السورة هو: الله والعباد، فليس هناك انفصال فإذا كنت صادقا أيها العبد في إيمانك فيجب أن يظهر ذلك في صلتك بالعباد، حيث إن علامة التكذيب هو أمر عملي ظهر في الأخلاق والسلوك وليس أمرا نظريا فان كان صادقا في إيمانه بالله سبحانه وتعالى فعليه أن يكون محسنا الى عباد الله من أضعفهم الذي هو اليتيم الذي لا ناصر له، ثم المسكين الذي هو في عوز، ثم الجار أو القريب أو المحتاج. وان كان محسنا الى الناس فلابد أن يكون مصدر ذلك إيمانه بالله تبارك وتعالى.
وأشار فضيلته الى أن هناك من هو يؤمن بالله واليوم الآخر ولكنه سيء العشرة لأهل بيته، ولجيرانه وقرابته، غير نافع ولا مفيد لمجتمعه، بل هو معول هدم لوطنه، مبينا أن مثل هذا غير صادق في إيمانه، ونجد صورة مقابلة أيضا تجد في أوساط الناس من يظن انه محسن، حسن الأخلاق، نافع، مفيد، لكنه معرض عن عبادته لله سبحانه وتعالى مؤكدا أن ذلك لا ينفعه شيء، وذلك مناف للعنصر الأول وهو الصلة بالله تبارك وتعالى والصلة بالعبادة فصدق الإيمان يدفع الى الإحسان والعمل الصالح والبر والمعروف للناس جميعا، مبينا إن كان هناك إيمان صادق سيظهر أثره في العباد، فان كان العبد يريد أن يكون محسنا مصلحا في مجتمعه فلينطلق من صدق إيمانه بالله تبارك وتعالى إيمانا يدفعه الى العمل الصالح والعبادة الحقة الخالصة لله تبارك وتعالى.
وأضاف: أما بالنسبة للعنصر الثاني وهو الفرد والمجتمع أي صلاح الفرد وصلاح المجتمع فإن الصورة هنا تتجه لتحقيق المعادلة حيث إن هدي الأنبياء في الإصلاح لا يقف على إصلاح الأفراد وإنما يوجه أيضا لإصلاح المجتمعات، مشيرا الى أن صيغ الأفعال في هذه السورة كلها صيغ مضارعة إلا كلمة: (أرأيت) جاءت بصيغة الفعل الماضي وباقي الأفعال كلها أفعال مضارعة لأن هذه السجايا فيهم متجذرة متكررة وسيظهر أقوام أمثالهم في كل عصر وسيكونون في كل مجتمع الى أن تقوم القيامة ليكونوا عبرة وليحذر منهم أهل الإيمان، مبينا أن الصورة انتقلت من صيغة المفرد (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) الى صيغة الجماعة.. (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) موضحا أن بعض السجايا والأخلاق لابد لها من إصلاح عام، فلا يكفي أن يصلح الفرد في نفسه، بل لابد أن يستجيب المجتمع فيصلح في أخلاقه، في معاملاته، في عبادته، في تناصحه، مستدلا بقوله تعالى في جانب آخر: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) عكس هؤلاء الذين ورد ذكرهم في سورة الماعون، مشيرا الى أن هناك صورة مقابلة بين أهل الإيمان الحق الراسخ المؤثر في واقع الحياة وبين أهل الادعاء والزيف والزيغ والضلال، فلا يكفي أن تكون المعالجة للفرد فقط وإنما ينبغي أن تكون المعالجة للمجتمع بأسره فإن صلح الفرد الواحد وظل باقي المجتمع سادرا في غيه فلا يستطيع أن يفعل ذلك الفرد شيئا فإما أن يعتزل وإما أن يذوب مع المجتمع ولذلك نجد في كتاب الله عز وجل أن الوعظ والإصلاح والإرشاد يتجه الى الفرد والى المجتمع، مبينا فضيلته أن مقاصد السورة تحذير المؤمنين وهم لا يزالون جماعة بسيطة قليلة العدد الغلبة في المجتمع الذي فيه الغلبة والسيطرة لأهل مكة المشركين لكن مع ذلك تأتي هذه السورة لتحذرهم فلا يراد فقط إصلاح أفرادهم وإنما يراد تهيئتهم للمجتمع الذي سيقيمونه بعد ذلك في المدينة المنورة ليكون مجتمعا متماسكا ولذلك يتكرر في كثير من القرآن المكي كقوله تعالى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) حيث يتكرر الأمر بحسن رعاية اليتيم وذي الحاجة والمسكين لأنه يراد لمجتمع المسلمين أن يكونوا أرحم الناس باليتيم والمسكين والفقير وذي الحاجة، وهذا ما نحتاجه نحن اليوم، فنحن إذن نحتاج الى توثيق صلتنا بالله عز وجل وإحسان صلتنا بالناس لكي تقوم قائمة على البر والمعروف والإحسان والعدل والخلق القويم، ولابد أيضا أن نصلح أنفسنا وأن نتواصى بالحق وأن نتواصى بالصبر وأن نأتمر بالمعروف وأن نتناهى عن المنكر.. وذلك ما أكده العنصران الأول والثاني.
وأضاف: أما العنصر الثالث فيؤكد على إصلاح الأعمال الظاهرة وإصلاح الباطن «إصلاح القلوب» وتنقية النوايا والمقاصد من الشوائب فان كانت أعمال البر التي خالفها أولئك الذين يكذبون بالدين منفية عنهم وكانوا محرومين منها فالواجب على أهل الإيمان الصادق أن يتحلوا بها وأن يتصفوا بها فيكونوا رحماء باليتامى والمساكين وبذوي الحاجات بما تجود به أيديهم لبلوغ الدرجات العالية، ولذلك فإن الأمر لا يقتصر على الظاهر بل لابد من إصلاح الباطن ولذلك قال: (الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ) مبينا أن هؤلاء ليس لهم قصد إلا أن يتحدث الناس عنهم بخير فان خالط الأعمال مثل ذلك المقصد فإن الله تبارك وتعالى يجعله هباء منثورا ولذلك يؤكد سبحانه وتعالى هذا الأمر بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ)، وكذلك الحق سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فهو له كله) حيث إن الأعمال الصالحة إن أراد به العبد ما شرعه الحق تبارك وتعالى فذلك من الإخلاص فطلب العلم المشروع وطلب الرزق مشروع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعمارة الوطن وإصلاح ذات البين والدعوة الى الخير والبر والمعروف في الناس جميعا وصلة الرحم وإدخال السرور على قلب مسلم وتفريج كربة إنما هي مما يحبه الله تبارك وتعالى ويثيب عليها إن كانت خالصة لوجهه الكريم.
أما العنصر الأخير وهو «القليل والكثير» وذلك بالتأكيد على عدم تحقير القليل فالسورة تشير إلى أنه لا يلزم أن يدفع للمسكين أو أن يواسيه فأقل شيء فيما يتعلق بصلة المسكين أو المحتاج أو الفقير هو كلمة طيبة أو دعوة للآخرين، فان كان هو في عسر لا يستطيع أن يعطيه شيئا من المال فلا يمنع الخير عن غيره فليواسيه ولو بكلمة طيبة فأقل الصدقات أن تلقى أخاك بوجه طلق، وتبسمك في وجه أخيك صدقة كما أشار الى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فلا ينبغي لنا أن نحقّر من المعروف شيئا ولو كان شق تمرة طالما أنه من طاعة الله تبارك وتعالى وفيه خدمة ومنفعة للأسر أو المجتمع أو الوطن. وديننا يدعو إلى الإكثار من الخير والمسارعة في الخيرات، بكل أنواعها فهذه السورة تلفت أنظارنا أيضا إلى أهمية هذا العنصر، وفي مجملها في مقدور كل أحد.